لعل من أكثر العبارات التي رددتها الدبلوماسية الإسبانية منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، هي تلك التي تؤكد أن الحكومة الاشتراكية، برئاسة بيدرو سانشيز، تقف في "الجانب الصحيح من التاريخ".
ففي الوقت الذي يبدو فيه أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد نسقا جهودهما لنسف النظام الدولي، واللجوء إلى القوة الغاشمة في محاولة لفرض هيمنتهما على الصعيدين الدولي والإقليمي على التوالي؛ رفع سانشيز صوته عاليا للدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، منددا بازدواجية المعايير التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي إزاء الحروب الدائرة في أوكرانيا، وغزة، وإيران، ولبنان.
موقف إسباني يتحدى الصمت والتواطؤ
وفي حين تعتبر ألمانيا أن الدعم غير المشروط لإسرائيل ولمشروعها الاستعماري هو "مسألة أمن قومي" (مسألة دولة عليا)، وتفضل دول أخرى الركون إلى صمت متواطئ إزاء الإبادة الجماعية في غزة، أو العدوان السافر على إيران، ولبنان؛ تميزت إسبانيا بإدانتها القوية والعلنية للحروب الإجرامية التي يشنها ترمب ونتنياهو في منطقة الشرق الأوسط.
وينسجم هذا الموقف تماما مع المبادئ الراسخة للسياسة الخارجية الإسبانية تجاه المنطقة؛ وهي السياسة التي تطالب بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار الإقليميين.
وأمام جرائم الحرب والانتهاكات ضد الإنسانية المتكررة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي، طالبت الحكومة الإسبانية بتعليق اتفاقية الشراكة المبرمة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي. بل وذهبت مدريد إلى أبعد من ذلك بمطالبتها الصريحة بفرض عقوبات على الدولة العبرية.
وفي هذا السياق، أقر رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، دومينيك دو فيلبان، في مناسبات عدة بأن "إسبانيا، وليست فرنسا، هي من تنقذ شرف أوروبا في الشرق الأوسط".
وقد ثمن دو فيلبان إيجابيا الدور الذي تلعبه الحكومة الإسبانية، التي غردت خارج السرب وسارت عكس التيار السائد في الموقف الأوروبي، مما جلب عليها في كثير من الأحيان انتقادات لاذعة من قبل برلين، وباريس.
"لا للحرب".. عودة لشعار تاريخي
في هذا السياق تحديدا، يجب أن ننظر إلى شعار "لا للحرب" الذي أطلقه سانشيز في أعقاب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وكذلك المذابح الوحشية التي ترتكب في لبنان.
وقد استعاد سانشيز شعار "لا للحرب"، وهو الشعار الذي اكتسب شعبية جارفة في عام 2003 إبان الاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة التي اجتاحت إسبانيا رفضا للغزو الأمريكي للعراق، والذي حظي آنذاك بدعم الحكومة اليمينية برئاسة خوسيه ماريا أزنار، الحليف الوثيق لجورج بوش الابن، وتوني بلير.
وفي مواجهة الدعم غير المشروط الذي يقدمه "الحزب الشعبي" وحزب "فوكس" اليمينيان المتطرفان للولايات المتحدة وإسرائيل، أدان "الحزب الاشتراكي" الحاكم التدخل العسكري الأمريكي الإسرائيلي.
ويرى الحزب أن هذا التدخل لا يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي فحسب، بل يزرع بذور الفوضى والدمار في المنطقة بأسرها.
ويجب الأخذ في الحسبان هنا أنه، ووفقا لاستطلاعات رأي متعددة، فإن اثنين من كل ثلاثة إسبان يعارضان التدخل العسكري في إيران. ولعل الهزيمة الانتخابية المدوية التي مني بها فيكتور أوربان في المجر تقدم دليلا دامغا على أن الاصطفاف مع ترمب ونتنياهو بدأ يكلف أصحابه ثمنا باهظا، وأن خسائره باتت تفوق مكاسبه بكثير.
قلق بالغ إزاء لبنان والتمسك بالتعددية
تنظر الحكومة الإسبانية بقلق بالغ إلى الهجوم العسكري الذي يشن ضد حزب الله في لبنان؛ إذ تساورها شكوك قوية بأن إسرائيل تعتزم تكرار السيناريو ذاته الذي نفذته في قطاع غزة وتطبيقه على المناطق الجنوبية اللبنانية، وذلك من خلال تدمير البنية التحتية المدنية لجعل المنطقة غير صالحة للسكن، وإجبار السكان على النزوح القسري.
وإلى جانب ذلك، فإن المحاولة الإسرائيلية للسيطرة على الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني تضع حياة 670 جنديا إسبانيا- يعملون ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)- في دائرة الخطر.
لذا فإن مدريد تراقب بعين القلق والتوتر مقتل ثلاثة من قوات حفظ السلام الإندونيسية (ذات الخوذ الزرقاء)، والاعتداءات المتكررة التي تطال البعثة الدولية.
وفي مواجهة سياسة التوجه الأحادي التي ينتهجها ترمب ونتنياهو، يضع سانشيز مبدأ "التعددية" في المقام الأول. وفي مقابل "شريعة الغاب"، يدافع رئيس الوزراء الإسباني بشراسة عن تطبيق القانون الدولي. وأمام قوى الهمجية والحرب، يراهن بكل ثقله على الاستقرار والسلام.
وفي كل مناسبة، حرص وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، على توضيح أن الشرعية الدولية تسري على الجميع على قدم المساواة، وأنه لا يعقل إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا في حين يتم الوقوف مكتوفي الأيدي وبلا حراك أمام تدمير إيران، ولبنان، أو حرب الإبادة في غزة.
وفي خطوة عملية تعكس هذا التوجه، قامت إسبانيا بسحب سفيرتها في تل أبيب في الحادي عشر من مارس/آذار الماضي، كرد فعل صارم على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي. وفي المقابل، أعادت مدريد فتح سفارتها في طهران، في رسالة تسعى من خلالها إلى بث أجواء الاستقرار في العلاقات.
التكيف مع عالم متعدد الأقطاب والتوجه جنوبا
وأمام تدهور العلاقات الثنائية مع واشنطن، اختار سانشيز الرهان على تعزيز الروابط مع الصين، وهي الدولة التي أجرى زيارة إليها الأسبوع الماضي.
ويدرك رئيس الوزراء الإسباني جيدا حجم التحولات التكتونية (الجذرية) والعميقة التي يشهدها النظام الدولي، ولا يغيب عن ذهنه أن النظام أحادي القطب قد ينهار عما قريب.
وفي مواجهة المحاولات اليائسة للاتحاد الأوروبي للحفاظ على التحالف العابر للأطلسي مع واشنطن، تعمل إسبانيا بذكاء على تكييف سياساتها مع النظام متعدد الأقطاب الآخذ في البزوغ، والذي أصبح فيه "الجنوب العالمي" يلعب دورا محوريا ومتناميا. ومن هنا تنبع مساعي مدريد الحثيثة لتوثيق علاقاتها ليس فقط مع الصين، بل أيضا مع بقية دول مجموعة "بريكس".
وفي عطلة نهاية الأسبوع الماضي، دعا سانشيز إلى عقد قمة دولية تقدمية سيحظى فيها رؤساء كل من البرازيل، والمكسيك، وكولومبيا بدور بارز.
وتأتي هذه القمة في إطار محاولاته لتقديم نفسه كزعيم للجبهة التقدمية العالمية، واستعادة زمام المبادرة في مواجهة موجة اليمين المتطرف التي تجتاح القارة الأوروبية.
صوت وحيد.. هل يكفي لإحداث التغيير؟
وعند هذه النقطة، يتبادر إلى الذهن تساؤل مهم: هل يستطيع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن يلعب دورا إيجابيا في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة، على غرار ما حدث في "مؤتمر مدريد للسلام" عام 1991؟
تأتي الإجابة بالنفي للأسف؛ ذلك أن دفاعه المستميت عن القانون الدولي وتنديده القاطع بانتهاكات حقوق الإنسان قد تسببا في ابتعاده وجفوته مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ بل وصل الأمر بهاتين الأخيرتين إلى حد التهديد بفرض عقوبات على إسبانيا.
وعلى الرغم من الحضور المتنامي والبارز لسانشيز على الساحة الدولية، فإن الحقيقة المرة هي أن صوته لا يزال مجرد صرخة وحيدة تصدح في صحراء قاحلة داخل اتحاد أوروبي يزداد انغلاقا ومحافظة، ويفقد تأثيره وأهميته يوما بعد يوم على المسرح العالمي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة