في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الوعي الأمريكي، لم تعد إسرائيل تتمتع بذلك الإجماع الأخلاقي والسياسي الذي ظل يحيط بها لعقود. فمع اتساع الغضب من حرب غزة، وتراجع التعاطف معها داخل الولايات المتحدة، بدأت تتصدع لدى بعض الأوساط الصهيونية الصورة القديمة التي اعتادت العمل من داخلها مطمئنة إلى شرعية شبه ثابتة.
وفي لحظة كهذه، لا يمر هذا التراجع دائما في صورة مراجعة سياسية هادئة، بل قد يخرج، لدى التيارات الأكثر تطرفا، في هيئة رد فعل هجومي يسعى إلى تعويض فقدان الشرعية بمزيد من الصلابة والتحريض.
في هذا السياق، تقرأ صحيفة نيويورك تايمز مخطط اغتيال الناشطة الفلسطينية نردين كسواني في نيويورك باعتباره أكثر من حادثة أمنية معزولة. فالقضية، في نظر الصحيفة، تكشف عودة بيئة فكرية تستلهم إرث "رابطة الدفاع اليهودية" وتعيد إنتاجه بصيغة أمريكية جديدة، حيث يلتقي التحريض الرقمي مع خطاب القوة والهوية، وتقترب المسافة بين الكراهية المنظمة والعنف المادي.
وتقول الصحيفة إن السلطات أحبطت المخطط بعد أن ناقش ألكسندر هايفلر، البالغ (26 عاما)، خطته مع عنصر أمني متخف داخل جماعة تحمل اسم "إخوة جي دي إل 613" (JDL 613)، قبل أن يوقف بعد تصنيعه 8 زجاجات مولوتوف، وهي واقعة وضعت هذه الجماعة الصغيرة تحت الضوء.
وتصف الصحيفة الجماعة بأنها امتداد حديث، وإن كان محدود العدد، لرابطة الدفاع اليهودية التي أسسها الحاخام مئير كهانا في نيويورك عام 1968، وهي منظمة ارتبط اسمها لاحقا بسلسلة من أعمال العنف في الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما تضع هذا الخطاب في سياق إرث كهانا نفسه، الذي تحول لاحقا إلى أحد أبرز منظري الصهيونية المتطرفة، فيما تطورت أفكاره في إسرائيل إلى حركات مثل "كاخ"، التي قامت على الدعوة إلى طرد الفلسطينيين وفرض نظام قائم على التفوق العرقي والديني.
وتلفت نيويورك تايمز إلى أن الجماعة الجديدة تنشط أساسا عبر الإنترنت، من خلال المدونات والبودكاست ومنصات مثل إنستغرام وتليغرام وواتساب، حيث تروج لعداء صريح للفلسطينيين، ولخطاب يقوم على "الدفاع اليهودي" في أكثر صوره هجومية.
الخطر لا يكمن في وجود جماعات صغيرة تتبنى خطابا متطرفا، بل في المسار الذي قد تسلكه هذه الأفكار حين تنتقل من التحريض إلى الاستعداد العملي للعنف.
وتشير الصحيفة إلى أن موادها الرقمية تدعو إلى "احتضان العنف" لجعل "معادي السامية يخافون مرة أخرى"، وتروج لفكرة حمل السلاح بوصفه واجبا، كما تنشر مضامين معادية للمسلمين وتبرر "الضربة الاستباقية" باسم الأمن.
وعلى موقعها، قبل إزالته، قدمت الجماعة نفسها بوصفها مشروعا لإعادة تعريف "الرجل اليهودي" باعتباره قويا ومحترما وثابتا.
وتكتسب القضية بعدا إضافيا إذا ما وُضعت في سياق الاستهداف المتكرر لكسواني نفسها، وهي ناشطة فلسطينية معروفة في نيويورك ارتبط اسمها بحملات طلابية مؤيدة لفلسطين، وواجهت خلال السنوات الماضية ضغوطا وتحريضا من جماعات مؤيدة لإسرائيل بسبب نشاطها العلني.
وفي هذا الإطار، لم يعد اسمها مجرد هدف عابر في خطاب متطرف، بل جزءا من قائمة أوسع من الناشطين الذين يتحولون إلى خصوم شخصيين داخل هذا المناخ المشحون.
وتذكر الصحيفة أن أعضاء في رابطة الدفاع اليهودية ارتبطوا بأعمال عنف بارزة، من بينها مجزرة باروخ غولدشتاين في الخليل عام 1994، ومخطط تفجير مسجد في لوس أنجلوس عام 2005. ومن هنا، لا تبدو "جي دي إل 613" مجرد مجموعة تستخدم اسما قديما، بل حلقة جديدة في تقليد أيديولوجي عنيف له سوابق واضحة.
وتنقل الصحيفة عن باحثين أن جاذبية هذا التيار لا تقوم فقط على السياسة، بل أيضًا على خطاب رجولي يستهدف شبانا يشعرون بالعزلة والضياع.
فالمؤرخة ميريام إيف مورا ترى أن بعض الشبان اليهود ينجذبون إلى خطاب يجمع بين الإحساس بالضحية والدعوة إلى القوة، بينما يقول الباحث باري جوناس إن الجماعات المتطرفة نجحت عبر الإنترنت في اجتذاب أفراد يبحثون عن الانتماء والأثر.
وبهذا المعنى، تنمو هذه الراديكالية داخل بيئة رقمية تمنح أفرادا هشين هوية قتالية جاهزة، وتختصر المسافة بين الكراهية والانخراط.
وفي موازاة هذه البيئة، تكشف تقارير أخرى عن مناخ تحريضي أوسع داخل بعض الجماعات الصهيونية المتشددة في الولايات المتحدة، حيث لم يعد استهداف النشطاء المؤيدين لفلسطين يقتصر على الخطاب، بل وصل في بعض الحالات إلى التهديد المباشر، حتى وإن قُدِّم أحيانا على هيئة "مزاح". وهو ما يعزز فكرة أن التحريض الرقمي لا يعمل بمعزل عن الواقع، بل يساهم في تشكيله وتغذيته.
وتشير الصحيفة أيضا إلى أن عودة هذا الخطاب تأتي في سياق توتر متصاعد بين جماعات مؤيدة لإسرائيل وأخرى مؤيدة لفلسطين في نيويورك، لكن الخطر، في نظرها، لا يكمن في الخلاف السياسي بحد ذاته، بل في انتقال بعض الأوساط من التحريض اللفظي إلى نزع شرعية الخصم وإنسانيته.
فزعيم الجماعة، يسرائيل يعقوب بن أفراهام، نفى تأييد "العنف غير القانوني"، لكنه أقر في الوقت نفسه بخطاب عدائي ضد كسواني.
وهنا ترى نيويورك تايمز أن القضية الأهم ليست فقط المخطط الذي أُحبط، بل البيئة التي تجعل هذا الانتقال من التحريض الرقمي إلى الاستعداد العملي للعنف أمرا ممكنا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة