في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حوار | الدكتور التونسي ياسين سلامة لـ«الجزائر الآن»: الرئيس تبون يدفع بالاقتصاد من منطق الإنفاق العمومي إلى بناء قوة إنتاجية قادرة على المنافسة والتصدير
الجزائر الآن – تقف السياسة الاقتصادية الجزائرية أمام اختبار مختلف عن ذلك الذي رافق سنوات الاستثمار المكثف في البنية التحتية.
فالمسألة لم تعد مرتبطة بحجم الأموال التي تضخها الدولة في الطرق والسكك الحديدية والمنشآت الصناعية،بقدر بما تستطيع هذه المشاريع أن تتركه خلفها في المصانع، وشركات المناولة، والخدمات الهندسية، وسلاسل التوريد، والصادرات.
هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة مع توجيه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون ، الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لإقحام الشركات والمؤسسات الوطنية في تلبية احتياجات مشاريع البنية التحتية الكبرى ومضاعفة إنتاجها.
اقتصادياً، يعني ذلك اختباراً مختلفاً للإنفاق العمومي.
فالمشروع الذي ينتهي عند تسليم طريق أو سكة حديدية يحقق عائداً مباشراً على الاستثمار، لكن المشروع الذي يخلق معه طلباً مستمراً على الحديد والإسمنت والكابلات والمعدات والخدمات الهندسية والنقل والصيانة يترك أثراً أوسع على الاقتصاد.
الفارق بين الحالتين هو مقدار القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد بعد انتهاء الأشغال.
وتأتي هذه السياسة بحسب المراقبين في وقت رفع فيه البنك الدولي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للجزائر خلال 2026 إلى 3.7 بالمائة، مقابل 3.5 بالمائة في توقعاته السابقة، بينما خفض توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وباكستان إلى 1.8 بالمائة.
السؤال الأكثر أهمية يتعلق بمصدره: هل تتحول الاستثمارات والطلب الداخلي إلى إنتاجية أعلى وقدرة تصديرية، أم يبقى النمو مرتبطاً بقوة بالإنفاق العمومي والمحروقات؟
خلال النصف الأول من 2025، نما الاقتصاد الجزائري بنسبة 4.1 بالمائة، بينما بلغ نمو القطاعات غير الهيدروكربونية 5.4 بالمائة.
وفي المقابل، ظلت المحروقات تمثل وزناً كبيراً في الاقتصاد والتجارة والمالية العمومية؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنها مثلت خلال الفترة 2020-2024 نحو 13 بالمائة من الناتج، و83 بالمائة من الصادرات، و46 بالمائة من إيرادات الميزانية.
هذه الأرقام تضع المرحلة المقبلة أمام معادلة واضحة : الحفاظ على الاستثمار كأداة للنمو، مع رفع قدرة المؤسسات الجزائرية على تحويل الطلب الذي تولده الدولة إلى إنتاج وقيمة مضافة وصادرات.
ولفهم هذه المعادلة، تستضيف «الجزائر الآن» الدكتور ياسين سلامة، الأستاذ الجامعي والباحث في علوم إدارة الأعمال والاقتصاد والتنمية، في حوار يتناول دلالات توجيهات الرئيس تبون، وأسباب تحسن توقعات النمو، ومستقبل القطاع الخاص، وسلاسل القيمة، وسياسة الاستيراد، وشروط الانتقال من نمو مدفوع بالاستثمار إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الإنتاجية.
● الرئيس تبون يربط المشاريع الكبرى بمضاعفة الإنتاج الوطني
الجزائر الآن – وجه الرئيس عبد المجيد تبون الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة فوراً لإقحام الشركات والمؤسسات الوطنية فعلياً في مضاعفة الإنتاج والاستجابة لمتطلبات تجهيز البنى التحتية الكبرى. كيف تقرؤون هذا التوجيه من منظور اقتصادي واستراتيجي؟ وهل نحن أمام تغيير في فلسفة الاستثمار العمومي؟
الدكتور ياسين سلامة: أعتقد أن هذا التوجيه يتجاوز بكثير مسألة زيادة الإنتاج في حد ذاتها. نحن أمام رسالة اقتصادية واضحة مفادها أن المشاريع الكبرى لا ينبغي أن تكون مجرد ورشات تستهلك المال العمومي، وإنما يجب أن تتحول إلى محرّك للإنتاج الوطني.
الرئيس تبون يحاول، من خلال هذا التوجه، ربط الاستثمار العمومي بالقدرة الإنتاجية الوطنية، وهذه نقطة مهمة جداً في التحليل الاقتصادي.
فعندما تنجز الدولة طريقاً أو سكة حديدية أو منشأة صناعية أو بنية تحتية كبرى، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم أنفقنا؟ وإنما أيضاً: كم أنتجنا محلياً؟ كم مؤسسة جزائرية شاركت؟ كم وظيفة خلقت؟ كم مناولة وطنية تطورت؟ وكم من الواردات أمكن تعويضها؟
وأعتقد أن القرار الأخير لمجلس الوزراء واضح في هذا الاتجاه.
فالدولة لا تريد فقط أن تخلق الطلب، وإنما تريد استعمال هذا الطلب لتوسيع العرض الإنتاجي الوطني.
بمعنى آخر، هناك تطور مهم في فلسفة الاستثمار العمومي: الانتقال تدريجياً من الدولة التي تنفق وتطلق المشاريع إلى دولة تستخدم الاستثمار كأداة لبناء قدرة إنتاجية مستدامة.
لكنني أتحفظ على القول إن هذا التحول اكتمل؛ نحن أمام بداية اتجاه استراتيجي وليس أمام تحول هيكلي أصبح نهائياً.
والتحدي الآن هو تحويل هذا التوجه إلى آليات دائمة داخل الاقتصاد.
● نمو 3.7 بالمائة يضع الجزائر في موقع مختلف إقليمياً
الجزائر الآن – البنك الدولي رفع توقعاته لنمو الاقتصاد الجزائري إلى 3.7 بالمائة خلال 2026، بينما خفض توقعاته للمنطقة إلى 1.8 بالمائة.
ما الذي يفسر هذا الاستثناء الجزائري؟ وهل يعكس قوة ظرفية أم تحسناً أعمق في بنية الاقتصاد؟
الدكتور ياسين سلامة: الاستثناء الجزائري لا يأتي من عامل واحد، وإنما من تضافر مجموعة من العوامل، في مقدمتها قوة الاستثمار العمومي، وديناميكية الطلب الداخلي، وتوسع القطاعات غير النفطية، وتحسن بعض مداخيل الصادرات، واستمرار الدولة في تمويل مشاريع كبرى ذات أثر اقتصادي واسع.
لكن بالنسبة لي، الأهم ليس الرقم 3.7 بالمائة في حد ذاته، وإنما نوعية النمو ومصادره.
فالمعطيات تشير إلى أن الاقتصاد الجزائري استفاد من قوة الاستثمار والاستهلاك، كما أن القطاعات غير الهيدروكربونية أظهرت ديناميكية مهمة.
وخلال النصف الأول من 2025، نما الاقتصاد بنسبة 4.1 بالمائة، فيما سجلت القطاعات غير الهيدروكربونية نمواً بلغ 5.4 بالمائة.
وهذه نقطة إيجابية جداً، لأنها تعني أن الجزائر لا تنمو فقط بسبب المحروقات.
لكن في الوقت نفسه، يجب أن نكون واقعيين؛ فالاقتصاد الجزائري لا يزال مرتبطاً بقوة بالمحروقات.
ووفق تقديرات البنك الدولي، مثلت المحروقات خلال الفترة 2020-2024 نحو 13 بالمائة من الناتج، و83 بالمائة من الصادرات، و46 بالمائة من إيرادات الميزانية.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الرؤية الاقتصادية الحالية هو تحويل الأداء الإيجابي إلى مسار هيكلي دائم، بحيث يصبح النمو أقل حساسية لتقلبات أسعار النفط والغاز وأكثر ارتباطاً بالإنتاجية والاستثمار والصناعة والخدمات والتصدير.
● البنية التحتية أمام اختبار بناء صناعة حولها
الجزائر الآن – إذا كانت المشاريع الكبرى تمثل إحدى أهم أدوات الدولة في المرحلة الحالية، فهل يمكن أن تتحول البنية التحتية فعلاً إلى قاطرة للصناعة الوطنية بدلاً من أن تظل مجرد مشاريع إنجاز؟
الدكتور ياسين سلامة: نعم، ولكن بشرط أساسي، وهو أن ننتقل من مفهوم «مشروع البنية التحتية» إلى مفهوم «منظومة الإنتاج المرتبطة بالمشروع».
فعندما تبني الجزائر مشروعاً ضخماً للسكك الحديدية مثلاً، يجب ألا يقتصر الأثر الاقتصادي على أشغال البناء، وإنما ينبغي أن يمتد إلى صناعة الحديد والصلب، والإسمنت، والكابلات، والمعدات الكهربائية، والتجهيزات الميكانيكية، والنقل واللوجستيك، والبرمجيات والرقمنة، وشركات المناولة، ومكاتب الدراسات والهندسة، وخدمات الصيانة.
هنا ننتقل من التفكير في المشروع باعتباره منشأة إلى التفكير فيه باعتباره سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة.
وهذا هو التحول الذي تحتاجه الجزائر.
فالمشروع الكبير يجب أن يولد عشرات أو مئات الفرص للمؤسسات الجزائرية، وأن يسمح بنقل التكنولوجيا والخبرة، وأن يدفع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى التطور.
والجزائر قطعت أشواطاً في بعض المجالات. فالصادرات غير الهيدروكربونية ارتفعت بين 2017 و2023 بنحو ثلاثة أضعاف تقريباً، لتصل إلى 5.1 مليار دولار، مع بروز منتجات مثل الأسمدة والحديد والصلب والإسمنت.
لكن قاعدة التصدير لا تزال محدودة وتحتاج إلى مزيد من التنويع ورفع الإنتاجية.
ولهذا أعتقد أن المرحلة الثانية يجب أن تكون الانتقال من الإنتاج للسوق الوطنية إلى الإنتاج القابل للتصدير.
السوق الجزائرية يمكن أن تكون مدرسة للمؤسسة الوطنية، لكنها لا ينبغي أن تكون سقف طموحها.
● ترشيد الاستيراد يحتاج إلى سياسة ترفع الإنتاجية
الجزائر الآن – توجيه رئيس الجمهورية نحو الابتعاد عن الاستيراد غير المدروس ي.ما رأيكم في هذا التوجه ؟
الدكتور ياسين سلامة: يجب أولاً التمييز بين الاستيراد المنتج والاستيراد الاستهلاكي غير المنتج.
الترشيد الاقتصادي للاستيراد لا يعني منع الاستيراد.
فالمنتج الذي يمكن تصنيعه محلياً بكفاءة ينبغي أن تكون هناك سياسة لتطوير إنتاجه، بينما الآلة أو التكنولوجيا أو المكوّن الصناعي الذي يسمح لمؤسسة جزائرية بزيادة إنتاجيتها وإنتاج سلعة محلية أو تصديرها لاحقاً يجب تسهيل الوصول إليه.
لذلك، نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم تعويض الواردات بمعناه التقليدي إلى مفهوم أكثر تطوراً: تعويض الواردات بالتوازي مع الارتقاء التكنولوجي.
الاقتصاد الذي يريد رفع إنتاجيته يحتاج إلى التكنولوجيا والآلات والخبرة.
وبالتالي فإن المطلوب ليس منع الاستيراد بصورة أفقية، وإنما بناء سياسة انتقائية وذكية للواردات، تميز بين ما يستهلك الموارد دون أن يخلق قيمة، وما يمثل مدخلاً لرفع الإنتاجية والتصنيع.
وهنا تبرز أيضاً أهمية تحسين بيئة الأعمال وتعزيز المنافسة وتقليص الحواجز التنظيمية، حتى يتمكن القطاع الخاص من الاستثمار والإنتاج والمنافسة.
.
● التحدي المقبل هو تغيير محرك النمو
الجزائر الآن – هل تعتقدون أن الجزائر تقف فعلاً على عتبة الانتقال من مرحلة التعافي الاقتصادي إلى مرحلة الإقلاع؟ وما الذي يميز المرحلتين؟
الدكتور ياسين سلامة: أعتقد أن الجزائر أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة الإقلاع، لكن يجب أن نحدد بدقة معنى الإقلاع الاقتصادي.
الإقلاع لا يتحقق بمجرد ارتفاع معدل النمو، وإنما عندما يصبح النمو منتجاً، ومستداماً، وقابلاً للتصدير، وقادراً على خلق مؤسسات تنافسية.
وأعتقد أن الجزائر أمام انتقال من مرحلة كانت فيها الدولة تقود النمو بدرجة كبيرة من خلال الاستثمار والإنفاق العمومي، بما يرفع الطلب ويدفع المؤسسات إلى زيادة الإنتاج، إلى مرحلة جديدة يفترض أن تصبح فيها المؤسسات نفسها محركاً للنمو.
أي أن المؤسسة تستثمر أكثر، وترفع إنتاجيتها، وتبتكر، وتوسع صادراتها، ويتطور القطاع الخاص، بما يسمح ببناء اقتصاد أكثر تنوعاً وأقل ارتهاناً للإنفاق العمومي وعائدات المحروقات.
وهذا هو جوهر الانتقال من التعافي إلى الإقلاع الحقيقي.
والبنك الدولي نفسه يركز على الحاجة إلى رفع الإنتاجية، خصوصاً في الصناعة والخدمات، وزيادة الاستثمار الخاص، وتنمية المهارات، وجذب الاستثمارات التي يمكن أن تساهم في نقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية.
لذلك فإن المعركة المقبلة ليست معركة تحقيق نسبة نمو فقط، وإنما معركة تغيير محرك النمو نفسه.
● الإنتاجية والقطاع الخاص يحددان المرحلة التالية
الجزائر الآن – إذا كان الهدف هو بناء اقتصاد منتج وتنافسي ومستدام، فما الإصلاحات التي يجب أن ترافق هذه الديناميكية حتى تتحول توجيهات الرئيس والمؤشرات الإيجابية إلى تحول اقتصادي طويل الأمد؟
الدكتور ياسين سلامة: أرى أن هناك خمسة محاور أساسية.
أولاً، رفع الإنتاجية. فالتحدي ليس فقط أن تنتج المؤسسة أكثر، وإنما أن تنتج بكفاءة أعلى، وجودة أفضل، وتكلفة أقل، وبمعايير تمكنها من المنافسة دولياً.
وهذا يتطلب التكنولوجيا والرقمنة والبحث والتطوير والتكوين.
ثانياً، تطوير القطاع الخاص. فالقطاع الخاص لا ينبغي أن يبقى مجرد مستفيد من الطلب العمومي، وإنما يجب أن يتحول إلى شريك حقيقي في التنمية، يستثمر وينتج ويبتكر ويخلق مناصب الشغل ويتجه نحو التصدير.
اقتصاد قوي ومستدام لا يمكن أن يقوم على الإنفاق العمومي وحده. ن
حن بحاجة إلى قطاع خاص ديناميكي وتنافسي يشكل أحد محركات النمو وتنويع الاقتصاد.
ثالثاً، بناء سلاسل قيمة محلية. فالمؤسسة الكبرى، مهما بلغت قدراتها، لا تستطيع وحدها بناء اقتصاد صناعي متكامل. يجب ربط المؤسسات الكبرى بمؤسسات المناولة والشركات الصغيرة والمتوسطة والجامعات ومراكز البحث والتكوين.
عندما تتكامل هذه المكونات، يتحول الاستثمار العمومي من مجرد إنفاق على منشآت إلى رافعة لبناء منظومة إنتاجية تولد القيمة المضافة وتطور المؤسسات وتنقل التكنولوجيا.
رابعاً، تنويع الصادرات. النجاح الحقيقي لا يتمثل فقط في إنتاج ما نحتاجه محلياً وتقليص فاتورة الواردات، وإنما في أن تصبح المؤسسة الجزائرية قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
والجزائر تمتلك مقومات مهمة في هذا المجال، من موقع جغرافي استراتيجي يربط أوروبا بإفريقيا والعالم العربي، إلى قاعدة صناعية وموارد وقدرات بشرية يمكن تطويرها. والرهان هو تحويل الجزائر تدريجياً من سوق كبيرة للاستهلاك إلى قاعدة إنتاج وتصدير إقليمية.
خامساً، إصلاح الحوكمة الاقتصادية. مضاعفة الإنتاج لا تتحقق فقط بضخ المزيد من الموارد، وإنما تحتاج إلى مؤسسات أكثر كفاءة ومرونة واحترافية.
نحتاج إلى مؤشرات أداء واضحة، وتقييم دوري للنتائج، وربط التمويل بالنجاعة، ورقمنة الإدارة، وتبسيط الإجراءات، وتقليص البيروقراطية، وتعزيز المنافسة العادلة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
فالهدف في النهاية ليس أن تكون لدينا شركات وطنية أكبر حجماً فقط، وإنما شركات أكثر إنتاجية وكفاءة وابتكاراً وقدرة على خلق القيمة والمنافسة داخلياً وخارجياً.
● من الإنفاق إلى القيمة المضافة
الجزائر الآن – في ضوء كل هذه المعطيات، ما الذي يمثله توجيه الرئيس تبون اليوم بالنسبة لمستقبل الاقتصاد الجزائري؟ وهل يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة تعريف دور الدولة والمؤسسة في عملية التنمية؟
الدكتور ياسين سلامة: في تقديري، ما يميز المرحلة الحالية هو أن الدولة بدأت تنظر إلى الاستثمار العمومي ليس فقط باعتباره وسيلة لتمويل المشاريع، وإنما باعتباره أداة لإعادة بناء القدرة الإنتاجية الوطنية.
وتوجيه الرئيس عبد المجيد تبون بمضاعفة إنتاج المؤسسات والشركات الوطنية لتلبية احتياجات البنى التحتية الكبرى يحمل دلالة اقتصادية واضحة: المال العمومي يجب أن يخلق إنتاجاً، والإنتاج يجب أن يخلق مؤسسة، والمؤسسة يجب أن تخلق قيمة مضافة وفرص عمل، وفي النهاية يجب أن تصبح قادرة على المنافسة والتصدير.
وهنا أعتقد أن الرهان الحقيقي ليس فقط أن تكون الجزائر قادرة على بناء الطرق والسكك والمنشآت الكبرى، وإنما أن تكون قادرة أيضاً على بناء الشركات التي تنتج المعدات والمواد والتكنولوجيا والخدمات التي تحتاجها هذه المشاريع.
الأرقام الحالية مشجعة، ورفع البنك الدولي توقعه لنمو الجزائر إلى 3.7 بالمائة في 2026، في وقت خفض فيه توقعه للمنطقة إلى 1.8 بالمائة، يمثل مؤشراً إيجابياً مهماً.
لكن الاقتصاد لا يقاس فقط بسرعة النمو، وإنما بقدرته على الاستمرار عندما تتغير أسعار النفط والغاز والظروف الخارجية.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي سيكون في تحويل هذه الديناميكية إلى تحول هيكلي: اقتصاد أكثر إنتاجية، وأكثر تنوعاً، وأكثر تنافسية، وأكثر قدرة على التصدير، مع قطاع خاص أقوى ومؤسسات وطنية أكثر كفاءة.
وبعبارة أخرى، الجزائر أمام فرصة للانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على توزيع الريع والاستثمار العمومي إلى اقتصاد يستخدم موارده العمومية لبناء قاعدة إنتاجية قادرة على الاستمرار بذاتها.
وهذا، في اعتقادي، هو المعنى الأعمق للإقلاع الاقتصادي: أن تصبح الدولة حاضنة ومحفزة للقدرة الإنتاجية، وأن تصبح المؤسسة الجزائرية في النهاية قادرة على الوقوف والمنافسة في السوق الوطنية والدولية.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة