من الملاعب إلى سوق الخضار.. كيف عصف 7 أكتوبر بمحترفي الكرة الفلسطينيين؟ | الحرة
وسط ضجيج سوق الخضار في رام الله، يقف وائل العواودة خلف بضاعته منذ ساعات الصباح الأولى. قبل نحو ثلاث سنوات، كان يقضي أيامه في التدريبات والمباريات ويحمل شارة القيادة في دوري المحترفين الفلسطيني.
العواودة، البالغ من العمر 30 عاما، كان لاعبا في نادي شباب السموع، وكانت كرة القدم مصدر دخله الأساسي. وبعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبته في غزة، توقفت مسابقات كرة القدم الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع، ما تركه من دون مباريات أو عقد منتظم، ودفعه في النهاية إلى البحث عن عمل آخر لإعالة أسرته.
“حياتي قبل السابع من أكتوبر كانت رفاهية حقيقية. عشت شغفي كلاعب محترف، لكن بعد الحرب انقلبت الأمور رأسا على عقب. انتظرت عاما كاملا على أمل أن تعود الكرة للدوران، لكن الأمور ساءت أكثر، واضطررت للعمل في حسبة رام الله كبائع متجول”، يقول لـ”الحرة”.
مصدر الصورة
يتذكر العواودة يومه الأول في السوق. ويقول: “كان شعورا غريبا وصعبا للغاية. لست معتادا على هذه الأجواء، لكنني استسلمت للأمر الواقع”.
لا يزال يحتفظ بحذائه وقميصه الرياضيين في المنزل. ويلعب أحيانا مع أصدقائه في ملاعب خماسية، لكنه يقول إنه يفتقد ما هو أكثر من المباريات نفسها.
“أفتقد غرف الملابس، زملاء الفريق، التدريبات اليومية، صخب المباريات، والاستمتاع بطفل أو مشجع يصرخ باسمي من المدرجات”.
ووفق بيانات حصلت عليها “الحرة” من الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، كان 6600 لاعب مسجلين رسميا في مسابقاته لموسم 2023-2024 في الضفة الغربية وقطاع غزة، قبل أن يتجمد النشاط الرياضي بقرار من الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم منذ اليوم الأول للحرب.
ولا يعني ذلك أن جميع هؤلاء اللاعبين كانوا يعتمدون على كرة القدم كمصدر دخل رئيسي. لكن توقف البطولات والعقود ضرب شريحة واسعة من اللاعبين المحترفين والمدربين والعاملين في الأندية.
يقول سامح مراعبة، لاعب نادي جبل المكبر، وأحد لاعبي المنتخب الفلسطيني سابقا، إن توقف البطولات أثر على مصدر دخله وعلى فرصه مع المنتخب.
وقال لـ”الحرة”: “تأثير الحرب علينا كان مدمرا. أمتلك سجلا مميزا مع المنتخب، لكنني خسرت فرصتي لأن الاعتماد أصبح كليا على اللاعبين الجاهزين والمحترفين خارج فلسطين”.
ويوضح مراعبة أن عقود بعض اللاعبين كانت تصل إلى نحو 150 ألف شيكل في الموسم، أي قرابة 50 ألف دولار، وأنها كانت تمثل مصدر الدخل الرئيسي لعدد منهم.
ومع توقف النشاط، توقفت دفعات مالية وعقود كان اللاعبون يعتمدون عليها.
وأضاف: “نحن نرحب بأي قرار يضمن عودة النشاط الرياضي، حتى لو كان عبر بطولة تنشيطية وبشكل تدريجي”.
ووجد إياد أبو غرقود، ابن مخيم البريج في قطاع غزة ولاعب مركز شباب الأمعري والمنتخب الفلسطيني سابقا، نفسه أمام معضلة، إذ فقد عمله في الضفة، بينما تقيم عائلته في غزة.
وقال لـ”الحرة”: “كانت الرياضة مصدر رزقنا والمتنفس الوحيد لنا، وبعد الحرب لم نخسر ملاعبنا فقط، بل خسرنا مصدر رزقنا والحياة التي كنا نعرفها”.
لكن هناك تطورا إيجابيا. فقد أعلن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في أغسطس 2026 عزمه استئناف النشاط الكروي بعد توقف دام نحو ثلاث سنوات، بدءا ببطولة ودية، على أن تعود مسابقات الدوري الرسمية في الموسم التالي.
ويقول أبو غرقود إنه بحث عن عمل لمدة 3 أشهر قبل أن يضطر إلى قبول أعمال بعيدة عن الرياضة.
وأضاف: “لم أعتد على مهنة أخرى غير الرياضة. كنت طوال الوقت أعمل بعقل مشتت”.
ويتحدث عبد الله الصيداوي، مدرب نادي شباب الخليل، عن أثر التوقف لشهور طويلة على مستويات اللاعبين. ويقول إن الانقطاع أثر على لياقة اللاعبين ومستواهم، وسيجعل العودة إلى المنافسات أصعب، حتى إذا استؤنف النشاط.
وقال: “كرة القدم تحتاج إلى استمرارية، وتوقف النشاط لفترات طويلة يعني تحول المهن الرياضية إلى مهن ثانوية أو مهجورة. سنحتاج إلى وقت طويل جدا لاستعادة الجاهزية البدنية والفنية”.
وفي الوقت نفسه، تعرضت الأندية نفسها لضغوط مالية مع تراجع الرعاية والدعم.
وقال محمد عليوي، المحاضر في جامعة بيرزيت، إن الأزمة كشفت ضعف الموارد التي تعتمد عليها الأندية الفلسطينية وقدرتها المحدودة على تحمل توقف طويل.
وأضاف: “الأندية لا تملك نموذجا ماليا مستداما يمكّنها من الصمود في الأزمات. مع اندلاع الحرب، توقف دعم الشركات ورعايتها للقطاع الرياضي، وغاب الدعم المجتمعي، فلم تعد الأندية قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية”.
وبالنسبة إلى العواودة، لا تزال كرة القدم حاضرة في تفاصيل يومه رغم ابتعاده عن الملاعب.
ويقول إنه يتواصل باستمرار مع زملائه السابقين، ويتحدثون عن المباريات التي لعبوها معا وعن احتمال العودة يوما ما.
“كل ما نتمناه جميعا هو حلم واحد: العودة للملاعب”.