في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تراجُع عدد السكان في اليابان ليس أمرا مستجدا، فالبلد اعتاد على هذه الوتيرة المستمرة منذ 17 عاما، لكنّ الحدث الأخطر بالنسبة لبيانات عام 2026 التي أفرجت عنها وزارة الداخلية هو أن البلاد سجلت أدنى مستوى لها في أعداد المواليد منذ تاريخ بدء جمع البيانات عام 1899، في وقت تتفاقم فيه أزمة الشيخوخة المهددة للاقتصاد والأمن القومي.
فمع عزوف الشباب عن الزواج وتراجع نسبة الخصوبة وتصاعد أعداد المسنين، باتت اليابان أمام حرب صامتة لتأمين جبهاتها الدفاعية وضمان قوة دفاع ذاتي تجعلها في مأمن من التحول إلى لقمة سائغة للخصوم الإقليميين في شمال شرق آسيا.
تدفع أحدث البيانات والأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية إلى دق ناقوس الخطر، فالبلد سجل تراجعا في عدد سكانه لأول مرة منذ 42 عاما، إلى ما دون 120 مليون نسمة في يناير/كانون الثاني الماضي، مسجلا انخفاضا بنسبة 0.76% عن العام السابق.
ومع أن أعداد المقيمين الأجانب وصلت إلى أعلى مستوياتها لتدفع بالعدد الإجمالي للسكان إلى 123.76 مليون نسمة، فإن ذلك لا يحجب الصورة المقلقة للواقع الديمغرافي لليابان.
وتشير بيانات رسمية صدرت في مطلع يونيو/حزيران إلى تراجع معدل الخصوبة إلى مستوى قياسي قدره 1.14 طفل للمرأة في عام 2025، وهو من بين أدنى المعدلات في العالم، ما يشير إلى الأزمة الديمغرافية في رابع أكبر اقتصاد في العالم.
وسجلت اليابان عدد مواليد بلغ 671 ألفا و236 مولودا عام 2025، أي أقل بنحو 15 ألف طفل عن العام السابق، وهو أدنى رقم منذ بدء جمع البيانات عام 1899، بحسب أرقام تقتصر على الأطفال اليابانيين المولودين داخل البلاد.
ويشكل من تزيد أعمارهم عن 65 عاما 30% من سكان البلاد، ومن المتوقع وفق دراسات متخصصة، أن تصل هذه النسبة إلى 40% بحلول عام 2070.
وتطرح هذه التحولات سلسلة من المشكلات، من أبرز وجوهها أزمة في اليد العاملة وارتفاع حاد في نفقات الضمان الاجتماعي وتراجع عدد الأشخاص في سن العمل المساهمين في دفع الضرائب.
لكنْ ما الأسباب المباشرة التي تدفع عدد السكان إلى التراجع سنويا، ولماذا فشلت اليابان في كبح هذا الانحدار للمؤشرات الديمغرافية؟
يتزايد عدد اليابانيين الذين يتزوجون في سن متأخرة أو يفضلون العزوبية، على غرار الاقتصادات المتقدمة الأخرى، وهو تحول أحدث فجوة مع قيم المجتمع المحافظ المبني على علوية مؤسسة العائلة.
ويُظهر المسح السنوي للسكان والضمان الاجتماعي لعام 2021، الذي أجراه المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي، أن متوسط عدد الأطفال لكل زوجين ظل مستقرا نسبيا على مدى العقود الأربعة الماضية، مما يشير إلى أن انخفاض معدل الزواج قد أسهم بشكل كبير في انخفاض معدل الخصوبة.
وتربط دراسات هذه التوجهات بعدة سمات هيكلية لسوق العمل الياباني. فعلى سبيل المثال، تعرضت ثقافة العمل في البلاد لانتقادات بسبب ساعات العمل الطويلة، التي تتجاوز في بعض الحالات 60 ساعة أسبوعيا.
ورغم جهود الحكومة اليابانية للحد من ساعات العمل الإضافية وتحسين التوازن بين العمل والحياة، لا تزال ساعات العمل الممتدة شائعة في العديد من القطاعات. ويُعتقد أن هذا العامل قد أسهم في اختلال التوازن بين الالتزامات المهنية وضرورات الحياة، حيث يجد الآباء صعوبة متزايدة في التوفيق بين ضغوطات العمل وتربية الأبناء.
وقد أسهم انخفاض حجم القوى العاملة في نقص العمالة في قطاعات متعددة، لا سيما في التعليم والرعاية الصحية والتصنيع، مما أجبر العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة على تقليص حجم أعمالها أو إغلاقها تماما.
من المتوقع أن يُحدث تقلص عدد سكان اليابان وشيخوختهم تحولا في المجتمع الياباني، لكنّ أحد أهم شواغل الحكومة يرتبط بمسألة الدفاع الوطني.
وأقرت الحكومة اليابانية ميزانية دفاعية قياسية في عام 2024، للاستجابة لالتزامها بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027.
لكنّ هذه الزيادة لا تحل المشكل المرتبط بحجم القوات. فتعداد جيش اليابان أقل بكثير من حجم قوات خصومها الرئيسيين في المنطقة، إذ يبلغ حجم الجيش عُشر حجم القوات الصينية العاملة وخُمس حجم القوات الكورية الشمالية، وفق تقرير لمجلة السياسات الخارجية التي تصدر عن "مجلس العلاقات الخارجية"، وهو مركز أبحاث أمريكي.
ولطالما مثّل هذا النقص نقطة ضعف رئيسية لطموحات معسكر اليمين المحافظ مع الحزب الليبرالي وحلفائه القوميين الذين يدعون إلى مراجعة المادة التاسعة من الدستور السلمي لعام 1947 تمهيدا لبناء جيش نظامي وهجومي يكون قادرا على صد التهديدات الإقليمية، بما في ذلك تطوير قدراتها الصاروخية ورفع الحظر عن تصدير الأسلحة الفتاكة للحلفاء، وهي خطط تحظى بدعم صريح من رئيسة الوزراء المحافظة ساناي تاكايتشي.
ووفق توقعات تقرير مجلة السياسات الخارجية، فإنه إذا استمرت الاتجاهات السكانية الحالية، فقد تحد بشدة من التجنيد في قوات الدفاع الذاتي اليابانية التي تعاني أصلا من نقص مزمن في الأفراد، وتقيد قدرة الدولة على فرض ضرائب على السكان لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعيق الابتكار اللازم للمنافسة في القطاع الدفاعي.
وقد اقترحت الحكومات اليابانية سياسات لعكس هذا الاتجاه بهدف جذب الشباب إلى التجنيد، لكنها لم تحقق نجاحا يُذكر حتى الآن.
ومن بين تلك المقترحات أو القرارات غير الفعالة:
ومن النتائج المخيبة لهذه السياسات أن الحكومة فشلت في عام 2023 على سبيل المثال، في تحقيق هدفها للتجنيد بنسبة تفوق 50%.
في الواقع، على مدى العقود الثلاثة الماضية، انخفض عدد اليابانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و26 عاما، وهم الفئة المستهدفة الرئيسية للتجنيد، بنحو 40%، أي من 17.43 مليونا عام 1994 إلى 10.2 ملايين عام 2024.
وقد أقرت وزارة الدفاع اليابانية صراحة بأن الأزمة الديمغرافية ستؤثر على الأمن القومي. ولهذا السبب انتهج القادة اليابانيون في السنوات الأخيرة سياسات لتشجيع الأسر على إنجاب المزيد من الأطفال، شملت عدة قرارات من بينها:
ومن الحلول الأخرى التي يقترحها الباحثون والمحللون التشجيع على سياسة الأبواب المفتوحة للمهاجرين. وهي سياسة طالما كانت مناقضة للصورة النمطية لليابان غير المرحبة بالأجانب. ويتوقع بعض المحللين أن إعادة النظر بشكل جذري في هذه السياسة ستضفي الحيوية والنشاط اللازمين على الاقتصاد والمجتمع الياباني.
وعلى الرغم من أن هذا الحل يُطرح بشكل متكرر لمعالجة مشكلة الانكماش الديمغرافي، فإن رئيسة الوزراء المحافظة ساناي تاكايتشي تدعو إلى تدابير أكثر تشددا حيال وصول الأجانب.
ومن بين المبررات التي تساق في وجه الهجرة، أن يصبح معدل المواليد لدى الوافدين الجدد مماثلا لمعدل المواليد في اليابان، بالإضافة إلى الكلفة المتوقعة للاندماج الاجتماعي، أما فيما يخص التجنيد في الجيش، فلا يُسمح إلا للمواطنين اليابانيين بالانضمام إلى القوات المسلحة اليابانية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة