بعد سنوات من الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وإيجاد تسوية سياسية للحرب اليمنية، تعود لغة الصواريخ والطائرات المسيّرة والمعارك البرية لتفرض نفسها على المشهد.
والأخطر هذه المرة أن التصعيد لم يبق داخل الحدود اليمنية، بل امتد مجددا إلى الأراضي السعودية، مستهدفا مدنا ومنشآت مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، بالتزامن مع اتساع المواجهات العسكرية داخل اليمن واقترابها من مناطق شديدة الحساسية على الساحل الغربي وباب المندب.
هذا التطور يطرح سؤالا يتجاوز تفاصيل العمليات العسكرية الجارية: هل نحن أمام عودة السعودية إلى الحرب في اليمن، أم أمام مرحلة مختلفة تقوم فيها الرياض بعمليات محدودة لردع الحوثيين، مع استمرار تمسكها بالحل السياسي وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة؟
أصبح السؤال بالنسبة إلى الرياض مختلفا: هل يؤدي استمرار ضبط النفس إلى الحفاظ على التهدئة، أم يشجع الحوثيين على رفع سقف التصعيد؟
خلال السنوات الأخيرة، انتهجت السعودية سياسة واضحة تقوم على خفض التصعيد، ودعم التسوية السياسية، وإعطاء الوساطات الإقليمية والدولية فرصة لإنهاء الحرب.
وكان واضحا أن الرياض لا تريد العودة إلى المواجهة العسكرية الواسعة، بعد تجربة طويلة أثبتت أن الأزمة اليمنية لا يمكن حلها بالقوة وحدها.
لكن هذه السياسة كانت تقوم ضمنيا على معادلة متبادلة: توقف الهجمات على السعودية مقابل تجنب العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة داخل اليمن، بالتوازي مع البحث عن تسوية سياسية شاملة.
المشكلة أن الحوثيين اختبروا هذه المعادلة مرارا، ففي الأشهر الأخيرة تصاعد استهداف السفن والمصالح السعودية في البحر الأحمر، وتكررت الهجمات على الأراضي السعودية، بما في ذلك منشآت أرامكو في جازان وينبع، ومطار أبها، قبل أن تصل موجة التصعيد الأخيرة إلى مستوى أكثر خطورة باستهداف عدة مدن ومنشآت اقتصادية ومدنية في وقت واحد.
ومن هنا أصبح السؤال بالنسبة إلى الرياض مختلفا: هل يؤدي استمرار ضبط النفس إلى الحفاظ على التهدئة، أم يشجع الحوثيين على رفع سقف التصعيد؟
السعودية لا تنظر إلى اليمن باعتباره مجرد ساحة صراع إقليمي، فاليمن جار مباشر، وتشترك معه في حدود طويلة، وأي اضطراب واسع فيه ينعكس بصورة مباشرة على الأمن السعودي.
لذلك تختلف الحسابات عندما تنتقل الصواريخ والمسيرات من الجبهات اليمنية إلى المدن السعودية، فاستهداف المنشآت النفطية والمطارات والأعيان المدنية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد امتداد للحرب الأهلية اليمنية، بل يصبح اعتداء مباشرا على السيادة والأمن القومي السعودي.
وهذا ما يفسر ارتفاع نبرة الموقف السعودي بعد الهجمات الأخيرة. فقد وصف تحالف دعم الشرعية ما حدث بأنه "تصعيد خطير"، وأكد أنه سيتخذ الإجراءات والعمليات اللازمة لتحييد مصادر التهديد والرد على الاعتداءات.
وأسفرت الهجمات، بحسب التحالف، عن إصابة 73 مدنيا، بينهم نساء وأطفال، فضلا عن تعطيل مؤقت لبعض العمليات في منشآت بقطاع الطاقة.
هذه اللغة مهمة، لأنها تشير إلى أن مرحلة الاكتفاء بالاحتواء السياسي قد تكون وصلت إلى حدودها، إذا استمرت الهجمات.
الأقرب أن الرياض -إذا استمر التصعيد- ستتبنى إستراتيجية أكثر انتقائية: ضرب منصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ومخازن الأسلحة، ومراكز القيادة والسيطرة التي تشكل تهديدا مباشرا، مع زيادة الدعم للقوات الحكومية اليمنية لوقف أي تقدم حوثي إستراتيجي. أي أننا قد نكون أمام انتقال من الاحتواء إلى الردع النشط، وليس بالضرورة إلى حرب شاملة
هناك عامل آخر لا يقل أهمية عن استهداف الأراضي السعودية، وهو التطورات العسكرية على الساحل الغربي لليمن.
فمحاولة الحوثيين التقدم باتجاه المناطق المطلة على باب المندب تغير الحسابات الإستراتيجية للحرب. المضيق ليس شأنا يمنيا داخليا، وإنما هو ممر دولي تمر عبره التجارة والطاقة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
وبالنسبة إلى السعودية، يرتبط أمن باب المندب مباشرة بأمن البحر الأحمر، وموانئها الغربية، ومشروعاتها الاقتصادية الكبرى، وصادراتها النفطية والتجارية.
ولهذا فإن اجتماع عاملين في وقت واحد -استهداف الأراضي السعودية ومحاولة تغيير موازين القوة قرب باب المندب- قد يدفع الرياض إلى إعادة تقييم سياستها العسكرية.
وتشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى اتساع القتال في الجوف والبيضاء وتعز والحديدة، مع تحركات عسكرية للقوات الحكومية اليمنية، في وقت أعلنت فيه الحكومة أن هدفها استعادة مؤسسات الدولة، بل تحدث مسؤولون عسكريون عن التوجه نحو صنعاء.
الحوثيون يتهمون السعودية بالفعل بتنفيذ غارات جوية وضربات داخل اليمن، وفي المقابل، أعلنت قوات التحالف في مراحل سابقة مسؤوليتها عن عمليات محددة ضد أهداف عسكرية مرتبطة بتهديد السفن والمصالح السعودية، بينما لم تتبن الرياض رسميا كل الضربات التي نسبها الحوثيون إليها.
ومن الخطأ، لذلك، القفز إلى استنتاج أن السعودية قررت العودة إلى نموذج الحرب الواسعة الذي عرفه اليمن في السنوات الأولى من عمليات التحالف.
الأقرب أن الرياض -إذا استمر التصعيد- ستتبنى إستراتيجية أكثر انتقائية: ضرب منصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ومخازن الأسلحة، ومراكز القيادة والسيطرة التي تشكل تهديدا مباشرا، مع زيادة الدعم للقوات الحكومية اليمنية لوقف أي تقدم حوثي إستراتيجي.
أي أننا قد نكون أمام انتقال من الاحتواء إلى الردع النشط، وليس بالضرورة إلى حرب شاملة.
والفارق جوهري، فالهدف في الحالة الأولى ليس احتلال أراض أو إدارة حرب مفتوحة، وإنما رفع كلفة الاعتداء على السعودية ومنع الحوثيين من فرض وقائع عسكرية جديدة.
السعودية أمضت السنوات الأخيرة في محاولة الخروج من الحرب إلى السلام، لكن السلام لا يعني التخلي عن الردع، وضبط النفس لا يعني القبول بالاعتداء. ولهذا قد يكون عنوان المرحلة السعودية المقبلة واضحا: لا عودة طوعية إلى الحرب، ولكن لا حصانة لمن ينقل الحرب إلى داخل السعودية
المشكلة الأكبر أن التصعيد اليمني يجري في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، فالمواجهة الأمريكية الإيرانية تلقي بظلالها على الخليج والبحر الأحمر، ما يرفع احتمالات أن تتحول الساحات المرتبطة بإيران إلى أدوات ضغط متبادلة.
وهنا تكمن خطورة الحسابات الحوثية.
فإذا اعتقد الحوثيون أن بإمكانهم استخدام الجغرافيا اليمنية للضغط على السعودية أو الملاحة الدولية ضمن صراعات إقليمية أوسع، فإنهم يضعون اليمن نفسه أمام دورة جديدة من الحرب، ويدفعون السعودية إلى خيارات كانت طوال السنوات الماضية تحاول تجنبها.
والرياض، في تقديري، لا مصلحة لها في فتح حرب جديدة مع الحوثيين، كما لا مصلحة لها في تحويل اليمن إلى ساحة إضافية للمواجهة الإقليمية. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع القبول بمعادلة يصبح فيها ضبط النفس السعودي فرصة متاحة لاستهداف مدنها ومنشآتها النفطية.
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة.
الأول: أن تنجح الضغوط والوساطات في وقف الهجمات والعودة إلى التهدئة، وهو الخيار الأقل تكلفة على الجميع.
والثاني: استمرار هجمات محدودة يقابلها رد سعودي محسوب على مصادر التهديد، بما يبقي المواجهة تحت سقف الحرب الشاملة.
أما السيناريو الثالث: وهو الأخطر، فهو استمرار الحوثيين في استهداف الأراضي السعودية ومحاولة التقدم نحو الساحل وباب المندب. وعندها قد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى توسيع عملياتها، وزيادة دعم القوات الحكومية، وفرض معادلة ردع جديدة بالقوة.
يبقى القرار في جانب كبير منه لدى الحوثيين: إما العودة إلى المسار السياسي وقبول حقيقة أن أمن اليمن لا يمكن أن يبنى على تهديد جيرانه وممرات التجارة الدولية، وإما المضي في التصعيد وتحمل نتائجه.
السعودية أمضت السنوات الأخيرة في محاولة الخروج من الحرب إلى السلام، لكن السلام لا يعني التخلي عن الردع، وضبط النفس لا يعني القبول بالاعتداء.
ولهذا قد يكون عنوان المرحلة السعودية المقبلة واضحا: لا عودة طوعية إلى الحرب، ولكن لا حصانة لمن ينقل الحرب إلى داخل السعودية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة