عمّان – لم يكن اعتراض المسيّرات هو المستجد في البيانات الأردنية الرسمية خلال الساعات الماضية، بل ما غاب عنها. فعلى خلاف حوادث سابقة سمّت فيها عمّان مصدر الصواريخ والمسيّرات العابرة لأجوائها، واتهمت فيها إيران بشكل صريح، خلت بيانات الحادثتين الأخيرتين من أي إشارة إلى مصدر المسيّرات أو مسارها، وهو ما أحيا لغز أسباب هذا التحفظ، وما إذا كان يعكس تغيرا في طبيعة التهديد أم في طريقة التعاطي السياسي معه.
وكانت القوات المسلحة الأردنية أعلنت صباح الثلاثاء أن سلاح الجو الملكي تعامل مع مسيّرة اخترقت المجال الجوي للمملكة وأسقطها في الصحراء الشرقية المجاورة للعراق.
وجاء ذلك الإعلان بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على إعلان مماثل تحدث عن إسقاط مسيّرتين عبرتا الأجواء الأردنية.
وبينما بقي مصدر المسيّرات المذكورة غائبا عن الرواية الرسمية، تحدثت مصادر مطلعة وقريبة من مطبخ القرار السياسي والأمني في عمّان للجزيرة نت، عن امتلاك المملكة معطيات فنية واستخبارية ترجح وقوف فصائل عراقية موالية لإيران وراء تلك الهجمات.
غير أن هذا التقدير لا يجد طريقه إلى البيانات الرسمية، على الأقل حتى اللحظة، في انعكاس لمقاربة سياسية تحاول على الأرجح التوفيق بين ضرورات الأمن الوطني والحفاظ على العلاقات مع بغداد، التي تمر بمرحلة غير مسبوقة من التقارب السياسي، تتخللها مشاريع إستراتيجية وتنسيق متصاعد بين البلدين.
ويقول سياسي أردني بارز للجزيرة نت إن ما يدور داخل دوائر القرار في عمّان يكشف عن مخاوف من دخول الفصائل العراقية الموالية لإيران مرحلة جديدة من العمل اللامركزي، بحيث تصبح بعض الهجمات أقل خضوعا للتوجيه المباشر وأكثر ارتباطا بقرارات ميدانية تتخذها تلك الجماعات. ويرى أن الاستهداف الأخير للسعودية يمثل أحد المؤشرات التي تعزز هذا التقدير.
ووفق أكثر من مصدر أردني تحدثت إليه الجزيرة نت، فإن التحفظ الأردني في تسمية مصدر المسيّرات لا يعكس نقصا في المعلومات، بل مقاربة سياسية تفصل بين التقديرات الأمنية وإدارة العلاقات مع بغداد، في وقت تعول فيه عمّان على دور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في تعزيز سلطة الدولة، بالتوازي مع استمرار المتابعة الأمنية لتحركات الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل الجارة الشرقية.
وتوضح المصادر أن البيانين العسكريين الأخيرين شكّلا خروجا عن النمط الذي اتبعته عمّان في حوادث مماثلة، إذ اكتفيا بالإشارة إلى قدوم المسيّرات من جهة الصحراء الشرقية، من دون نسبها إلى أي دولة، خلافا لبيانات سابقة سمّت الأراضي الإيرانية صراحة كمصدر للمسيّرات أو الصواريخ التي كانت تستهدف مواقع أردنية.
وبحسب المصادر، فإن التقديرات الأمنية الأردنية ترجح وقوف فصائل عراقية موالية لإيران وراء إطلاق المسيّرات التي اعترضتها الدفاعات الجوية داخل المجال الجوي الأردني، وهو ما ينفي الروايات التي تحدثت عن إسقاطها من قبل اسرائيل.
وترى عمّان، وفق المصادر، أن نشاط هذه الفصائل لا يخضع بالضرورة لإيقاع التهدئة الإقليمية أو اتفاقات وقف إطلاق النار، إذ ما تزال تحتفظ بقدرات تمكّنها من تنفيذ هجمات عابرة للحدود تهدد أمن الأردن وعدد من الدول العربية.
وفي المقابل، تؤكد المصادر أن عدم تسمية العراق كمصدر للمسيّرات لا يعني تحميل الدولة العراقية المسؤولية، إذ تميّز عمّان بين نشاط الفصائل المسلحة وموقف بغداد الرسمي، التي سبق أن أدانت حوادث مماثلة وفتحت تحقيقات بشأنها.
كما تنظر المملكة بإيجابية إلى الجهود العراقية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، باعتبارها مسارا يخدم استقرار العراق ويعزز أمن الإقليم، دون أن يحول ذلك دون استمرار التعاطي الأمني الحازم مع أي تهديد ينطلق من أراضيه.
ويرى اللواء الأردني الطيار المتقاعد مأمون أبو نوار أن المؤسسة العسكرية تمتلك الإمكانات الفنية الكفيلة بتحديد مصدر أي مسيّرة تُسقط داخل الأجواء الأردنية، حتى وإن لم يُعلن ذلك للرأي العام.
ويقول للجزيرة نت إن حطام المسيّرات لا يمثل مجرد بقايا لهدف جوي، بل يشكل مادة تحقيق فنية متكاملة، إذ تحتوي هذه الطائرات على أنظمة ملاحة وتوجيه وشرائح إلكترونية وبيانات رقمية وإحداثيات مخزنة، تمكّن الخبراء من تتبع مسارها وتحديد نقطة انطلاقها ونوعها، وصولا إلى الجهة المصنعة أو المشغلة لها.
ويعتبر أبو نوار أن إحجام عمّان عن إعلان مصدر المسيّرات لا ينبغي تفسيره على أنه نقص في المعلومات، بل هو قرار تحكمه اعتبارات سياسية ودبلوماسية، توازن بين متطلبات حماية السيادة والحفاظ على العلاقات مع بغداد، دون أن يؤثر ذلك في الجاهزية العسكرية أو قواعد الاشتباك.
ويؤكد أن الفصائل التي تطلق هذه المسيّرات لم تنجح في تحقيق أهدافها، نظرا لقدرة القوات المسلحة الأردنية على رصد معظم التهديدات الجوية واعتراضها، مشيرا إلى أن نسبة النجاح في إسقاط الأهداف الجوية تصل إلى نحو 85%، بما يعكس كفاءة منظومات القيادة والسيطرة والدفاع الجوي.
ويضيف أن القيادة العسكرية تحدد وسيلة الاعتراض وفق طبيعة التهديد، سواء باستخدام الطائرات المقاتلة أو المروحيات المتخصصة أو منظومات الدفاع الجوي، مؤكدا أن الأردن نجح، رغم محدودية موارده، في بناء منظومة دفاعية متقدمة للتعامل مع المسيّرات والصواريخ، بما يعزز حماية المجال الجوي ويحد من المخاطر على المدنيين.
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي الأردني ماهر أبو طير أن إطلاق المسيّرات من شرق العراق ليس تطورا جديدا، بل يأتي ضمن نمط متكرر من التهديدات التي واجهها الأردن منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويقول للجزيرة نت إن المملكة شهدت خلال تلك الفترة محاولات احتشاد لفصائل عراقية قرب الحدود، إلى جانب إطلاق صواريخ ومسيّرات من المناطق نفسها، ما يجعل الحوادث الأخيرة امتدادا لمسار قائم، أكثر من كونها حدثا معزولا.
ويعتبر أن استمرار استخدام شرق العراق منصة لإطلاق المسيّرات يبرز الحاجة إلى إجراءات تحول دون استغلال تلك المناطق في تهديد أمن دول الجوار، مرجحا أن تعكس التطورات الأخيرة تحولا في أدوار الفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحيث تتراجع المواجهة المباشرة لصالح تحركات عبر ساحات إقليمية أخرى، من بينها العراق واليمن.
ويرى أبو طير أن هذه التطورات تتزامن مع مساع عراقية لحصر السلاح بيد الدولة، ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارا لقدرة بغداد على المضي في هذا المسار.
ويخلص إلى أن المؤشرات الحالية تنذر بتزايد التحديات الأمنية على الجبهة الشرقية للأردن، في ظل استمرار نشاط الفصائل المسلحة، وهو ما يفرض على المملكة الحفاظ على مستوى مرتفع من الجاهزية الأمنية والعسكرية، بالتوازي مع مقاربتها القائمة على الفصل بين علاقاتها الرسمية مع بغداد والتهديدات التي تمثلها الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة