حقق الأكاديمي والناشط الفلسطيني الأمريكي أسامة أبو ارشيد انتصارا قضائيا وصفه بالتاريخي، بعدما قضت محكمة فدرالية أمريكية بأن عمليات تفتيش هاتفه المحمول من قِبَل السلطات الأمريكية خلال عام 2024 انتهكت الحقوق التي يكفلها له التعديل الرابع للدستور الأمريكي، في حكم قد يفتح الباب أمام مساءلة أوسع لممارسات تفتيش الأجهزة الإلكترونية عند المعابر الحدودية.
وأصدرت المحكمة الفدرالية للمنطقة الشرقية في ولاية فرجينيا، في 15 يوليو/تموز الماضي، حكمها لصالح أبو ارشيد في الشق المتعلق بالتعديل الرابع من الدستور، الذي يحظر عمليات التفتيش والمصادرة الحكومية غير المعقولة، بعدما خلصت إلى أن الحكومة لم تمتلك مستوى الاشتباه المطلوب قانونا لتبرير تفتيش هاتفه.
وفي مقابلة مع الجزيرة، قال أبو ارشيد إن استهدافه من قِبَل الأجهزة الحكومية الأمريكية ليس جديدا، لكنه شهد تحولا ملحوظا منذ مايو/أيار 2024، بالتزامن مع نشاطه المناهض للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وانتقاداته العلنية للدعم الأمريكي لإسرائيل.
وأوضح أن السلطات بدأت منذ ذلك الوقت بإخضاعه لإجراءات أمنية إضافية في المطارات خلال رحلاته الداخلية والدولية، قبل أن تصادر هاتفه عقب عودته من رحلة خارجية في يونيو/حزيران 2024، وتحتفظ به عدة أشهر، ثم تعود لمصادرة هاتف آخر في أغسطس/آب من العام نفسه.
وأشار إلى أن القضية جاءت تتويجا لمعاناة استمرت سنوات مع سلطات الحدود، موضحا أنه سبق أن طُلب منه في إحدى المرات فتح هاتفه أمام أحد ضباط الهجرة، الذي تصفح -بحسب روايته- رسائل وصورا عائلية خاصة، وهو ما دفعه لاحقا إلى اتخاذ إجراءات لحماية خصوصيته الرقمية أثناء السفر.
وأضاف أن السلطات اعتبرت تغيير هاتفه أو حذف بعض محتوياته دليلا يبرر الاشتباه به، بينما رأى أن ذلك يدخل ضمن حقه الطبيعي في حماية خصوصيته، مؤكدا أن الإجراءات لم تتوقف عنده شخصيا، بل امتدت إلى أفراد أسرته، إذ تعرضت بناته للاستجواب خلال عودتهن من رحلات خارجية بشأن نشاط والدهن وأصدقائه.
وكان مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير" قد رفع في أغسطس/آب 2024 دعوى قضائية ضد مسؤولين في الحكومة الأمريكية، تضمنت قضية أبو ارشيد إلى جانب الفلسطيني الأمريكي مصطفى زيدان، الذي طعن في إدراجه على قائمة حظر الطيران.
وأشارت الدعوى إلى أن أبو ارشيد خضع للاستجواب بشأن نشاطه المرتبط بالحرب في غزة، وصودرت هواتفه رغم عدم توجيه أي اتهامات جنائية إليه أو إلى زيدان.
وخلال المحاكمة التي عقدت في مايو/أيار الماضي، خلصت المحكمة إلى أن عمليتي تفتيش هاتف أبو ارشيد في مطار واشنطن دالاس الدولي عام 2024 انتهكتا التعديل الرابع للدستور الأمريكي، كما رفض القاضي اعتبار الاتهامات التي سبق أن وجّهتها لجنة الرقابة والمساءلة في مجلس النواب إلى منظمة "مسلمون أمريكيون من أجل فلسطين" أساسا قانونيا كافيا لتبرير الاشتباه أو عمليات التفتيش.
ويرى أبو ارشيد أن أهمية الحكم لا تكمن فقط في إنصافه شخصيا، وإنما في أنه يضع حدودا واضحة للسلطات الحكومية عند التعامل مع الأجهزة الإلكترونية للمسافرين، ولا سيما عندما تستند إلى ذرائع تتعلق بالأمن القومي.
وقال إن الحكومة حاولت تبرير الإجراءات بحقه باعتبارات أمنية، إلا أن المحكمة "نقضت رواية الحكومة" بعدما أكدت عدم وجود أساس قانوني أو أمني كاف لتفتيش هواتفه.
ومع ذلك، شدد ابو أرشيد على أن الحكم لا يمنع بصورة عامة تفتيش الهواتف والأجهزة الإلكترونية عند الحدود الأمريكية، إذ اقتصر على الوقائع الخاصة بقضيته، لكنه اعتبره سابقة قانونية مهمة قد يستفيد منها آخرون في قضايا مشابهة.
وربط أبو ارشيد ما تعرض له بسياق أوسع من الضغوط التي يقول إنها تستهدف الناشطين المؤيدين للحقوق الفلسطينية داخل الولايات المتحدة، معتبرا أن القضية تتجاوز العرب والمسلمين، وتمس جوهر حرية العمل السياسي وحق المواطنين الأمريكيين في معارضة سياسات حكومتهم دون التعرض لإجراءات استثنائية.
واستشهد في هذا السياق بقضية الصحفي الأمريكي ماكس بلومنتال، الذي رفع دعوى قضائية بعد مصادرة هاتفه لدى عودته من رحلة خارج الولايات المتحدة، معتبرا أن الجدل المتصاعد حول تفتيش الأجهزة الإلكترونية عند المعابر الحدودية لم يعد مقتصرا على هوية دينية أو عرقية بعينها.
وأكد أبو ارشيد أن التحولات التي يشهدها الرأي العام الأمريكي بشأن الحرب على غزة والدعم الأمريكي لإسرائيل جعلا النشاط المؤيد للحقوق الفلسطينية أكثر حضورا في المجال العام وداخل الكونغرس، معتبرا أن اللجوء إلى القضاء أصبح إحدى الوسائل الأساسية لمواجهة ما وصفه باستخدام أدوات الدولة ضد نشاط سياسي يحميه الدستور الأمريكي.
المصدر:
الجزيرة