آخر الأخبار

"الإخوان في المؤسسات".. أوروبا توسع المواجهة إلى الموظفين

شارك
الإخوان في أوروبا.. اختراق من الأبواب الخلفية

توسع دول أوروبية دائرة مواجهة شبكات جماعة تنظيم الإخوان الإرهابي داخل مؤسساتها، بعدما انتقل التدقيق من مراقبة المساجد والجمعيات إلى فحص صلات الموظفين الحكوميين والعاملين في المدارس والجهات التعليمية التي تتلقى تمويلا عاما.

وتكشف أحكام قضائية وقرارات إدارية أن السلطات باتت تتعقب المنافذ التي تستخدمها شبكات الإخوان للوصول إلى الوظائف العامة وقطاع التعليم وبرامج الاندماج، مع إخضاع العاملين والمؤسسات لاختبارات الولاء الدستوري والشفافية المالية والالتزام بقيم الدولة.

وتبرز ألمانيا في مقدمة هذا المسار، إذ أيدت المحكمة الإدارية في كارلسروه رفض تعيين موظفة في دائرة الأجانب بوضع الموظف الحكومي تحت الاختبار، بعد معلومات قدمها جهاز حماية الدستور بشأن قربها من جماعة الإخوان، استنادا بصورة خاصة إلى نشاطها التعليمي داخل جمعية ومسجد يخضعان للرصد الأمني.

موظفة الهجرة أمام اختبار الولاء

بدأت القضية في مدينة كارلسروه، حيث تعمل الموظفة بعقد غير محدد المدة في دائرة الأجانب، لكنها تقدمت بطلب لتعيينها في وضع الموظف الحكومي تحت الاختبار، وهو وضع يرتبط في ألمانيا بشروط مشددة للولاء للنظام الدستوري.

ورفضت المدينة الطلب بعدما أبلغها مكتب حماية الدستور في ولاية بادن-فورتمبيرغ بوجود مؤشرات على قرب الموظفة من التنظيم المحظور، خصوصا من خلال عملها مدرسة متطوعة في تسمى "جمعية الحوار والتفاهم بين الشعوب في كارلسروه" ومسجد أنور التابع لها.

وفي حكم صدر في 30 يوليو 2026، رأت المحكمة أن المعلومات الأمنية كانت كافية لإثارة شكوك مبررة بشأن ضمان التزام الموظفة، في جميع الأوقات، بالنظام الديمقراطي الحر المنصوص عليه في الدستور الألماني.

ولم يكن المطلوب في القضية إثبات عضوية تنظيمية أو إدانة جنائية، إذ انصب التقييم على مدى استيفاء شرط الولاء الدستوري الضروري لشغل الوظيفة الحكومية، واعتبرت المحكمة أن النشاط التعليمي داخل المسجد، إلى جانب المعلومات التي قدمها جهاز حماية الدستور، يحمل وزنا كافيا في هذا التقييم، الذي يطوق أي محاولة اختراق من قبل المنتسبين للتنظيم.

ورفضت المحكمة دعوى الموظفة، لكنها أوضحت أن الحكم لا يزال قابلا لطلب الإذن بالاستئناف.

المعلم تحت التدقيق

لا تمثل واقعة كارلسروه سابقة منفردة. ففي عام 2012 رفضت المحكمة الإدارية في ميونيخ دعوى معلم طالب بتعيينه موظفا حكوميا تحت الاختبار، بعد أن خلصت إلى وجود قرب أيديولوجي بينه وبين تنظيم الإخوان و" الجماعة الإسلامية في ألمانيا"، التي عرفت لاحقا باسم "الجمعية الألمانية المسلمة".

ورأت المحكمة أن غياب موقف واضح وعلني يبتعد عن الأفكار التي عدتها مناهضة للنظام الدستوري يمكن أن يؤخذ في الاعتبار عند تقييم صلاحية شخص للعمل معلما في المدارس الحكومية.

وتبرز القضيتان تشدد السلطات الألمانية في التعامل مع قطاع التعليم، انطلاقا من أن الموظف العام لا يخضع للتقييم بناء على أدائه المهني وحده، بل على مدى التزامه العملي بالدستور وعدم توظيف موقعه لنشر أفكار تناقض النظام الديمقراطي.

فرنسا.. سحب التمويل من مدرسة

في فرنسا، امتدت المواجهة إلى المؤسسات التعليمية الخاصة المرتبطة بعقود مع الدولة، وفي مقدمتها مجموعة مدارس "الكندي" في منطقة ليون.

ففي يناير 2025، قررت محافظة إقليم رون إنهاء العقود التي تربط الدولة بالمجموعة التعليمية، بسبب مخالفات إدارية ومالية ومحاسبية، وأوجه قصور تربوية، وما اعتبرته السلطات مساسا بقيم الجمهورية. ودخل القرار حيز التنفيذ مع بداية العام الدراسي في سبتمبر 2025.

وطعنت المؤسسة في القرار، إلا أن المحكمة الإدارية في ليون رفضت في مارس 2025 وقف تنفيذه بصورة عاجلة. وخلصت المحكمة، في حكمها المؤقت، إلى أن عددا من المخالفات كان مثبتا بدرجة تكفي لعدم إثارة شك جدي في قانونية قرار المحافظة.

وشملت الملاحظات عدم الفصل بين حسابات الفصول الممولة من الدولة والفصول غير المتعاقدة معها، ومخالفات في تدريس بعض موضوعات التاريخ والجغرافيا، فضلا عن مواد داخل مكتبة المدرسة.

كما توقفت المحكمة عند مدرس لمادة "ثقافة الإسلام"، كان يشغل أيضا منصب أمين صندوق الجمعية، بعدما نشر عبر قناته على "يوتيوب" مقاطع قالت المحكمة إنها تروج لرؤية سياسية تتعارض مع المساواة بين الجنسين وحرية الضمير والعلمانية وسلطة الدولة والأحكام القضائية،حسب ما قالت المحكمة الإدارية في ليون.

ولا تزال الدعوى المتعلقة بأصل قرار إنهاء العقود منظورة، لكن المدرسة فقدت التمويل الحكومي وتحولت إلى نظام التعليم الخاص غير المتعاقد مع الدولة.

النمسا.. التحقيق يصل إلى الفصول

وفي النمسا، وصل التدقيق الأمني إلى مدرسي التربية الإسلامية خلال عملية "لوكسور" في نوفمبر 2020، عندما خضع أربعة مدرسين، ثلاثة في ولاية شتايرمارك وواحد في فيينا، للتحقيق بشأن صلات وأنشطة اشتبهت السلطات في ارتباطها بتنظيم الإخوان.

وكان اثنان من مدرسي شتايرمارك يعملان في المدارس الحكومية الإلزامية، فيما كان الثالث منتدبا من جهة دينية. وطلبت السلطات التعليمية إفادات من المدرسين، وأوقفت اثنين منهم عن العمل مؤقتا، مع تكليف المفتش المختص بمراجعة الوقائع.

وشملت الشبهات المشاركة في فعاليات مرتبطة بالإخوان، ومحاولة استخدام كتب أطفال لأغراض دعوية، ونشر محتوى أيديولوجي بين تلاميذ في المرحلة الابتدائية.

لكن عملية "لوكسور" واجهت لاحقا انتقادات قضائية، وأغلقت السلطات عددا كبيرا من التحقيقات المرتبطة بها من دون توجيه اتهامات. ولذلك تبقى هذه الواقعة دليلا على انتقال المعلومات الأمنية إلى قطاع التعليم، لا حكما بإدانة المدرسين الذين شملتهم التحقيقات.

من المراقبة إلى تحصين المؤسسات

يرى المدير التنفيذي لمعهد ميلتون فريدمان الإيطالي أليساندرو برتولدي، في حديث لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن النهج الأوروبي لا يزال "بطيئا وغير كاف"، رغم اتساع التدقيق في شبكات الإخوان.

وقال برتولدي إن القضية لا تتعلق بمراقبة معتقدات الأفراد، بل بمعرفة الجهات التي تمول وتدرب الأشخاص العاملين داخل مؤسسات الدولة والمدارس والخدمات العامة، محذرا من أن الإخوان يعتمدون أساليب أقل وضوحا من التنظيمات الإرهابية المعروفة، عبر الجمعيات والمؤسسات ومراكز الفكر وأنشطة الضغط السياسي.

ودعا إلى فرض شفافية كاملة على التمويل الأجنبي للمنظمات الدينية والثقافية، وتدقيق الجهات التي تحصل على المال العام أو تنشط في المدارس والجامعات والسجون وبرامج الاندماج، إلى جانب وضع قواعد واضحة لتدريب الأئمة وتطوير أدوات قانونية للتعامل مع المنظمات التي يثبت ارتباطها بالتطرف.

وشدد برتولدي على أن مواجهة الإخوان لا ينبغي أن تتحول إلى حملة ضد المسلمين أو إلى قيد على الحرية الدينية، موضحا أن المستهدف هو "المشروع السياسي المنظم والعابر للحدود الذي تتبناه الجماعة".

وتكشف القضية الألمانية الأحدث أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة: فلم يعد السؤال مقتصرا على هوية الجمعية أو المسجد، بل بات يشمل الأشخاص الذين يصلون عبر هذه الشبكات إلى المدارس والوظائف العامة والمؤسسات الممولة من الدولة.

ومن كارلسروه إلى ليون وفيينا، يتجه التدقيق الأوروبي إلى إغلاق المساحات التي تستغلها شبكات الإخوان للعمل خلف واجهات تعليمية أو اجتماعية، ومنع تحول مؤسسات الدولة نفسها إلى منافذ للنفوذ الأيديولوجي.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا