اهتمت وسائل الإعلام الروسية والصينية بتغطية الذكرى السنوية الـ25 لمعاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين روسيا والصين، معتبرة أنها ما تزال بعد ربع قرن، متقدمة وعلمية ومرتبطة بمتطلبات العصر.
ورأت وسائل الإعلام في البلدين أن هذه الوثيقة أرست الأساس القانوني للنموذج الحديث للعلاقات الثنائية، وركزت على أنها تقوم على مبادئ عدم الانحياز وعدم المواجهة وعدم التوجه ضد دول ثالثة.
وفي الوقت الذي ركزت فيه الصحف الروسية على مقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بهذه المناسبة، اهتمت الصحف الصينية بآثار زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة للصين.
وكتب لافروف مقالا في صحيفة كوميرسانت قال فيه إن "الشراكة بين هاتين القوتين العظميين تعد نموذجا للتواصل بين الدول قائما على المنفعة المتبادلة والمساواة".
وأكد لافروف أن "هذا يؤكد بوضوح حقيقة بسيطة تقول إن تقاليد الصداقة وحسن الجوار التي تجمعنا لها قيمة راسخة، وهي خالية من أي اعتبارات انتهازية، وتمليها المصالح الوطنية المشتركة لبلدينا وشعبينا".
ونقل موقع "تسارغراد" عن السفير الروسي في الصين إيغور مورغولوف قوله إن "روسيا والصين تقدمان حاليا على الساحة العالمية نموذجا مثاليا للتعاون بين قوتين عظيمتين متجاورتين. ويتماشى التطور المستدام للعلاقات الروسية الصينية تماما مع المصالح الأساسية لكلا البلدين، وأهداف التنمية الوطنية الشاملة، ويساهم في تشكيل نظام عالمي عادل ومتعدد الأقطاب".
ومع ذلك شكلت هذه المناسبة فرصة لتقييم التباين بين التجربتين الروسية والصينية من حيث الإصلاحات، ولم تخلُ من بعض الإشارات السلبية إلى الفارق بينهما.
ففي مقال على موقع "موسكوفسكايا غازيتا" ، قال الأكاديمي رومان سينيتسين أن روسيا أمضت عقودا في تصحيح الأخطاء الاقتصادية التي ارتكبت في بداية البيريسترويكا، وعندما كانت تزيل النظام القديم كان الناتج المحلي الإجمالي حوالي 570 مليار دولار، في حين وصلت الصين وقتها بإصلاحاتها إلى 360 مليار دولار.
ولكن اليوم يقترب الاقتصاد الصيني من 20 تريليون دولار، في حين تقف روسيا عند حوالي 2 تريليون دولار، مما يعني أن الفجوة التي تبلغ عشرة أضعاف ليست مجرد اختلاف في معدلات النمو، بل هي بمثابة حكم بالإعدام على المنهج الذي اخترناه قبل 35 عاما، على حد وصف الكاتب.
ويبين الكاتب أن الفرق يكمن في أن روسيا حررت الاقتصاد وخصخصته وغيرت النظام السياسي، في حين قام الصينيون بتنمية القطاع الخاص جنبا إلى جنب مع الدولة، دون هدم الإطار القديم حتى ترسخ الإطار الجديد.
بدوره وصف الخبير في النزاعات الدولية دميتري كيم العلاقات الروسية الصينية بأنها قوية بشكل غير مسبوق ومستقرة إستراتيجيا ونموذج للتفاعل بين قوى عظمى دون المساس بالسيادة.
وأوضح كيم -في تعليق للجزيرة نت- أن المواجهة الشديدة طويلة الأمد بين موسكو وبكين من جهة، والغرب من جهة أخرى، قد حولت العلاقات إلى تحالف إستراتيجي عميق.
علاوة على ذلك، يؤكد كيم أهمية دور الصين في تحييد العقوبات الغربية على روسيا، حيث أصبحت الشريك التجاري الرئيسي لروسيا، ووفرت لها مبيعات مستقرة من موارد الطاقة والمواد الخام وواردات واسعة النطاق من المعدات والإلكترونيات وغيرها.
من جانبه، لفت الخبير الاقتصادي أندريه زايتسيف إلى وجود مخاوف تتعلق باعتماد روسيا المتزايد على السوق الصينية واليوان، مما قد يخلق اختلالا في ميزان القوى لصالح بكين.
وأشار -في تعليق للجزيرة نت- إلى الصعوبات الهيكلية والمالية التي تواجهها البنوك الصينية الكبرى عندما تحد أو تؤخر التسويات مع نظرائها الروس خوفا من عقوبات ثانوية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وخلص الخبير إلى أننا إذا قسنا القدرة على مواجهة المستقبل وابتكار التقنيات التي يحتاجها العالم، فإن روسيا خسرت أمام الصين، ليس في أرقام الناتج المحلي الإجمالي، بل في عامل الوقت.
أما التقارير الصحفية الصينية فرأت أن زيارة بوتين الأخيرة لبكين قدمت سياقا رمزيا واضحا يتعلق بهذه الذكرى، وكانت محطة دبلوماسية ضرورية لتجديد المعاهدة التي تراها بكين أساسا قانونيا وسياسيا لشراكة إستراتيجية ناضجة في عالم شديد الاضطراب.
وخلال محادثات الرئيسين في قاعة الشعب الكبرى، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الروسي الاتفاق على تمديد المعاهدة، مؤكدين على أنها ما تزال بعد ربع قرن، متقدمة وعلمية ومرتبطة بمتطلبات العصر.
وحسب وكالة الأنباء الصينية "شينخوا"، شدد الرئيس الصيني على أن "المعاهدة التي وقعت قبل 25 عاما أسست إطارا قانونيا طويل الأمد لعلاقات حسن الجوار والصداقة والتنسيق الإستراتيجي الشامل بين الصين وروسيا"، وأن الصين "تدعم تمديدها وستعمل مع روسيا على الالتزام بروحها والمضي قدما في التنسيق الإستراتيجي جنبا إلى جنب مع روسيا.
وتمثل هذه المعاهدة والبيانات المشتركة اللاحقة -من منظور صيني- إطارا قانونيا وقيميا لعلاقة غير تحالفية بالمعنى العسكري، وغير موجهة ضد طرف ثالث، لكنها في الوقت نفسه علاقة تقوم على احترام القانون الدولي، وتأكيد تعددية الأقطاب، ورفض منطق الأحلاف الأيديولوجية.
وفي هذا السياق يقول المحلل في الجغرافيا السياسية والباحث في مركز الحوكمة الدولية إينار تانجن، "إن معاهدة الصداقة الموقعة عام 2001 لم تكن رد فعل على أزمة معينة، بل هي اختيار واعٍ لتفضيل البراغماتية على الصدام بين قوتين عظميين تتقاسمان حدودا طويلة، مما أفرز إطارا مستداما للتعاون السياسي والاقتصادي والعلمي والأمني تجاوز التوقعات الأولى للمعاهدة".
مبادئ المعاهدة المتمثلة في احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم التحالف العسكري وعدم استهداف طرف ثالث، قد اجتازت اختبار الزمن
بواسطة شينخوا
وربطت صحيفة تشاينا ديلي بين هذه المعاهدة وبين نموذج تعاون صيني روسي لا يقوم على التحالفات ولا المواجهة الفكرية، بل على احترام تنوع الحضارات، ودعم دول الجنوب العالمي في الحوكمة الدولية، والتزام الحوار والمساواة السيادية كبديل عن الإكراه القيمي وسياسة فرض الأمر الواقع.
وخلال زيارة بوتين لبكين في مايو/أيار 2026، وقع زعيما البلدين بيانا مشتركا شاملا بعنوان "بيان حول تعزيز التنسيق الإستراتيجي الشامل وتعميق علاقات حسن الجوار والصداقة"، حدّد أولويات التعاون في الاقتصاد والطاقة والنقل والعلوم والتكنولوجيا، وغيرها من المجالات.
وأكد البيان الذي نشرته وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" أن مبادئ المعاهدة المتمثلة في احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم التحالف العسكري وعدم استهداف طرف ثالث، قد اجتازت اختبار الزمن، وأن العلاقات بين البلدين باتت بشكل لا يمكن أن يتأثر بأي عوامل خارجية.
وفتح تمديد المعاهدة الباب اقتصاديا، أمام ترقية التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي، وهو ما وصفه الإعلام الصيني بأنه جزء من مواءمة مبادرة "الحزام والطريق" مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ورؤية "الشراكة الكبرى في أوراسيا"، من خلال مشاريع الربط اللوجستي وتسهيل الجمارك والاستثمار، خاصة مع استضافة الصين لقمة آبيك 2026.
ولتفسير هذا الجانب، يقول الخبير إينار إن "هذه المعاهدة أصبحت أحد أعمدة هندسة أوراسية جديدة عبر منظمة شنغهاي، والبريكس+، ومبادرة الحزام والطريق، بما يؤسس لمنظومات بديلة لا تلغي المؤسسات الغربية، بل توسّع خيارات الدول الأخرى".
ويضيف الخبير أن "دول الجنوب العالمي باتت تسعى إلى استقلالية إستراتيجية، واستثمارات بلا شروط سياسية، وتعدد مراكز القوة، وأن المحور الصيني الروسي يغذي هذا التحول نحو عالم متعدد الأقطاب".
أما في البعد الأمني والسياسي، فتمتد آثار المعاهدة إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي والجنوب العالمي، إذ تؤكد بكين أن التعاون الأمني مع موسكو، بما في ذلك المناورات البحرية المشتركة، لا يستهدف أي طرف ثالث، بل يعكس الدفاع عن مفهوم "الأمن غير القابل للتجزئة"، ورفض سياسات الكتل، والسعي لبناء هيكل أمني قائم على الحوار المتكافئ والاحترام المتبادل.
كما تمنح المعاهدة حسب الخبير- بعدا حضاريا للشراكة بين البلدين، فالصين تقدّم علاقتها مع روسيا كجزء من "حوار الحضارات" في مواجهة نزعات "تعميم النموذج الواحد"، مؤكدة أن لكل دولة حقا سياديا في اختيار طريقها التنموي وفق تاريخها وثقافتها وظروفها الوطنية.
وفي هذا الإطار يشدد الدكتور وانغ بنغ من معهد حوكمة الدولة التابع لجامعة هواجونغ للعلوم والتكنولوجيا على أن "الأهمية الدولية لهذه المعاهدة تكمن في تقديم نموذج مغاير لتحالفات الحرب الباردة".
وذلك لأن هذه المعاهدة -حسب الدكتور- تقوم على عدم الاستهداف وعدم الإضرار بالغير، مع دعم النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة، وتغليب الحوار والتنمية المشتركة، علاوة على أنها تحمل دلالات خاصة لدول الشرق الأوسط والجنوب العالمي عبر تأكيد مبدأ السيادة ورفض الهيمنة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة