آخر الأخبار

هجوم لايبزيغ.. هل كان الرد الألماني على روسيا كافيا؟

شارك

يرى الإعلام الألماني أن المستشار فريدريش ميرتس أصبح في وضع لا يُحسد عليه، فتارة يلغي ظهورا له في تجمع انتخابي بسبب صيحات الاستهجان، وتارة أخرى تحذره استطلاعات الرأي من تراجع كبير في شعبيته، وتحذر حزبه المحافظ من زلزال محتمل إن بقي الحزب اليميني المتطرف "البديل" في صدارة انتخابات ولاية ساكسونيا-آنهالت، الأحد المقبل.

والآن يتساءل الإعلام ومعه الرأي العام عن أسباب غياب ميرتس عن المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه وزير الخارجية يوهان فاديفول ووزير الداخلية ألكسندر دوبرنت عن وقوف روسيا وراء الهجوم الفاشل الذي تعرض له مطار "لايبزيغ-هاله" في مطلع أغسطس/آب الماضي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مسيرات ووسائد مفخخة.. هل اقترب هجوم روسيا على بريطانيا؟
* list 2 of 2 لماذا تراهن الصين على مصر في هذه المرحلة؟ end of list

وبشأن هذا السؤال اختلفت الصحف والمجلات الألمانية، فبينما تساءلت الصحف المحافظة وعلى رأسها صحيفة "دي فيلت" عن أسباب غياب المستشار عن المشهد وطالبت برد أقوى على هجوم مطار لايبزيغ، اعتبر الإعلام المحسوب على اليسار الليبرالي وعلى رأسه مجلة "دير شبيغل" أن الرد الذي قدمته الحكومة الألمانية أمس جاء "مدروسا وذكيا" وأن حكومة ميرتس تجنبت التصعيد لأسباب مقنعة.

مصدر الصورة المستشار الألماني فريدريش ميرتس أثناء الحملة الانتخابية لولاية ساكسونياـ أنهالت (غيتي)

ففي مقال بعنوان "لماذا يصمت ميرتس"، تقول "دي فيلت" إن الحكومة الألمانية حمّلت بعد التحقيقات روسيا مسؤولية محاولة الهجوم بثلاث مسيّرات على مطار لايبزيغ في 4 أغسطس/آب، لكن الإجراءات التي اتخذتها برلين بقيت محدودة نسبيا، رغم اللهجة الحادة التي استخدمها المستشار ميرتس في الأسابيع الماضية عندما هدد بتدفيع منفذي الهجوم الثمن.

وتضيف الصحيفة أن المثير للاهتمام هو أن ميرتس لم يظهر بنفسه للإعلان عن إجراءات الرد، بل أوكل المهمة لوزيري الداخلية والخارجية، مشيرة إلى أن أحد الأسباب هو رغبة الحكومة في الاحتفاظ بإجراءات أشد إذا وقع هجوم روسي جديد، خصوصا أن السلطات الألمانية تتوقع احتمال حدوث هجمات أخرى في المستقبل.

إعلان

وبخصوص الرد الألماني، أضافت "دي فيلت" أن الحكومة قررت إغلاق البيت الثقافي الروسي في برلين والقنصلية العامة الروسية في بون، وشددت إجراءات دخول المواطنين الروس إلى ألمانيا، واستدعت السفير الروسي في برلين، لكنها لم تقدم على طرد أعداد كبيرة من الدبلوماسيين الروس، وهو ما عدَّه بعض السياسيين ردا أقل من المتوقع.

ووفق الصحيفة، فإن الحكومة تبرر حذرها بأن أي رد مباشر على مثل هذه الهجمات الهجينة قد يؤدي إلى تصعيد خطير، وفي الوقت نفسه، تريد برلين الاحتفاظ بهامش للمناورة إذا نفذت روسيا هجمات جديدة. وتخلص الصحيفة إلى القول إن ألمانيا اتخذت للمرة الأولى موقفا صريحا وواضحا بتحميل روسيا مسؤولية هجوم على الأراضي الألمانية، لكنها تعمدت أن يكون ردها محدودا.

رد "ذكي ومتوازن "

أما مجلة "دير شبيغل" فرأت في الإجراءات الألمانية ردا "ذكيا ومتوازنا"، قائلة في مقال رأي لمدير مكتبها في العاصمة الألمانية رولاند نيلز إن اكتفاء الحكومة الألمانية بإغلاق القنصلية الروسية في بون والبيت الثقافي الروسي في برلين "جاء لأسباب وجيهة ومقنعة".

ووفق الكاتب، دخلت حرب الظل التي يشنها الكرملين ضد الغرب مرحلة جديدة بالغة الخطورة، مضيفا أن "الحرب التي يشنها بوتين ضد أوكرانيا أوصلت بلاده إلى طريق مسدود عسكريا واقتصاديا وسياسيا. وبدلا من البحث عن مخرج عبر الدبلوماسية، يسعى بوتين إلى التصعيد وإشاعة القلق والخوف وعدم اليقين وزعزعة استقرار أهم وأكبر دولة في أوروبا"، في إشارة من الكاتب إلى ألمانيا.

مصدر الصورة طائرات شحن تابعة لشركة "دي إتش إل" وطائرات الشحن الأوكرانية من طراز أنتونوف في مطار لايبزيغ-هاله (رويترز)

ويقول الكاتب إن "أهداف بوتين واضحة، واللعبة السيئة التي يؤديها مع أجهزة مخابراته يجب ألا يفوز فيها. ولذلك يُعد رد الحكومة الألمانية على هجوم المسيّرات في لايبزيغ ذكيا ومتوازنا".

فمن جهة -يضيف نيلز- لم تتهرب برلين من تحمل المسؤولية، بل حمّلت روسيا مسؤولية الهجوم بوضوح وأغلقت القنصلية الروسية العامة في بون والمركز الثقافي الروسي في برلين، لتبعث بذلك رسالة واضحة مفادها أن ألمانيا لن تتجاوب مع لعبة بوتين.

ومن جهة أخرى، تتمتع الحكومة الألمانية بما يكفي من الحكمة لعدم إشعال صراع غير ضروري. فقد كان بإمكان برلين أيضا قطع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا أو طرح القضية أمام حلف شمال الأطلسي، لكن مثل هذه الخطوات ربما كانت ستدفع الطرفين خطوة إضافية نحو حرب حقيقية، وهو أمر لا يمكن لأحد أن يرغب فيه.

استعراض القوة لن ينفع

ويؤكد الكاتب أن استعراض القوة والتهديدات العسكرية من جانب ألمانيا لن يساعد في هذه المرحلة، بل سيمنح بوتين مزيدا من القوة لروايته التي يصور فيها الغرب على أنه الطرف المعتدي. ومن هنا، يرى الكاتب أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أخطأ عندما أعلن -الأسبوع الماضي- بعبارات شديدة اللهجة أن منفذي الهجوم سيدفعون الثمن.

فميرتس -يضيف نيلز- ولّد انطباعا من خلال تصريحات عدة أدلى بها قبل المؤتمر الصحفي لوزيري الداخلية والخارجية أمس الأربعاء بأن رد ألمانيا سيكون قويا وكبيرا، مع أنه كان يعرف أن مثل هذا الرد لن يكون ممكنا بالشكل القوي الذي أوحت به تصريحاته.

إعلان

ومع ذلك، يرى الكاتب أن ميرتس اتخذ في النهاية القرار الصحيح، فهو يدرك أن ألمانيا وأوروبا لا تملكان في مواجهة روسيا سوى التحلي بالصبر، وفي الوقت نفسه بناء قدرات كافية للدفاع عن النفس.

مصدر الصورة شرطي يرتدي ملابس واقية بجانب روبوت لتفكيك المتفجرات في مطار "لايبزيغ ـ هاله" بعد اكتشاف المتفجرات (رويترز)

ويخلص الكاتب إلى القول إن وضوح الغرب وثباته في التعامل مع موسكو هما وحدهما القادران على إنهاء هذا الصراع، فالضغوط داخل روسيا تتزايد والبلاد مقبلة على الإفلاس، في حين تطول آثار الحرب والعقوبات عددا متزايدا من المواطنين.

وجاءت هذه التعليقات وغيرها على إعلان وزيري الداخلية والخارجية الألمانيين -أمس الأربعاء- عن حزمة من إجراءات الرد على هجوم فاشل تعرض له مطار "لايبزيغ-هاله" في مطلع أغسطس/آب الماضي، حيث عثرت الشرطة في المطار على طائرة مسيّرة محمّلة بنحو 600 غرام من المتفجرات قرب طائرات شحن أوكرانية، لكن العبوة لم تنفجر بسبب خلل في آلية التفجير.

لماذا هذا المطار تحديدا؟

لا يُعد مطار "لايبزيغ-هاله" مجرد مطار إقليمي لنقل الركاب، بل أحد أهم المراكز اللوجستية في ألمانيا وأوروبا، ويعمل على مدار الساعة، ويستضيف مركزا ضخما لشركة "دي إتش إل"، مما يجعله نقطة رئيسية لتوزيع الشحنات والطرود بين أوروبا وبقية أنحاء العالم.

لكن أهمية المطار لا تقتصر على الجانب التجاري، بل له أهمية عسكرية أيضا، إذ يتمتع بأهمية إستراتيجية وعسكرية، فهو يُستخدم بانتظام في عمليات النقل التابعة للجيش الألماني (بوندسفير) وحلف شمال الأطلسي (ناتو) خصوصا لنقل المعدات والحمولات العسكرية الثقيلة.

كما ارتبط المطار خلال السنوات الأخيرة بعمليات النقل والإمداد العسكري في أوروبا، بما في ذلك الشبكات اللوجستية المرتبطة بدعم أوكرانيا.

وتزداد أهمية الموقع بسبب قدرته على استقبال طائرات الشحن العملاقة، وأيضا بسبب البنية التحتية المتطورة التي يتمتع بها، مما يجعله نقطة مناسبة لنقل المعدات العسكرية الثقيلة بسرعة إلى مناطق مختلفة. لذلك، فإن أي هجوم أو عملية تخريب تستهدف المطار لا يُنظر إليها -من وجهة نظر السلطات الألمانية- بوصفها مجرد اعتداء على منشأة مدنية، بل كأنها تستهدف مرفقا عسكريا ولوجستيا مهمّا.

من هنا يمكن القول إن هذا المطار يجمع بين مهام خدمة الاقتصاد المدني والبنية اللوجستية العسكرية، وهو ما يمنحه أهمية إستراتيجية تتجاوز بكثير الحجم والدور لأي مطار عادي آخر.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا