في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس الأحد، بإخلاء بؤر استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، تحت ضغط أمريكي أعقب تصاعد اعتداءات المستوطنين.
والبؤرة في التصنيف الإسرائيلي موقع يقيمه مستوطنون دون موافقة حكومية، فتُوصف بأنها "غير قانونية". غير أن هذه الصفة قد تكون مؤقتة، فقد تبدأ بخيمة أو كرفان، ثم تُشق إليها الطرق وتصلها الخدمات وتُقام فيها مبانٍ دائمة، وربما تتحوّل إلى مستوطنة مُعترف بها إسرائيليا.
لذلك لا يُقاس أثر القرار بعدد الكرفانات التي قد تُزال وحده، بل بمواقع البؤر ومصيرها: فأين تقع البؤر المستهدفة بالإخلاء، وكيف تمضي أخرى في الوقت نفسه نحو التمويل والشرعنة؟
ذكر موقع "واي نت" أن التعليمات تستهدف نحو 100 بؤرة، في حين قالت صحيفة يديعوت أحرونوت إنها تخص بؤرا في المنطقة "ب".
لكن القرار ما زال بلا غطاء رسمي، فلم يتحدد موعد التنفيذ، ولم تُنشر قائمة بالمواقع، ولم يصدر تعليق فوري عن مكتب نتنياهو ولا عن الجيش الإسرائيلي، وهما الجهتان اللتان تشاركان عادة في عمليات الإخلاء.
والمصدر الرسمي الوحيد الذي تحدث علنا كان معارضا للقرار، ومتحفظا في نسبته إليه. فقد قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ردا على سؤال في مؤتمر بالقدس، "بحسب علمي، أصدر نتنياهو تعليمات بإخلاء بعض المواقع"، مشيرا إلى أنه لم يوافق على هذا الإجراء. وأضاف أن الأمر يخص "أماكن أقيمت في المنطقتين أ وب".
وجاءت الأوامر بعد شهر من هجمات نفذها مستوطنون على منازل فلسطينيين في قريتي قصرة وجالود، بينها منزل يملكه فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية، وهو ما أثار إدانات أمريكية متصاعدة.
ولا يشمل رقم الـ100 المستوطنات، بل يتحدث عن بؤر استيطانية غير مرخصة فقط، فبيانات فلسطينية رسمية تحصي 194 مستوطنة و400 بؤرة في الضفة، بما فيها القدس الشرقية، وفي غياب قائمة معلنة، يبقى عدد البؤر المستهدفة فعليا غير محسوم.
في التصنيف الإسرائيلي، المستوطنة تجمّع أقرّته الحكومة ومرّ بمسار تخطيط رسمي، أما البؤرة فيقيمها مستوطنون دون موافقة حكومية، وغالبا تبدأ بخيام أو منازل جاهزة أو مزرعة للرعي.
وقد تعترف الحكومة بها لاحقا، فتتحول إلى مستوطنة مستقلة أو حي تابع لمستوطنة قائمة، ويُتاح لها التمويل الحكومي، وهذا ما يُقصد بـ"شرعنة البؤر".
لكن الاعتراف الإسرائيلي لا يغيّر موقف القانون الدولي، الذي يعدّ جميع المستوطنات في الضفة المحتلة غير قانونية، سواء اعترفت بها إسرائيل أم لم تعترف.
خلف الخلاف على الترخيص، مسألة أهم هي تمدد البؤر إلى أراضٍ أُسندت إدارتها المدنية للفلسطينيين.
فبموجب اتفاق أوسلو الثاني عام 1995، تخضع المنطقة "أ" للإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية، وتتولى السلطة الإدارة المدنية في "ب" مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولية الأمنية العليا. أما "ج"، فتشكل نحو 60% من الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية.
لكن السيطرة لا تعني السيادة؛ فقد نص الاتفاق على نقل المنطقة "ج" تدريجيا إلى الولاية الفلسطينية، باستثناء القضايا المؤجلة للحل النهائي، ومنها المستوطنات.
وتقول حركة " السلام الآن" إن الجديد في عهد الحكومة الحالية هو إقامة بؤر عميقا داخل "ب"، بعدما كانت الحالات السابقة امتدادات محدودة من "ج".
وفي تقريره الصادر في أغسطس/آب، نقل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" عن الحركة وجود 26 بؤرة على الأقل في "ب"، بينها 19 منذ نهاية 2024، بعدما كانت الحركة قد رصدت 21 بؤرة في تقريرها الصادر في 20 يوليو/تموز. وقدّرت "السلام الآن" ما سيطر عليه المستوطنون في المنطقتين "أ" و"ب" بأكثر من 100 ألف دونم، منها 55 ألفا في "ب" وحدها.
وفي قصرة جنوبي نابلس، يتضح ما يعنيه هذا التمدد، فقد وثّق "أوتشا" إقامة بؤرة قرب 3 أسر فلسطينية نحو التاسع من أغسطس/آب، أعقبها تضرر شبكتي المياه والكهرباء وتقييد الحركة.
وحين حاولت طواقم إصلاح الأضرار، اعتدى مستوطنون على اثنين من أفرادها، واحتجزت القوات الإسرائيلية 4 عمال كهرباء.
لا يُعرف إن كانت بؤرة قصرة مشمولة بالإخلاء، لكن ما حدث يوضح كيف يعزل موقع صغير أُسرا عن محيطها.
وحتى إذا نُفذت الأوامر، فإن إزالة الموقع لا تضمن انتهاء أثره.
ففي تقرير 20 يوليو/تموز نفسه، نقلت "السلام الآن" عن وسائل إعلام إسرائيلية دعوة نتنياهو لإخلاء بؤر المنطقة "ب"، لكنها سجّلت استمرار انتشارها بعد ذلك.
وأكدت الحركة أن الإدارة المدنية تفكك بعض المواقع دوريا، لكنها "جميعا يُعاد إنشاؤها وتواصل التوسع". وفي إحصائها العام، تسجّل إخلاء بؤرتين هما ميغرون وعمونة، مقابل شرعنة 33 بؤرة -12 منها كمستوطنات مستقلة- ووجود 48 أخرى على الأقل في مسار الشرعنة.
وعلى هذه الخلفية، رأت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أن الإخلاءات تندرج ضمن "سياسة تبادل الأدوار وإدارة المشهد"، ووصفت عمليات سابقة بأنها "صورية" يعقبها رجوع المستوطنين وإعادة البناء بعد تراجع الضغط الدولي.
وفي المقابل، بينما تأمر الحكومة الإسرائيلية بإخلاء بعض البؤر، تواصل الاعتراف بأخرى وتمويلها وتوسيعها.
ففي 25 أغسطس/آب، قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي آفي بلوط وقّع 18 "منطقة نفوذ" استيطانية جديدة ومعدّلة في الضفة، بما يشمل تحويل بؤر قائمة إلى كيانات أكثر استقلالا.
وتوضح الهيئة أن "منطقة النفوذ" لا تنزع ملكية الأرض مباشرة، لكنها تحوّلها إلى احتياطي للتخطيط والتوسع؛ إذ تتيح إعداد المخططات، وشق الطرق، ومد شبكات المياه والكهرباء، وربط المشاريع بالموازنات الحكومية وصولا إلى البناء.
وبذلك تتحول البؤرة من وجود مؤقت إلى مشروع قابل للتنفيذ، خاصة أن مناطق النفوذ تتجاوز أحيانا المساحة المبنية فعليا بأضعاف، بما يعني حجز الأرض مسبقا للتوسع لا تنظيم القائم فقط.
يبدو الموقف الأمريكي مزدوجا عند قراءة تصريحات السفير لدى إسرائيل مايك هاكابي كاملة.
فخلال زيارته الضفة، السبت، دعما لفلسطينيين أمريكيين تعرضوا لهجمات مستوطنين، قال: "رسالتنا واضحة: الجريمة جريمة، والعمل الإرهابي عمل إرهابي".
لكن الإدانة اقترنت بحصر النطاق فقد قال إن مرتكبي العنف يمثلون "أقلية ضئيلة جدا من نصف مليون إسرائيلي يعيشون بسلام في يهودا والسامرة"، مستخدما التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية المحتلة.
وفي المقابلة نفسها، قال هاكابي إن "الإسرائيليين لهم حق البناء في المنطقة ج بموجب اتفاقيات أوسلو، وهذا لا يخرق أيا من الشروط المتفق عليها في أوسلو 1993″، وأضاف: "ليس لديهم الحق فحسب، بل عليهم مسؤولية حقيقية في المساعدة على إنشاء مجتمعات يعيش فيها شعبهم".
وكان قد قال في مقابلة سابقة إن "المنطقة ج هي إسرائيل"، وهي منطقة تشكّل نحو 60% من الضفة، بينما يعارض الموقف الأمريكي المعلن ضم الضفة الغربية. ولم تعلن الخارجية الأمريكية تبنّي تصريحاته، ولم ترد على طلبات الجزيرة للتعليق عليها في وقت سابق.
هاكابي يدلي بتصريح صحفي في بلدة ترمسعيا شمال شرق رام الله بعد لقائه فلسطينيين أمريكيين تضرروا من اعتداءات المستوطنين (الأناضول)وبذلك تتجه الإدانة إلى سلوك أفراد، لا إلى المشروع الاستيطاني الذي تصفه الأمم المتحدة ومعظم دول العالم بأنه غير قانوني. وهو تمييز يُفسر لماذا اقتصر الحديث عن الإخلاء على بؤر بعينها، بينما يتواصل التمويل والاعتراف في مسارٍ موازٍ.
وتبقى الأرقام أوضح ما في المشهد. فمنذ التسعينيات، أُخليت بؤرتان اثنتان، بينما شُرعنت 33، و48 أخرى على الطريق.
وفي أغسطس/آب وحده، سجّلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 628 اعتداء نفذه مستوطنون، ضمن 2030 اعتداء نفذها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون معا.
ولذلك لن يُقاس ما جرى بعدد الكرفانات التي تُنقل، بل بثلاثة أسئلة: هل تُنشر قائمة المواقع؟ وهل تبقى مخلاة بعد انسحاب القوات؟ وهل يتوقف مسار تحويل البؤر إلى مستوطنات؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة