يعيش لبنان واحدة من أكثر لحظاته حساسية. غضبٌ شعبي من المكوّن الشيعي ضد الاتفاق الإطاري مع إسرائيل، ودعوات متصاعدة للتظاهر يحاول الجيش وأدها في مهدها، حفاظًا على السلم في بلد يعرف جيدًا ثمن الانزلاق إلى الداخل.
وفي المشهد السياسي، تتكاثف حملات التخوين ضد الرئيس جوزاف عون، مع قطيعة معلنة بين عين التينة وقصر بعبدا، وسط انتقادات تنهال من كل حدب وصوب.
لكن الأكثر إثارة للقلق هو استحضار " شبح 17 أيار " الذي يخيم على الأجواء، كقمقم جائع خرج من جحره، مذكّراً بمصير اتفاق 1983 الذي أطاح بالرئيس بشير الجميل وأغرق البلاد في حرب أهلية طاحنة.
وفي خضمّ هذا التوتّر، تتصاعد الأنباء عن ضغوط يمارسها الرئيس عون على قائد الجيش العماد رودولف هيكل لإجباره على الاستقالة. وإذا صحّت هذه المعلومات، فقد يدخل بلد الأرز مرحلة دقيقة، إذ يُنظر إلى هيكل بصفته الضامن الوحيد لعدم انفجار البلد داخلياً.
وجاء ذلك بعدما اتّهم النائب السابق عن حزب الله ، نواف الموسوي، الرئيس عون بالسعي إلى حرب أهلية، واصفاً إياه بـ"محدود الأفق، لا يفهم السياسة، يطلب من هيكل الاستقالة فيرفض"، مهدّداً: "إذا قبضاي، تفضّل إنفي".
ولم يصدر عن قصر بعبدا أو قيادة الجيش أي نفي رسمي حتى الآن.
ويقف هيكل، الذي تولّى سابقًا قيادة قطاع جنوب الليطاني- أحد أكثر المناصب حساسية في البلاد- في موقع عصيب. فهو ليس الشخصية الأكثر قبولًا لدى واشنطن، غير أنه يحتفظ بعلاقة ثقة مع نبيه بري وحزب الله، ما يجعله قناة تواصل فريدة في الداخل.
وكانت واشنطن قد أعربت في مناسبات سابقة عن تحفظاتها على أدائه، لا سيما في ما يتعلق بتنفيذ خطة "حصر السلاح بيد الدولة" عقب اتفاق 2024.
وشملت هذه التحفظات إجراءات عملية، أبرزها إلغاء زيارات رسمية كانت مقررة له. كما أن السيناتور ليندسي غراهام أنهى لقاءً مع هيكل بشكل مفاجئ، بعد أن سأله عمّا إذا كان يعتبر حزب الله منظمة إرهابية، فردّ هيكل: "لا، ليس في سياق الوضع اللبناني".
وحتى الآن يسعى الجيش إلى تجنّب أي مواجهة مع الحزب، خشية إراقة الدماء اللبنانية، وتفادياً لانشقاقات محتملة داخل المؤسسة العسكرية ذاتها، إذ قد يرفض بعض الضباط والجنود حمل السلاح في وجه الحزب، ممّا قد يسقط آخر ركيزة صامدة للدولة، ويدفع البلاد نحو فوضى وخراب.
وتتفاقم الأوضاع في ظل حسابات أمنية دقيقة، تجعل لبنان شبه محاصر: إسرائيل في الجنوب، و سوريا في الشمال والشرق، التي كشف الرئيس ترامب أنّه طلب منها التدخل.
ووصف بري قائد الجيش بـ"العاقل"، في رسالة ضمنية تفيد بأن هيكل لن ينفّذ بنود الاتفاق التي تربط نزع سلاح الحزب بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.
وحول أنباء إقالة هيكل، علّق بري قائلاً: "لا يمزحنّ أحد هذه المزحة، ولا يلعبنّ أحد بالجيش"، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية "خط أحمر، وركن أساسي من أركان الاستقرار الوطني، والضمانة الحقيقية للسلم الأهلي". وأضاف أن أي عبث بالجيش هو عبث بمستقبل لبنان نفسه.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة