في تسوية تاريخية حول مخاطر منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال، توصلت شركة ميتا مع عدد من الولايات الأمريكية الى اتفاق غير مسبوق. ووفقا لوثائق المحكمة التي نشرت يوم (الأربعاء 26 أغسطس / آب 2026)، ستدفع ميتا، وهي الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام نحو 18 مليار دولار إلى الولايات المعنية. وكانت ولايات أمريكية قد اتهمت ميتا بتقديم تطبيقات تسبب الإدمان. وفي المستقبل، ستفرض في تلك الولايات قيود كبيرة على وصول الأطفال إلى تلك التطبيقات. كما أن المنافسين الآخرين مطالبون باتخاذ خطوات مماثلة. وبموجب التسوية ستفرض ميتا وبشكل تلقائي، حدّاً أقصى على المستخدمين المراهقين لتطبيقاتها يبلغ ساعتين يوميا، إلى جانب فرض حظر من منتصف الليل وحتى السادسة صباحا، مع استثناء خدمات الرسائل من الإجراء. أما الأطفال دون سن 13 عامًا، فلن يُسمح لهم باستخدام خدمات ميتا، وسيتم تعطيل حساباتهم، وفقًا لما أوضحته الشركة.
وتشكل منصات التواصل الاجتماعي مخاطر متعددة على الأطفال بشكل خاص، فهم معرضون لمحتويات غير مناسبة كالعنف والتنمر الإلكتروني والتواصل مع أشخاص مجهولين قد يشكلون خطرا عليهم. كما أن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى الإدمان وقلة النوم وضعف التركيز والتراجع في الدراسة، وقد يؤثر سلبا فيعلى الصحة النفسية والبدنية للطفل بسبب المقارنات المتواصلة مع الآخرين. لذلك، من المهم أن يرافق الأهل استخدام الأطفال لهذه المنصات، مع توعيتهم بطرق الاستخدام الآمن والمسؤول. ووصف بريان شوالب، المدعي العام لمقاطعة كولومبيا في العاصمة واشنطن، التسوية مع ميتا بأنها "انتصار كبير للصحة العامة للشباب (..) لقد استغلت ميتا الأطفال عن عمد بدافع الجشع لتحقيق الأرباح، ثم كذبت بشأن ذلك".
ومن المتوقع أن يلتحق منافسو ميتا على الأرجح بهذه التسوية. وبهذا الصدد قال كبير القانونيين في ميتا، سي. غاي ماهوني "إن الإطار الذي تفاوضنا عليه سيمكن الآباء من إدارة وصول أطفالهم إلى منصاتنا بكل سهولة (..) إنه المسار الصحيح لقطاعنا بأكمله". وفي بيان مفتوح دعت ميتا منافسيها إلى انتهاج نفس المنوال، ولا سيما تطبيقات تيك توك ويوتيوب التابعين لشركة غوغل. ويبدو أن ميتا تربط بين المبلغ الذي ستدفعه للولايات الأمريكية المعنية بالتسوية القضائية ورد فعل منافسيها، وقد لا تدفع سوى ثلاثين بالمائة من مبلغ 18 مليار دولار ويدفع منفسوها بالتالي مبلغا مماثلا.
وتشكل هذه التسوية اختراقا في ماراثون قضائي حظي باهتمام عالمي واسع. ولن يضطر مارك زوكربيرغ ، الرئيس التنفيذي لميتا بالتالي إلى المثول أمام محكمة في أوكلاند. وكان آدم موسيري، رئيس إنستغرام، قد أدلى بشهادته يوم (الثلاثاء 25 أغسطس / آب 2026)، نفى فيها اتهامات بأن فريقه أخفى معلومات سلبية عن الجمهور. ووفقا لتقديرات سابقة سابقة أجرتها ميتا، كانت الولايات الأمريكية تسعىل مطالبة المحكمة بتعويضات تصل إلى 1.4 تريليون دولار، وهو ما يوازي القيمة السوقية لشركة ميتا، إحدى أكبر شركات التكنولوجيا العملاقة في العالم. التسوية الحالية تزيل هذا الخطر المالي مؤقتا على الأقل والذي كان مسلطا كالسيف على رقبة ميتا، غير أن ذلك لا يغلق الباب نهائيا أمام مطالب قانونية أخرى.
إضافة إلى فرض حد زمني يومي أقصى قدره ساعتان، فستظهر ظهور تنبيهات إلزامية بعد كل ربع ساعة من الاستخدام المتواصل، ثم مرة أخرى بعد ستين دقيقة وتسعين دقيقة. أما إجراءات الحظر الليلي، فستحد من وصول الأطفال إلى خلاصات المحتوى بين منتصف الليل والساعة السادسة صباحا، كما سيتم كتم الإشعارات بين الساعة العاشرة ليلا والسابعة صباحا. كذلك لن يسمح لتطبيقات التواصل الاجتماعي بإرسال إشعارات فورية إلى شاشات القفل أثناء ساعات الدراسة. كما لن يتمكن المراهقون مستقبلا، من رؤية عدد الإعجابات أو التفاعلات على المنشورات. وسيتم كذلك تعطيل فلاتر التجميل والمكياج ذات التأثيرات الشديدة على المستخدمين الأطفال. وبموجب الاتفاق تلتزم ميتا أيضا بإجراءات أكثر صرامة للتحقق من أعمار المستخدمين الشباب، إلى جانب تشديد الرقابة على المحتوى.
وبحسب ملف هذه المعركة القضائية، فإن هذه التغييرات ستكون إلزامية فقط في الولايات الأمريكية الـ48 المشاركة. وكانت 29 ولاية قد رفعت الدعوى في البداية، إلا أن جميع الولايات الأمريكية انضمت لاحقا إلى الاتفاق، باستثناء نيو مكسيكو وفلوريدا. وتنص التسوية على أنه "لا يجوز فهم أي من بنود الأحكام الجديدة على أنها تعني أي ولاية أمريكية غير مشاركة أو في أي نظام قانوني دولي من أي نوع". غير أن عددا من المراقبين الأوروبيين لا يستبعدون أن تصبح هذه التسوية نموذجا قد يصبح مرجعية في أوروبا أيضا. ويذكر أن المفوضية الأوروبية قد كثفت خلال الأشهر الماضية إجراءاتها ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى. وبهذا الصدد ترى ألكسندرا غيزه، خبيرة الشؤون الرقمية عن حزب الخضر في البرلمان الأوروبي، أن التسوية الأمريكية تمثل "حافزا للاتحاد الأوروبي لفرض قواعد أكثر صرامة على منصات التواصل الاجتماعي أخيرًا". وأضافت أن التزام ميتا بهذه التغييرات يُظهر "مدى الخوف الكبير من انكشاف معلومات قد تترتب عليها عواقب قانونية ومالية جسيمة".
سبق للمفوضية الأوروبية أن وجهت اتهامات إلى شركة ميتا بانتهاك قواعد الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتكنولوجيا، إذ اعتبرت الجهات التنظيمية أن هناك خصائص صممت خصيصا لإبقاء المستخدمين متصلين بالمنصات لأطول فترة ممكنة. وطالبت المفوضية الشركة بإجراء تعديلات على ميزات مثل التشغيل التلقائي للمحتوى والتمرير اللانهائي.
وتوصلت المفوضية لهذا الاستنتاج بعد تحقيق استمر عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية الأوروبي الذي يفرض على المنصات الإلكترونية الكبرى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار، في ظل المخاوف من التأثيرات المحتملة على الصحة النفسية للأطفال، ما دفع بعض الحكومات إلى فرض أو دراسة قيود على استخدام القاصرين لهذه المنصات. واتهمت المفوضية ميتا بأنها لم تقيم بشكل كاف مخاطر الإدمان الناجمة عن عدد من أنظمة وخصائص منصاتها. واعتبرت أن مثلا خصائص مقاطع الفيديو القصيرة والقصص على فيسبوك وإنستغرام قد تسهمان في الاستخدام المفرط أو القهري للمنصتين. وليس من الواضح بعد التأثيرات التي ستكون للتسوية التي توصلت إليها الشركة مع الاولايات الأمريكية على مستقبل عمل تطبيقات ميتا في الفضاء الأوروبي.
أصداء التسوية مع ميتا وصلت إلى الأمم المتحدة بسرعة حيث طالب المفوض السامي لحقوق الإنسان للمنظمة الدولية فولكر تورك (28 أغسطس/ آب), بقواعد لحماية الأطفال في شبكات التواصل باعتماد الأمريكية مع ميتا. وكتب فولكر تورك في منشور على منصة إكس "ينبغي ألا ينتظر الأطفال إطلاق دعوى قضائية ليتسنى لهم تصفح الإنترنت بأمان"، مؤكدا أن التدابير الجديدة المتّخذة من ميتا "تذهب في الاتجاه الصحيح (..) التصاميم القائمة على الأمن ينبغي أن تطبّق على القطاع برمته (..) الحكومات ينبغي أن تأخذ زمام المبادرة بدلا من انتظار تحرّك المحاكم والشركات"، وفق ما نقلته الوكالة الفرنسية في 28 أغسطس / آب. قال فولكر تورك إن ضمان أمن الأطفال على الإنترنت أولوية ملحة، معتبرا أن التركيز على القيود المرتبطة بالسن وحده لن يغير التصاميم والخوارزميات التي جعلت هذه الشبكات خطرة. وينبغي أن يدمج عمالقة التكنولوجيا الأمن "في التصاميم الأولية بدلا من إلقاء المسؤولية على الأهل والأطفال"، بحسب تورك.
وأصدر مكتبه عشرة مبادئ توجيهية لأمن الأطفال على الإنترنت تنص خصوصا على ضمان حماية قصوى لبيانات الأطفال تلقائيا، فضلا عن منع "الاستهداف الدقيق" للقاصرين لأغراض تجارية. ولا يحل الاتفاق المبرم مع ميتا في الولايات المتحدة سوى جزءا هو الأثقل من النزاع الواسع الذي تخوضه مجموعات التواصل الاجتماعي مع القضاء على خلفية اتهامها بالتسبب بأزمة صحة نفسية للشباب في الولايات المتحدة. وتخضع ميتا لتحقيقات عدة في الاتحاد الأوروبي أيضا لهذه الأسباب. وفي العاشر من تموز/ يوليو، طلبت المفوضية الأوروبية من عملاق التكنولوجيا الأميركي تعديل واجهات فيسبوك وإنستغرام باعتبار أنها تثير إدمانا كبيرا، تحت طائلة التعرّض لعقوبات ثقيلة.
تحرير: وفاق بنكيران
المصدر:
DW