في جولة على فيسبوك، صادفني مقطع من بودكاست، كان الضيف يبدو -من ثقته- خبيرا بكل شيء، كأنه النسخة البشرية من شات جي بي تي، سألته المذيعة: بماذا تنصح ربة منزل تريد أن تعمل عملا يدر عليها دخلا دون أن تغادر بيتها؟ أجابها على الفور بأن تدخل على شات جي بي تي وتطلب منه تأليف كتاب في أي مجال تحبه (نعم تحبه فقط، لا تتقنه)، ثم تذهب إلى كانفا ليصمم لها الغلاف، ثم تضع الكتاب على أمازون بسعر 5 دولارات، ثم تُنشئ صفحة باسم الكتاب على إنستغرام للترويج له، لتجني الملايين.
ونسي أن يقدم لها نصيحة أخيرة بأن تتنازل -بعد نجاحها المضمون- عن جزء من ثروتها لتوظيف مدير أعمال حتى لا تضطر -في مؤلفاتها القادمة- إلى أن تطلب بنفسها من شات جي بي تي وكانفا الكتابة والتصميم، لتتفرغ هي لحفلات التوقيع ومعارض الكتاب، هكذا بكل بساطة، لم ينصح حتى بتحرير الكتاب أو الإضافة إليه أو حتى مراجعة محتواه على الأقل من أجل الاحتياط لسؤال صحفي مفاجئ عنه، خاصة إذا كان السؤال في ظرف لا يسمح لها بالاستعانة بشات جي بي تي.
"فهل يستطيع الإنسان أن يحصل على تلك الدهشة بضغطة زر؟ وهل سيفقد الإبداع قدسيته في المستقبل؟ وهل سيظل المبدع ذلك الشخص الاستثنائي؟"
وهل سيتغير العقد الإبداعي بين الكاتب والقارئ بحيث ينص على القبول بالآلة كطرف ثالث؟ وهل ستفتر تلك العلاقة الحميمة بين القارئ والنص بصفته وسيلة للتواصل بين (قلب وعقل) و(قلب وعقل)؟ وهل سنضطر لإعادة تعريف مصطلحات مثل: الإبداع، الحس الإنساني، الخبرة، الحكمة، والأصالة، في زمن النصوص الآلية؟ وهل ستؤدي كثرة الأعمال الإبداعية المولدة بالذكاء الاصطناعي إلى فقدان الثقة في الكتاب عند القلة التي ما زالت تقرأ رغم الإلهاء؟ وما مدى أخلاقية نسبة جهد الآلة إلى إنسان لم يفعل شيئا سوى الضغط على زر؟
حملتني كل تلك الأسئلة إلى أن أسأل عددا من المهتمين بالحقل الأدبي، لأعرف إن كان يقلقهم ما يقلقني، وكيف ينظرون إلى مستقبل الأدب الذي سيتنافس فيه الإنسان مع آلة لا تنتظر الإلهام ولا تعرف حبسة الكاتب.
قبل أعوام كان مجرد الكتابة عن احتمالية استخدام الذكاء الاصطناعي في الحالة الإبداعية ضربا من الغلو والاعتداد الزائد بقدرة التكنولوجيا على إقحام نفسها في أكثر مجالات الحياة حاجة إلى البشرية الكاملة، وهو مجال الإبداع الأدبي على اختلاف أجناسه. اليوم خفتت الأصوات المستهجنة، بل كادت تتلاشى مع اكتساح تقنيات الذكاء الاصطناعي لجميع تفاصيل حياتنا بما فيها الكتابة الإبداعية.
والتساؤلات التي علينا أن نجيب عنها صادقين: هل يمكننا إقصاء الذكاء الاصطناعي عن مجال الكتابة بشكل نهائي وقاطع؟ وهل يتوجب على الهيئات الثقافية في مختلف أنحاء العالم نصب المقاصل الأدبية لأي منتج يطاله الشك بتورط يد (الكاتب الاصطناعي) في صياغته؟ أم أن هناك مقاربة ما يمكننا اعتمادها في هذا الموضوع تحفظ للإبداع أصالته وهيبته؛ ولا تحرم الكاتب في الوقت ذاته من خيرات التقدم التكنولوجي؟
"برأيي، أن الذكاء الاصطناعي أداة ذات حدين لها شرورها ولها خيرها ونعيمها، والعمدة على طريقة الاستخدام والتوظيف. النصوص المنتجة بالذكاء الاصطناعي نصوص بلاستيكية فاقدة للروح، هشة التأثير"
نعم يمكن للكاتب أن يستفيد بقدر كبير من أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد بعض الأفكار وتوسيع المعرفة بالتفاصيل وتوثيق المعلومات وغيرها من التفاصيل التي كانت تأخذ من الكاتب وقتا وجهدا للعودة إلى المراجع والمصادر والبحث، فيكون دور الذكاء الاصطناعي اختصار الوقت والجهد وتقديم فيوض من المعلومات في وقت قصير جدا، أما الاتكاء الكامل على الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص فهو مناف لفكرة الإبداع جملة وتفصيلا.
"أريد من الذكاء الاصطناعي أن يقوم بغسيل الصحون والثياب؛ لكي أتمكن أنا من الكتابة والرسم، لا أن يقوم بالكتابة والرسم وأنا أجلي الصحون وأغسل الثياب". (جوانا ماغيسيوسكا).
الكتابة في جوهرها جسر تواصل بشري بين الكاتب والقارئ، وهي نتاج قلق وتساؤل مستمر ناتج عن التجربة البشرية، لا أنكر أهمية الذكاء الاصطناعي؛ فهو كغيره من الأدوات التي نجح البشر في تطويرها لتجعل حياتنا أكثر سهولة، لكن أحد أهم التأثيرات السلبية التي يمكن أن يغفل عنها الكثيرون هو أن تأثيرات استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة ربما تمنحنا نصا سليما من ناحية اللغة، لكنه في نهاية الأمر عبارة عن استجابة للخوارزميات ولا يحمل أي نوع من أنواع التواصل البشري الحقيقي.
المشكلة ليست في التقنية بل في الاستسهال الذي يجعل الكاتب يتخلى عن دوره في خلق نص قادر على أن يعصف بالوجدان، مقابل نص جامد، سريع وقابل للتقديم والاستهلاك، وبالتأكيد أكثر عرضة للنسيان، ومن المتوقع أن استهلاك النصوص المعدة بصورة آلية يمكن أن يزيد من صعوبة قراءة النصوص الأصيلة على القارئ مما يؤثر في الذائقة.
كتبت في روايتي "لا قوس قزح في الجنة": «السكين في حد ذاته ليس خيرا ولا شرا، لكنه يصبح مشرطا في يد الجراح، أو خنجرا في يد القاتل، وبحسب ذلك يكون منتميا إلى الخير أو إلى الشر». وبالمثل، أميل إلى الاعتقاد بأن ما يُسمى بالذكاء الاصطناعي ليس سوى أداة محايدة، فبحسب طريقة استخدامنا له، يمكن أن يتسبب في أضرار بقدر ما يمكن أن يحقق منافع.
"لا أرى في هذا «الذكاء» المزعوم سوى آلة للاستنساخ والبلادة الجماعية، والفضل الوحيد هو كفاءته المذهلة في البحث التوثيقي. ستبدأ نهاية الأنثروبوسين (Anthropocene) حين نسمح لهذا البرنامج بأن يغزو ويبتلع آخر معاقل مقاومتنا: الشعر"
وفي هذا العالم الذي يُدفع قسرا نحو الرقمنة، لا بد من إعادة تعريف جميع المفاهيم المرتبطة بأنشطتنا، وبأقصى سرعة، وسيكون من الضروري، على وجه الخصوص، ابتكار علامات فارقة تميّز ما ينتجه الإنسان بحدّة خياله، وعرق جبينه، ولياليه الساهرات، وبين ما تقذفه الآلة بنقرة واحدة. إن وسما من قبيل «كُتب من دون مساعدة الذكاء الاصطناعي» كفيل بأن يمكّن القارئ من فرز الغث من السمين.
ما يجعل الإنسان إنسانا حقا هو تلك القدرة السحرية على الإبداع -تلك الطاقة التي أسميها القدرة على التوفيق بين المقدّس واليومي، بين الحلم والواقع- أما الذكاء الاصطناعي، فهو -بلا شك- قوة هائلة، يفتح أمامنا آفاقا واسعة عبر قدرته على المعالجة.
وأعترف أنني، في بعض الأحيان، ألجأ إليه لأداء مهام ذات طابع إجرائي أو منهجي، كأن أطلب منه صياغة نصوص تستند إلى نظرياتي. ومع ذلك، يظل في نظري مجرد أداة بين يدي الإنسان، إنه لا يخلق من ذاته، بل يستجيب لتوجيهاتنا، ويتحرك ضمن حدود ما نرسمه له.
ليس هذا القلق جديدا؛ فعندما ظهرت الحواسيب أول مرة، خشي الناس أن تحلّ محل الإنسان، غير أن الزمن كشف لنا أنها لم تكن سوى امتداد لأيدينا. إن الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، ليس إلا «سكرتيرا» متقدما -مساعدا مطيعا، لا خالقا أصيلا.
حقيقة الأمر، أن التواشج بين المعرفي والعلمي يُعدّ صيانة عظيمة وتهيئة حقيقية لصقل البنية الفكرية والثقافية للكائن البشري، وهذه التنشئة اتضحت سرائرها منذ عصر الصناعة وصولا إلى عصر النانو ولغة الصفر والواحد. لعلّي أجد أن أي استحداث معرفي أو علمي بمساراته المتعددة فهو بمثابة خلق جديد للواقع وما يترتب عليه من تبعات ثقافية وأخلاقية.
لو تطرقنا قليلا إلى بعض الابتكارات التقانية الذكية التي اشتركت في تسهيل عرض البحوث لوجدنا أننا أمام صراع قيمي عظيم يتلخص في تحجيم دور الكائن البشري وعدم قدرته على استنطاق ذهنيته.
وهنا بودي أن أصل إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي أن المعارف والفنون التي تولد مع الإنسان قد تضمحل تدريجيا وتصاب بحالة من التلكؤ واليباب، كون الإنسان يخضع لتمثلات تقانية جاهزة لا تتعامل بوصفها سمة ماهوية تتدخل في المشاعر والأحاسيس، بل إنها تستنطق مقدرات الإنسان لتهب ما يحتاجه عبر شيفرة رياضياتية قابلة للإضافة والتعديل.
لست قلقة من الذكاء الاصطناعي بقدر ما أخشى تراجع الرغبة في القراءة وسط عالم مشبع بالمحتويات السريعة والمباشرة. القراءة فعل يتطلب التباطؤ، والانغماس في زمن مختلف، وإذا فقدنا هذه القدرة، وإذا لم ننقل هذا الشغف للأجيال القادمة، عندها فقط سيكون الأدب في خطر.
بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، فلا أراه تهديدا فوريا. هل يمكنه إنتاج نصوص؟ نعم، لكن هل يمكنه أن يحلّ محلّ رؤية الكاتب الفريدة للعالم، وعلاقته باللغة، وتوتراته الداخلية؟ لا. فالكتابة ليست مجرد ترتيب منطقي للكلمات، بل هي نبض، وإيقاع، وفراغات تحمل معانيها الخاصة، إنها تجربة وجودية، رحلة من الشك والاستكشاف، وهو شيء لا يمكن للآلة أن تحاكيه بالكامل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة