آخر الأخبار

كيف أعادت حربا إيران وأوكرانيا صياغة أوروبا عسكريا؟

شارك

لعقود مضت، عاشت القارة الأوروبية معتمدة على مظلة نووية وشراكة مع أمريكا، لكن مع حرب روسيا على أوكرانيا وحرب أمريكا وإسرائيل على إيران، بدا أن الأمور تتغير بشكل سريع، فنيران الشرق الأوسط تصل تداعياتها إلى العواصم الأوروبية.

لم تكن حرب إيران بالنسبة إلى الأوروبيين مجرد صراع إقليمي بعيد، بل تحولت إلى كابوس اقتصادي وأمني مباشر، وهو ما لخصته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بكلمات قاسية في بروكسل يوم 13 أبريل/نيسان الجاري، حين أكدت أن استقرار القارة أصبح مستحيلا طالما استمر الصراع في الشرق الأوسط، مؤكدة أن أوروبا اليوم تدفع ثمنا باهظا يتمثل في ارتفاع جنوني بأسعار الطاقة، وتهديدات بتدفق موجات جديدة من اللاجئين، وخوف من استنزاف أنظمة الدفاع الجوي التي تحتاجها القارة لمواجهة روسيا في أي مواجهة محتملة.

هذه الصدمة دفعت العواصم الأوروبية لاتخاذ موقف موحد برفض الانجرار إلى الحرب التي بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دون استشارتهم. وتحت شعار "ليست حربنا"، رفض الأوروبيون إرسال سفنهم لفتح مضيق هرمز عسكريا، مذكرين بتجربة احتلال العراق.

مصدر الصورة وزير المالية الألماني (يسار) والمستشار الألماني خلال الاجتماع الأسبوع لمجلس الورزاء، اليوم، ببرلين (الفرنسية)

روسيا يجب ألا تكون الرابح

في خضم حرب الشرق الأوسط، يبرز قلق ألماني عميق من "المستفيد الخفي"، فوزير المالية الألماني لارس كلينغبايل حذر، اليوم الخميس، من أن روسيا هي الرابح الأكبر من حرب إيران، إذ ينمو اقتصادها بفضل اشتعال أسعار الخام وتحولها لمزود طوارئ بعد إغلاق هرمز.

كلينغبايل، في بيان مشترك مع وزيري مالية أوكرانيا والنرويج، شدد على ضرورة "عدم إغفال دعم أوكرانيا"، محذرا من أن التضامن مع كييف يجب ألا يتراجع أمام هيمنة الملف الإيراني على اجتماعات صندوق النقد الدولي.

وترى الحكومة الألمانية أن إعفاء واشنطن لمشتري النفط الروسي من العقوبات -كإجراء اضطراري لتخفيف ضغط أسعار الوقود- يمنح موسكو شريان حياة ماليا. لذا، فإن الرسالة الألمانية واضحة: "ينبغي ألا تكون روسيا الرابح"، لأن ذلك سيعني تقويض الأمن الأوروبي في المديين القريب والبعيد.

رفع أعداد الجيوش

التحول الأبرز في "القارة العجوز" هو الانتقال من عقيدة "الدفاع السلمي" إلى "الاستعداد للحرب"، ويقود هذا التحول وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الذي أعلن أن هدف الوصول إلى 460 ألف جندي (نظامي واحتياط) هو مجرد "اتجاه" وليس "سقفا نهائيا".

إعلان

فألمانيا، التي كانت لعقود تتحفظ على القوة العسكرية، تزيد اليوم أعداد جنودها بوتيرة متسارعة، إذ ارتفع العدد من 180 ألفا إلى أكثر من 186 ألفا في وقت قياسي.

هذه العسكرة لا تقتصر على ألمانيا، فبضغط مباشر من إدارة ترمب، يواجه الأوروبيون التزاما بتخصيص 5% من الناتج المحلي للإنفاق العسكري، وهو ما يعني ضخ نحو تريليون يورو إضافي سنويا. ورغم هذه الأرقام الضخمة، تحذر دراسة "معهد كيل للاقتصاد العالمي" من أن هذا الإنفاق الضخم لم يُترجم بعد إلى "جاهزية قتالية حقيقية"، إذ تظل المصانع الأوروبية عاجزة عن مضاهاة وتيرة الإنتاج الروسي، مما يبقي القارة في حالة اعتماد "قسري" على السلاح الأمريكي.

مصدر الصورة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سبق أن وصف حلف الناتو بأنه "نمر من ورق" (أسوشيتد برس)

الناتو على حافة الهاوية

ودخل حلف "الناتو" منطقة الاضطراب الشديد مع تهديد ترمب الصريح بـ"الانسحاب" أو "تقليص الحماية"، واصفا الحلف بأنه "نمر من ورق" فشل في دعم حربه ضد إيران. لكن هذا التهديد قوبل برد أوروبي، إذ أكدت باريس وبرلين ولندن أن الناتو تحالف دفاعي لأمن الأطلسي وأوروبا، ولم يُشكل لتنفيذ عمليات تنتهك القانون الدولي.

وترى العواصم الأوروبية أن تهديد ترمب بـ"طلاق أطلسي" يتجاهل حقيقة أن القارة تستضيف 275 موقعا عسكريا أمريكيا تشكل "رأس حربة" النفوذ الأمريكي عالميا.

ويضع هذا الصدام حلف الناتو أمام خيارين: إما الخضوع لإملاءات البيت الأبيض والمخاطرة بحرب إقليمية واسعة، أو المضي قدما في "أوروبا العسكرية" التي تبحث عن استقلالها بعيدا عن "تقلبات واشنطن".

ناتو "أكثر أوروبية"

في ظل هذه الأزمات، تبلورت في "مؤتمر ميونخ للأمن"، الذي عُقد في فبراير/شباط الماضي، ملامح نظام أمني جديد يميل لأن يكون "أكثر أوروبية". القادة الأوروبيون وصلوا إلى قناعة بأن المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة، وأن "الاستقلال الإستراتيجي" بات ضرورة للبقاء.

فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس قدم في خطابه "دفعا قويا للغاية باتجاه ناتو أكثر أوروبية"، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أبدى رغبته في علاقات أوثق مع أوروبا والاتحاد الأوروبي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث عن دفاع أوروبي، وليس عن مجرد دفاع للاتحاد الأوروبي، بل هو دفاع أكثر شمولا يضم دولا مثل النرويج وتركيا والمملكة المتحدة.

تمثل هذه المواقف خطوات جيدة للتقارب بين الدول الأوروبية لصالح الدفاع الأوروبي، ولكنها تصطدم بعقبات يجب التغلب عليها، تتمثل في أن فرنسا والمملكة المتحدة تواجهان أوضاعا مالية سيئة تحد من قدرتهما الاستثمارية في الدفاع، بحسب المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة راشيل إليهوس.

وبدأت ألمانيا تنفيذ "خطة 2035" للتحول إلى القوة العسكرية الرئيسية في القارة، مع إعفاء الإنفاق العسكري من القيود المالية الصارمة للاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، تبرز فجوة الإنتاج الصناعي كعائق رئيسي؛ فبينما تنتج روسيا 7 ملايين قذيفة مدفعية، لا تزال أوروبا مجتمعة عاجزة عن تجاوز مليوني قذيفة.

ويعزز هذا الواقع وجهة النظر القائلة بأن القارة لا تزال بحاجة إلى الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات والتفوق الجوي، مما يجعل "الاستقلال الكامل" هدفا بعيد المنال في المدى المنظور.

مصدر الصورة دبابة ليوبارد في شركة كندس، خلال افتتاح خط التجميع الجديد لمركبة بوكسر القتالية المدرعة، أمس في ميونخ (غيتي)

تحذيرات أردوغان

وفي هذا المشهد المعقد، تبرز تركيا كلاعب محوري يحاول الحفاظ على التوازنات، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان حذر، أمس الأربعاء، من أن الحرب في الشرق الأوسط بدأت أيضا تضعف أوروبا، وإذا لم يتم احتواء الأزمة بالوصول إلى اتفاق سلام فإن الضرر الناجم عن النزاع سيكون أكبر بكثير.

إعلان

ولعبت أنقرة منذ اندلاع الحرب، دورا دبلوماسيا يهدف إلى احتواء الصراع ومنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة، وتعمل على التوازن بين عضويتها في الناتو ومصالحها الإقليمية، وتحذر في الوقت نفسه من أن "عسكرة أوروبا" المفرطة دون رؤية سياسية قد تسرّع وتيرة الصدام مع موسكو.

مستقبل الأمن في القارة العجوز

لقد غيرت -أو توشك أن تفعل- تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ومن قبلها الحرب الأوكرانية من مستقبل أمن أوروبا، الذي بات معلقا بين رغبتها في السيادة العسكرية وواقعها الصناعي، فأوروبا تودع اليوم عصر "الرفاهية" لتدخل عصر "الاستعداد الدائم".

فالخطر لا يأتي من تهديد روسي محتمل من الشرق فقط، بل من تفكك الأطلسي غربا أيضا، فإذا نفذ ترمب تهديده بالانسحاب، ستجد أوروبا نفسها مضطرة لملء فراغ أمني هائل بتكلفة قد تلتهم ميزانيات الرعاية الاجتماعية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا