في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يبلغ دونالد ترمب، اليوم الأحد، عامه الثمانين، لكن الرئيس الأمريكي اختار أن يستقبل هذا الرقم لا باحتفال عائلي هادئ، بل بنزال للفنون القتالية المختلطة على الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، في حدث تقول مجلة نيوزويك إنه غير مسبوق بهذا الشكل داخل المقر الرئاسي، وإن قُدّم رسميا باعتباره جزءا من احتفالات الذكرى الـ250 للاستقلال الأمريكي.
وبحسب المجلة، يحمل الحدث اسم "يو إف سي فريدوم 250″، ويتزامن مع عيد ميلاد ترمب ويوم العلم الأمريكي. وفي حين قدّمه البيت الأبيض بوصفه "ليلة من أكثر الليالي إمتاعا في التاريخ الأمريكي"، فإن توقيته ومكانه دفعا الصحافة الأمريكية والبريطانية إلى سؤال أوسع عما إذا كان العمر، الذي استُخدم طويلا ضد الرئيس السابق جو بايدن، قد بات أحد أخطر مواطن الضعف في ولاية ترمب الثانية.
غير أن المسألة، كما تقول نيوزويك، لم تعد رقما في شهادة الميلاد، بل قضية سياسية تتصل بالشفافية الصحية، والظهور العام، وسوابق ترمب نفسه في تحويل سن بايدن وقدرته الذهنية إلى سلاح انتخابي.
تقول صحيفة وول ستريت جورنال إن مستشاري ترمب اختاروا إستراتيجية معاكسة لما فعله فريق بايدن في أواخر عهده. فبدل تقليل الظهور، جعلوا الرئيس حاضرا في كل مكان.
فهو يعقد جلسات مطولة في المكتب البيضاوي، ويرد على مكالمات الصحفيين، ويكثر من النشر على منصته الاجتماعية في ساعات متأخرة من الليل.
وقد تمنح هذه الكثافة البيت الأبيض مادة لإثبات الحيوية، لكنها تكشف في الوقت نفسه ما تسميه الصحيفة الوجهين المتلازمين لرئيس مسن.
فمن جهة، لا يزال ترمب قادرا على صناعة العناوين والاشتباك الحاد مع الصحفيين. ومن جهة أخرى، تلاحقه الكاميرات عند كدمات اليدين، وانحناء الظهر، وزلات اللسان، والخلط بين أسماء وأماكن وأزمات، من غرينلاند وأيسلندا إلى تسمية مضيق هرمز "مضيق إيران".
وفي مجلة أتلانتيك ، يفسر جوناثان ليمير سبب عدم تعرض ترمب حتى الآن للمستوى نفسه من التدقيق الذي لاحق بايدن. فترمب، برأيه، لا يذوي بالطريقة نفسها؛ إنه رجل ضخم، جهوري الصوت، بارع في احتلال الشاشة، بخلاف بايدن الذي بدا في سنواته الأخيرة أكثر نحولا وخفوتا.
لكن المجلة ترى أن هذا الحضور قد يحجب سؤالا أكثر إرباكا. فهل يعني الظهور الدائم أن الرئيس لم يتغير، أم أنه يجعل تغيره أقل وضوحا؟
في المقابل، تدفع الصحافة المحافظة باتجاه رواية مختلفة. فقد نقلت نيويورك بوست عن جمهوريين بارزين، بينهم تيد كروز ونيوت غينغريتش، أن ترمب "يتحدى العمر" ويحتفظ بطاقة استثنائية، حتى إن السيناتور جون كينيدي قال إن الرئيس يتصل به أحيانا في الثانية صباحا.
وتستند هذه الرواية إلى جدول مزدحم، وإلى تصريحات البيت الأبيض التي تصف ترمب بأنه "أكثر الرؤساء حدة وإتاحة وطاقة".
لكن الصحف البريطانية تركز على ما لا تجيب عنه تلك الصورة. فصحيفة التلغراف تشير إلى أن ترمب خضع في مايو/أيار لفحص طبي شارك فيه 22 اختصاصيا، وأن البيت الأبيض يقول إن صحته "ممتازة"، لكنه لا يقدّم سجلا طبيا كاملا، إذ لا يلزم القانون الأمريكي الرؤساء بنشر تفاصيل صحتهم كاملة.
وتذكّر الصحيفة بتاريخ سابق من المبالغة في تقارير ترمب الطبية، بينها رسالة طبيبه السابق هارولد بورنستين عام 2015، التي قال لاحقا إن ترمب أملى معظمها بنفسه.
أما إندبندنت فتنقل عن أطباء وخبراء في الشيخوخة أن القلق لا يتعلق أساسا بالكدمات أو تورم الساقين، وهي أعراض قد تكون مألوفة مع التقدم في السن، بل بالسلوك الرئاسي نفسه، من الاندفاع والغضب والسهر إلى الخطابات المتشعبة والعداء المستمر للخصوم.
ويشدد هؤلاء على أنهم لا يقدمون تشخيصا عن بُعد، لكنهم يرون أن اختبارا قصيرا مثل تقييم مونتريال الإدراكي ، الذي يقول البيت الأبيض إن ترمب حصل فيه على الدرجة الكاملة، لا يكفي وحده لطمأنة الجمهور إذا كانت المخاوف تتجاوز الذاكرة إلى الحكم والانضباط.
لا يستطيع ترمب فصل هذا النقاش عن بايدن. فقد جعل من "سليبي جو" أو "جو النعسان" عنوانا ساخرا لحملة سياسية كاملة، قبل أن يخرج بايدن من سباق 2024 بعد مناظرة عمّقت الشكوك في قدرته على الاستمرار.
لذلك يرد البيت الأبيض اليوم بأن الديمقراطيين لا يملكون مصداقية في مساءلة ترمب بعدما دافعوا طويلا عن بايدن.
لكن هذا الرد لا يغلق الملف. فبحسب نيوزويك، يرى باحثون في السياسة الرئاسية أن هجوم ترمب المتكرر على عمر بايدن رفع حساسية الناخبين تجاه سن الرؤساء عموما، وجعل السؤال يرتد عليه بعد عودته إلى البيت الأبيض.
أما غارديان فتذهب أبعد، ناقلة عن منتقدين أن المشكلة ليست في العمر وحده، بل في اجتماعه مع شخصية سياسية تميل أصلا إلى الاندفاع والتصعيد.
وتدعم الاستطلاعات هذا التحول. فقد وجدت غالوب في عام 2024 أن 63% من الأمريكيين قد يصوتون لمرشح فوق السبعين، لكن 31% فقط قالوا ذلك عن مرشح فوق الثمانين.
ووجد مركز بيو في عام 2023 أن نحو نصف الأمريكيين يفضلون رئيسا في الخمسينيات، مقابل 3% فقط يرون أن العمر الأنسب هو السبعينيات أو ما بعدها.
ومع ترمب تحديدا، أظهر استطلاع رويترز/إبسوس في فبراير/شباط أن 61% يعتقدون أنه أصبح أكثر اضطرابا مع التقدم في السن، بينما نقلت نيوزويك عن يوغوف (YouGov) أن 49% يرونه أكبر من أن يكون رئيسا.
لذلك يبدو نزال البيت الأبيض أكثر من احتفال غريب بعيد ميلاد رئيس دولة، فهو محاولة سياسية لصياغة معنى مضاد للثمانين، لا شيخوخة بل قتال، ولا تراجعا بل عرض قوة، ولا سؤالا عن الصحة بل ضجيجا على أرض البيت الأبيض.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة