آخر الأخبار

من أفغانستان إلى إيران.. لماذا تعجز الولايات المتحدة عن إنهاء حروبها؟

شارك

بين حرب أمريكية في أفغانستان امتدت لنحو عقدين، وحرب جديدة في إيران لا تبدو نهايتها قريبة، يطرح الكاتب غريغ جافي، في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، تساؤلاً لافتاً: لماذا يسهل على الولايات المتحدة دخول الحروب، فيما يصعب عليها إنهاؤها؟

في أفغانستان، الانسحاب نفسه معضلة استمرت سنوات، وانتهت الحرب قبل خمسة أعوام وسط مشاهد الفوضى والهزيمة في مطار كابول، حيث تدفق مئات الآلاف من الأفغان سعياً إلى الفرار من مقاتلي طالبان، فيما أدى تفجير انتحاري إلى مقتل 13 جندياً أمريكياً.

لكن السنوات التي أعقبت الانسحاب بددت، وفق جافي، جانباً مهماً من المخاوف التي دفعت ثلاثة رؤساء أمريكيين إلى إرجاء الانسحاب من أفغانستان، فالبلاد لم تتحول إلى ملاذ لـ"الإرهاب" أو قاعدة لشن هجمات داخل الولايات المتحدة، كما كان يُخشى. وهي تجربة تكتسب اليوم أهمية جديدة مع دخول واشنطن حرباً أخرى تبدو احتمالات تحقيق نصر عسكري فيها محدودة.

وفي إيران، يجد الجيش الأمريكي نفسه أمام مأزق يحمل أصداء التجربة الأفغانية ، بحسب المقال، فقد ألمح الرئيس دونالد ترامب إلى رغبته في الخروج من الحرب، قبل أن يتراجع ويبرر استمرارها بمساعدة حلفاء واشنطن، قائلاً في خطاب من المكتب البيضاوي خلال الربيع: "لسنا مضطرين إلى أن نكون هناك. لا نحتاج إلى نفطهم. لا نحتاج إلى أي شيء لديهم. لكننا هناك لمساعدة حلفائنا".

الانسحاب أصعب من دخول الحرب

يرى جافي أن التجربة الأفغانية تضع أمام الجنرالات وصناع القرار مجموعة من الأسئلة التي تتكرر اليوم في إيران: لماذا استغرق اتخاذ قرار الانسحاب من أفغانستان كل ذلك الوقت؟ وما الذي تكشفه صعوبة تقبل الهزيمة هناك عن الخيارات المتاحة أمام إدارة ترامب؟

فالولايات المتحدة واجهت معضلة الخروج في معظم الحروب التي خاضتها منذ صعودها قوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية. ويصف أندرو آر. هون، كبير المحللين في مؤسسة "راند"، جانباً كبيراً من التدخلات الأمريكية خلال العقود الماضية بأنه كان أقرب إلى "حراسة الإمبراطورية".

ويرى هون أن القوات الأمريكية خاضت، في معظم الحالات، حروباً بهدف فرض النظام على عالم مضطرب أو الدفاع عن القيم الأمريكية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة "لا تخوض صراعات وجودية".

وبحسب جافي، أتاحت المرحلة التي أعقبت مقتل أسامة بن لادن في أيار/مايو 2011 أفضل فرصة أمام الولايات المتحدة للانسحاب من أفغانستان، بعدما قُتل منفذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر وأضعفت عشر سنوات من ضربات الطائرات المسيّرة تنظيم القاعدة بشدة، في وقت بدا فيه القضاء على طالبان، التي حكمت البلاد ووفرت ملاذاً للقاعدة قبل الغزو الأمريكي، شبه مستحيل.

مصدر الصورة جنود من الجيش الأمريكي خلال تدريب مشترك لعبور النهر بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، ضمن مناورات "فريدوم شيلد"، 14 آذار 2026. AP Photo

ويستشهد جافي بكارتر مالكاسيان، الذي عمل مستشاراً للقادة الأمريكيين في أفغانستان، وكتب مؤخراً في مجلة "فورين أفيرز" أنه لو كان المسؤولون الأمريكيون يعرفون آنذاك ما يعرفونه اليوم، لكان كثيرون منهم، بمن فيهم هو، قد دافعوا بقوة أكبر عن انسحاب مبكر.

وبحسب المقال، دفعت عوامل عدة الرؤساء الأمريكيين ووزارة الدفاع إلى مواصلة القتال، من بينها المخاوف على مصداقية الولايات المتحدة، والشعور بالالتزام تجاه الحلفاء الأفغان، إلى جانب الاعتقاد بأن الهزيمة قد تشكل انتقاصاً من تضحيات الجنود الذين قُتلوا أو جُرحوا خلال الحرب.

ويشير جافي إلى أن فكرة الانسحاب كانت أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد من الضباط الذين فقدوا أصدقاء مقربين في المعارك مع طالبان، إذ تعارضت مع سنوات من التدريب والخبرة العسكرية. ويلخص مالكاسيان أحد أسباب استمرار الحرب بالقول إن "الجيش الأمريكي يقاتل من أجل الفوز".

ولم تقتصر هذه المخاوف على المؤسسة العسكرية. فوفق المقال، كان القادة السياسيون ومسؤولو السياسة الخارجية قلقين أيضاً بشأن مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية، فضلاً عن الثمن الذي قد يدفعونه في صناديق الاقتراع نتيجة خسارة الحرب.

وبحلول عام 2011، كانت أعداد القوات الأمريكية في أفغانستان قد بدأت بالفعل في الانخفاض. ويقول جافي إن طالبان أدركت حينها أن عليها الصمود لفترة أطول من القوات الأمريكية ومن استعداد الرأي العام الأمريكي، الذي أنهكته الحرب، لمواصلة تحمل كلفتها.

ومع تراجع احتمالات هزيمة طالبان، يشير المقال إلى أن القادة السياسيين الأمريكيين أعادوا صياغة أهدافهم، فتحول التركيز إلى خفض الخسائر البشرية وتقليص تكاليف الحرب والإبقاء على الحكومة الأفغانية، التي يصفها جافي بأنها كانت فاسدة وغير شعبية.

وفي توصيف لهذا النهج، تشبه روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة "ديفنس برايورتيز"، المسؤولين بطبيب في جناح العناية المركزة يعرف أن المريض سيموت، لكنه يأمل في أن يحدث ذلك بعد انتهاء نوبة عمله، لأنه لا يريد أن تقع الوفاة في عهده.

واستمرت الحرب عقداً آخر بعد مقتل بن لادن ، وقُتل خلالها 868 عسكرياً أمريكياً إضافياً. ووفق جافي، شعر القادة الأمريكيون الذين تولوا قيادة القوات في السنوات الأخيرة بأنهم وُضعوا أمام مهمة محكوم عليها بالفشل. وفي بودكاست حديث، استعاد الجنرال أوستن إس. ميلر، آخر قائد أمريكي في أفغانستان، حالته الذهنية عندما اختير للمهمة عام 2018، قائلاً إنه كان يتوقع أن يخرج من فترة خدمته "منهكاً للغاية" وبـ"سمعة متراجعة".

إيران.. حرب قد تطول

في حديثه عن الحرب على إيران، يشير جافي إلى أن وزير الدفاع بيت هيغسيث تعهد، في وقت سابق من هذا العام، بألا تتحول إلى حرب طويلة على غرار أفغانستان والعراق، وهما صراعان خدم فيهما عندما كان ضابطاً شاباً في الحرس الوطني للجيش الأمريكي، في تجربة يقول المقال إنها تركته غاضباً ومحبطاً.

وفي آذار/مارس، قال هيغسيث للصحافيين إنه واحد من مئات الآلاف الذين قاتلوا في العراق وأفغانستان وشاهدوا "سياسيين حمقى سابقين مثل بوش وأوباما وبايدن يهدرون المصداقية الأمريكية". ووصف الحربين بأنهما مستنقعان، متعهداً بأن تكون الحرب في إيران مختلفة، و"شديدة التركيز"، وفتاكة وسريعة و"حاسمة"، ومؤكداً: "هذه ليست العراق. وهذه ليست حرباً بلا نهاية".

لكن التطورات اللاحقة، بحسب جافي، وضعت هذه التعهدات أمام واقع مختلف. فقد ردت إيران على الهجمات بإغلاق مضيق هرمز، فيما أقر رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، في وقت سابق من هذا الصيف، بأن القنابل والصواريخ الأمريكية لن تكون، على الأرجح، كافية لهزيمة إيران أو حتى لإعادة فتح الممر المائي الحيوي أمام الملاحة التجارية. وقال خلال إفادة أمام مجلس الشيوخ: "للقوة الجوية حدود، وعلينا دائماً أن نضع ذلك في اعتبارنا".

ووفق المقال، تراهن الإدارة الأمريكية حالياً على أن الحصار الذي تفرضه البحرية على الصادرات الإيرانية عبر المضيق، إلى جانب العقوبات الاقتصادية، يمكن أن يحقق ما لم تتمكن الضربات الجوية السابقة من تحقيقه. ويشير جافي إلى مؤشرات أولية تظهر ارتفاع أعداد السفن وكميات صادرات النفط التي تعبر المضيق.

مصدر الصورة فريق من الجيش الأمريكي يحمل نعش الرقيب بنجامين بنينغتون في قاعدة "فورت نوكس" بولاية كنتاكي، 20 آذار 2026. AP Photo

وعلى الرغم من هذه المكاسب المحدودة، يلفت الكاتب إلى أن القادة العسكريين الأمريكيين لم يعودوا يتحدثون عن نصر سريع، بل باتوا يصفون حملة يمكن أن تمارس ضغوطاً على إيران لأشهر أو لفترة أطول. وعندما سُئل هيغسيث عن المدة التي تستطيع خلالها البحرية، التي تواجه أصلاً ضغوطاً ناجمة عن فترات الانتشار الطويلة، مواصلة فرض الحصار، أجاب: "يمكننا مواصلة ذلك طالما احتجنا إليه، إلى أجل غير مسمى".

ويرى جافي أن التحدي الذي يواجه الجيش الأمريكي هنا يشبه ما واجهه في أفغانستان، فمقاتلو طالبان كانوا يخوضون معركة من أجل بقائهم، وكذلك يفعل قادة إيران، فيما تبدو المخاطر بالنسبة إلى الولايات المتحدة أقل بكثير، وكذلك كلفة الانسحاب.

ويشير المقال إلى أن الجيش الأمريكي من المرجح أن يكون قادراً على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً قبل بدء الحرب. ويقول توماس مانكن، الذي شغل منصب مسؤول رفيع في البنتاغون خلال عهد الرئيس جورج بوش، إن المهمة "قابلة للتنفيذ"، لكنها ستتطلب بعض الجهد على الأرض، نظراً إلى أن الإيرانيين أمضوا عقوداً في بناء مواقعهم وتحصينها.

وفي الوقت الراهن، يقول جافي إن الكلفة البشرية والمالية لمثل هذه العملية تبدو أعلى مما يرغب ترامب أو الشعب الأمريكي في تحمله، في ظل استطلاعات رأي تشير إلى معارضة الحرب.

مواجهة ذاكرة الهزيمة

يعود جافي في مقاله إلى أفغانستان، متوقفاً عند مراسم أقيمت يوم الأربعاء في الذكرى الخامسة لانتهاء الحرب، منح خلالها هيغسيث ثلاثة من مشاة البحرية المتقاعدين أوسمة أعلى تقديراً لشجاعتهم. وكان اثنان منهم قد أصيبا بجروح خطرة بشظايا التفجير الانتحاري الذي وقع في مطار كابول ، لكنهما واصلا، رغم إصاباتهما، مساعدة الجرحى على الوصول إلى مكان آمن.

وأشاد هيغسيث ببطولتهم قائلاً: "عندما سعى الأشرار إلى زرع الرعب، وقف هؤلاء الرجال كالأسود عند البوابة، ثابتين في هدفهم، شرسين في عزيمتهم، ولا تنكسر شجاعتهم".

مصدر الصورة قبر الجندي الأمريكي دانيال فايت، قبيل يوم الذكرى، 24 أيار/مايو 2026. AP Photo

لكن جافي يرى أن المراسم أدت غرضاً آخر أيضاً، إذ أعادت تأطير خسارة الجيش الأمريكي في حرب أفغانستان الطويلة وغير المرضية بوصفها انتصاراً للجنود الذين انتشروا هناك وقاتلوا.

وقال هيغسيث لمشاة البحرية: "أنتم طليعة قوة فتاكة وفخورة ولم تُهزم"، قبل أن يمنحهم أوسمتهم التي تأخر تسليمها طويلاً.

ويختتم جافي مقاله بمفارقة تختصر جانباً من تجربة أفغانستان التي يستحضرها في سياق الحرب الحالية في إيران: ففي مراسم أقيمت بعد خمسة أعوام على انتهاء أطول حروب الولايات المتحدة، جرى الاحتفاء بشجاعة الجنود وتضحياتهم، لكن أحداً لم يأت على ذكر هزيمة البلاد.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا