قبل أيام قليلة من احتفال الولايات المتحدة بعيد الأم، تحولت ولادة طفلة المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إلى حدث إنساني واسع التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن أعلنت رسميا استقبال مولودتها الجديدة "فيفيانا" في الأول من مايو/أيار 2026، مؤكدة أنها ستأخذ إجازة أمومة مؤقتة من مهامها داخل الإدارة الأمريكية.
ونشرت ليفيت عبر حسابها الرسمي على منصة "إكس" و"انستغرام" صورة ظهرت فيها وهي تحتضن طفلتها الجديدة إلى جانب ابنها الأكبر "نيكو"، وكتبت أن "قلوب العائلة انفجرت حبا" مع وصول "فيفي"، مضيفة أن الطفلة "بصحة جيدة ومثالية"، وأن شقيقها الأكبر يتأقلم بسعادة مع وجودها داخل الأسرة، كما شكرت كل من أرسل لها الدعوات خلال فترة الحمل، مختتمة رسالتها بعبارة "الله طيب".
وجاءت الولادة قبل أيام فقط من "عيد الأم" في الولايات المتحدة، الذي صادف الأحد 10 مايو/أيار 2026، ما أضفى على الحدث بعدا عاطفيا داخل الإعلام الأمريكي.
وجرى تداول صور ليفيت باعتبارها نموذجا للأم الشابة التي تحاول التوفيق بين مسؤولياتها السياسية الثقيلة وحياتها العائلية.
وتفاعلت شخصيات سياسية وإعلامية أمريكية مع الخبر، فيما امتلأت منصات التواصل برسائل التهنئة والدعوات، خاصة أن ليفيت تعد أصغر متحدثة باسم البيت الأبيض في التاريخ الأمريكي الحديث، وواحدة من أبرز الوجوه الإعلامية الصاعدة داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
لكن هذا المشهد لم يبق بعيدا عن أجواء الحرب والسجال السياسي المرتبط بالصراع الأمريكي الإيراني المشتعل.
فبالتزامن مع احتفاء الإعلام الأمريكي بولادة "فيفيانا"، أعادت حسابات دبلوماسية إيرانية رسمية فتح ملف مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية، التي تعرضت في 28 فبراير/شباط 2026 لقصف صاروخي أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 165 طفلة، وفق الرواية الإيرانية.
وتحول التناقض بين "ولادة طفلة في واشنطن" و"مقتل طفلات في ميناب" إلى محور حملة إعلامية إيرانية منسقة على منصة "إكس"، قادتها سفارات وقنصليات إيرانية في عدة دول، مستغلة رمزية عيد الأم الأمريكي، وظهور ليفيت كأم تحتفل بمولودتها الجديدة.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد نشرت في مارس/آذار 2026 تفاصيل تحقيق أولي أشار إلى أن القصف الذي استهدف مدرسة ميناب وقع نتيجة "خطأ استخباراتي"، بعدما اعتمدت القيادة المركزية الأمريكية على إحداثيات قديمة كانت تصنف الموقع كمنشأة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، بينما كان المبنى قد تحول إلى مدرسة منذ سنوات.
هذا الاعتراف الجزئي فتح الباب أمام حملة انتقادات دولية، خاصة مع تداول صور أطفال المدرسة والحديث عن "فشل استخباراتي قاتل".
وفي ذروة الاحتفال الأمريكي بعيد الأم، أعادت السفارات الإيرانية استحضار تلك الحادثة، لكن هذه المرة من خلال ربطها مباشرة بالمتحدثة باسم البيت الأبيض.
وكتبت السفارة الإيرانية في بريطانيا عبر حسابها الرسمي على "إكس"، "بينما تحتفلون بولادة أطفالكم، أنتم تقصفون الأطفال في غزة ولبنان وإيران"، وأضاف المنشور أن "هذه الطفلة البريئة كانت واحدة من مئات الأطفال الذين قتلوا في اليوم الأول من هجومكم غير القانوني على إيران".
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، نشرت سفارة إيران رسالة موجهة مباشرة إلى ليفيت، قالت فيها بالفرنسية "نهنئك بولادة طفلتك، الأطفال أبرياء ولطيفون"، وجاءت الصياغة هادئة ظاهريا، لكنها حملت تلميحا سياسيا واضحا حول براءة الأطفال الذين قتلوا في ميناب.
أما الحساب الرسمي للسفارة الإيرانية في نيكاراغوا، فاختار خطابا أكثر حدة، إذ كتب "بقدر ما أن شعور الأمومة حلو، فإن شعور فقدان طفل مدمر ومؤلم"، ثم أشار المنشور إلى "168 طفلا من مدرسة ميناب قتلوا بصاروخ توماهوك أمريكي"، واتهم ليفيت بأنها "بررت ذلك بتهور".
وفي أفغانستان، ذهبت القنصلية الإيرانية في مدينة مزار شريف إلى مستوى أكثر تصعيدا، إذ نشرت رسالة قالت فيها إن "فيفيانا ستكتشف يوما من تكون والدتها حقا، وستشعر بالخجل عندما تعلم بتورط والدتها في مذبحة أطفال إيران وميناب"، مضيفة أن "كلمة أم مقدسة، وليس الجميع جديرا بها".
في المقابل، اختارت السفارة الإيرانية في براغ مقاربة أكثر عاطفية ورمزية، حيث نشرت نصا باللغتين التشيكية والإنجليزية يصور معلمة تنادي أسماء طالبات ميناب "واحدة تلو الأخرى"، في إشارة إلى الغياب الأبدي للفتيات اللواتي قتلن في القصف.
وجاء في المنشور أن "ضحكات الطفلات ما تزال عالقة على الجدران"، وأنهن "كان يجب أن يكن اليوم داخل الصفوف الدراسية لا مجرد أسماء يجري تذكرها بصمت"
أما السفارة الإيرانية في المجر، فاكتفت بصورة وتعليق مقتضب كتب فيه "من دون أي تفسير" مرفقا بوسمي "طلاب ميناب" و"كارولين ليفيت"، في إشارة إلى ما تصفه طهران بغياب المحاسبة الأمريكية عن الحادثة.
وفي أرمينيا، نشرت السفارة الإيرانية رسالة مباشرة إلى "ليفيت" قالت فيها "تهانينا لك، الأطفال أبرياء ولطيفون، هؤلاء الأطفال الـ168 الذين قتلهم رئيسك في مدرسة ميناب، والذين قمت بتبرير مقتلهم، كانوا أيضا أطفالا، وأضاف المنشور"عندما تقبلين طفلتك، فكري في أمهات هؤلاء الأطفال".
أما السفارة الإيرانية في جنوب أفريقيا، فاختارت خطابا أكثر هجومية، إذ كتبت أن طفلة ليفيت "عندما تكبر وتقرأ التاريخ ستشعر بالخجل لأنها خدمت واحدة من أكثر الحكومات المكروهة في التاريخ"، وأضاف المنشور أن "يديها ملطختان بدماء العديد من الأطفال الأبرياء مثل أطفال ميناب".
وبدا واضحا أن الدبلوماسية الإيرانية حاولت استثمار التوقيت بعناية، عبر بناء مقارنة بصرية وعاطفية بين صورتين متناقضتين، الأولى لمتحدثة البيت الأبيض تحتفل بطفلتها الجديدة وسط أجواء عيد الأم، والثانية لأمهات إيرانيات فقدن بناتهن في قصف أمريكي.
هذا التوظيف السياسي للمشاعر الإنسانية أعاد إلى الواجهة نقاشا واسعا حول "الأخلاقية الانتقائية" في الحروب الحديثة، خاصة عندما تتحول صور الأطفال والأمهات إلى أدوات ضمن معارك الرواية الإعلامية.
وبين صورة "فيفيانا" التي تحولت إلى رمز للأمومة داخل الإعلام الأمريكي، وصور فتيات ميناب اللواتي تحولت أسماؤهن إلى وسوم سياسية تتداولها الحسابات الإيرانية، بدا أن الحرب بين واشنطن وطهران لم تعد تدار فقط بالصواريخ والبيانات العسكرية، بل أيضا عبر معارك الرموز الإنسانية والذاكرة العاطفية على منصات التواصل الاجتماعي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة