آخر الأخبار

البيت ثم العريس.. ننقل من الميدان قصص حياة ابتلعها الخط الأصفر

شارك

لأول مرة، ونحن في طريقنا لتغطية واحدة من حكايات المعاناة في غزة، شعرنا بأن خطوة تتقدم وأخرى تتلكأ، وطوال الطريق كنت أحدث نفسي: كيف سألتقي أفنان التي خسرت بيتها بعد توسيع " الخط الأصفر" قبل شهر من فرحها، ثم لحقتها الفاجعة بعد شهر واحد فقط باستشهاد خطيبها محمود؟

حين دخلنا بيت العزاء، بدا التحول كاملا وقاسيا وواضحا، الوجوه مصطفّة، والدموع تسبق الكلام، والبيت الذي كان ينتظر التهاني استقبل المعزّين، فهنا كان يفترض أن تدور أحاديث قاعة الزفاف والفستان واليوم المنتظر، وأن يضجّ المكان بحركة الأقارب وتجهيزات الفرح، لكن الحزن سبق الجميع إلى البيت.

بعد عام وشهرين من الخطبة، كان محمود البريم (37 عاما) يُهيئ بيته بعناية ليدخل إليه زوجة، فأصلح ما يحتاج إلى إصلاح، ورتّب المكان الذي انتظر أن يبدأ فيه حياته مع خطيبته أفنان النجار.

كان البيت يتقدم نحو صورته الجديدة على مهل، فيما كان العروسان يجمعان تفاصيل البداية كما يفعل كل من يحاول انتزاع حياة مستقرة من قلب حرب طويلة.

ثم جاء وقف إطلاق النار الحالي محمّلا بمسار آخر، تقدّم الاحتلال، واقترب "الخط الأصفر" من المنطقة، فسقط البيت الذي جرى تجهيزه للزفاف قبل نحو شهر من موعد الفرح، وعند تلك اللحظة انكشفت أولى صور الخسارة: بيتٌ كان يتجه نحو الحياة، ثم صار جزءا من خرائط الخطر والدمار، ومع ذلك، تمسكت أفنان بالمعنى الأهم، وقالت: "معلش، المهم محمود بخير، وين ما كان بسكن معه".

في هذه العبارة تتضح الأولوية كما رأتها "محمود أولا، ثم يأتي البيت بعده"، لكن الحرب واصلت اقترابها من الحكاية نفسها.

مصدر الصورة محمود البريم حُمل على الأكتاف شهيدا لا عريسا (الجزيرة)

من بيت فرح إلى بيت عزاء

في 9 أبريل/نيسان 2026، كان محمود يسير فرحا في شارع صلاح الدين شرق مدينة غزة، بمحافظة خان يونس، واتصل بعائلته ليخبرهم بأنه في طريقه إلى البيت، ودعاهم إلى الاجتماع فور وصوله لاختيار صالة الفرح واستكمال التجهيزات.

إعلان

وفي الجهة الأخرى، كانت أفنان تحدثه عبر الهاتف، وما إن انتهت المكالمة حتى دوّى انفجار كبير، وانعطف المسار كله في لحظة واحدة، قبل أن يصلها اتصال من زميله الصحفي يحمل الخبر "محمود استُشهد".

هرعت أفنان إلى مستشفى ناصر، وهناك وقفت أمام جسد محمود الذي كان قبل دقائق فقط يتحدث عن الصالة واللقاء والفرح، وتقول: "وضعت يدي على رأسه، واختلطت رائحة المسك بيدي، شاهدت وجهه الجميل، ولا أستطيع تصديق استشهاده حتى وهو أمامي شهيدا".

محبس الارتباط.. آخر ما تبقى

احتفظت بالمحبس الذي ألبسته إيّاه يوم الخطوبة، ثم جاءت الخطوة الأثقل: إغلاق ما كان مفتوحا على الفرح، فألغت أفنان حجز الفستان، وتركت الأيام التي كانت تسير نحو الزفاف تستقر في مكان آخر يحمل اسما جديدًا: العزاء.

وهكذا حملت العائلة خلال أسابيع قليلة خسارتين متصلتين: خسارة البيت الذي جرى تجهيزه للفرح، ثم خسارة العريس نفسه.

وفي غزة، لا تبدو قصة محمود استثناءً بقدر ما تبدو جزءا من مشهد أوسع، تُقصف فيه أفراح الناس وهي في طور التكوّن، فالحرب التي لحقت بالعريس من البيت إلى الطريق، وصلت كذلك إلى بيوتٍ أخرى كانت تستعد لبدايات مشابهة.

مصدر الصورة الاحتلال أزاح الخط الأصفر إلى عمق حي الشجاعية شرق مدينة غزة (الجزيرة)

أصلح بيت ه فصار نازحًا في ليلة عرسه

في الليلة التي سبقت عرسه، كان عبد العظيم ضاهر يضع يده على آخر ما تبقى من تفاصيل البداية، وأمضى الأيام الأخيرة قبل الزفاف في إصلاح بيتٍ متعب وتجهيزه للحياة، ثم نام وهو يعلّق قلبه بصباح اليوم التالي؛ صباح يدخل فيه بيته زوجا.

كان ضاهر طالبا يدرس لنيل درجة الماجستير، وينحدر من حي الشجاعية قرب مقبرة البطش، وعاد مع عائلته إلى منزلهم خلال الهدنة مخاطِرا، بعدما وجدوه صالحا للسكن إلى حدٍّ ما، باستثناء الطابق العلوي.

لم يكن البيت كاملا، لكنه بدا أقرب إلى الاستقرار من حياة التشتت، أصلح الشبابيك، ورتّب ما أمكن من الغرف، وأدخل ما يلزم من أثاث وموقد غاز، "لأكتفي في بيتي كي أبدأ فقط".

في تلك الليلة أُقيمت الحنّة (الحناء ويكون ليلة الزفاف)، لكن الليل نفسه حمل مسارا آخر، تمددت قوات الاحتلال الإسرائيلي بمربعات "الخط الأصفر" حتى شارعهم، واقترب الخطر من المنطقة على نحو مفاجئ، فعمّ الذعر، وخرج الناس مسرعين بأرواحهم.

نزوح جديد وزفاف مؤجل

خرج عبد العظيم وعائلته على عجل، تاركين وراءهم البيت الذي كان يفترض أن يستقبل العرس في اليوم التالي، قبل أن يُقصف لاحقًا، وتصبح المنطقة كلها تحت سيطرة الاحتلال.

تأجل الزواج 3 أشهر، قبل أن يتم أخيرًا قبيل شهر رمضان الماضي، فبعدما كان عبد العظيم يملك بيتًا، وجد نفسه يلاحق فكرة السكن من جديد، في واقع تجاوزت فيه إيجارات البيوت 700 دولار أمريكي شهريا، وهو مبلغ يرهق أي أسرة في غزة، ويثقل أكثر كاهل زوجين جديدين يبحثان عن بداية مستقرة.

هكذا تبددت صورة كاملة كان عبد العظيم قد أعدّها لحياته المقبلة، فتلاشى البيت الذي جهّزه، وتبدلت هيئة الحي الذي كان يسكنه إلى مساحة مغلقة في وجه أصحابها.

واليوم، يعيش هذا الشاب مع زوجته وعائلته الممتدة، التي يزيد عدد أفرادها على عشرة، في بناء أرضي يفتقر إلى الخصوصية، ويضيق عن أن يمنح زوجين جديدين الحد الأدنى من الاستقرار.

إعلان

وهكذا، لم يفقد البيت وحده، بل فقد أيضًا اللحظة التي كان يفترض أن يبدأ فيها حياته على النحو الذي حلم به، فالحرب تعترض الطريق إلى الاستقرار في أكثر لحظاته هشاشة ويخسر الناس أيضًا ترتيب الحياة التي حاولوا بناءها فوق ما تبقى من الركام.

مصدر الصورة عصام الحرازين يحاول إنقاذ مصنع الخياطة من تحت الركام (الجزيرة)

ماكينة الخياطة شريان الحياة

على امتداد سنوات طويلة، بنى عصام الحرازين (49 عاما) عالمه غرزةً غرزة، حتى صار صاحب مصنع في حي الزيتون شرق مدينة غزة، داخل عمارته السكنية في شارع "كشكو"، وهناك اختلطت المهنة بالهوية، وصار المكان أكثر من مشروع؛ صار سيرة عمر كاملة.

مارس عصام الخياطة طفلا في الـ14، ومضى في حرفة أحبها حتى صارت تعريفه الأول لنفسه، أقام مصنعه على مساحة 170 مترا مربعا، تضم طاولة القص، ومخزن الأقمشة، وطابقا كاملا يضم 40 ماكينة خياطة تعمل بمنظومة كهربائية متكاملة.

ومع وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وحين ظن أن الحرب انحسرت، رمم ما استطاع، واشترى نظام طاقة شمسية بتكلفة 65 ألف شيكل، (أكثر من 21 ألف دولار أمريكي)، في محاولة أخيرة لإعادة دورة العمل.

كان المصنع يعيل أُسر 30 عاملا، تتوزع أدوارهم بين الخياطة والقص والكي والتغليف والتوزيع، ومن هناك كانت الملابس تخرج إلى مختلف محافظات غزة، كما كانت تصل إلى مدينة الخليل في الضفة الغربية.

نهاية مشهد

يقول عصام: "كنت أصنّع كل ما يحتاجه الناس من ألبسة، وأكرمني الله حتى منحت عشرات الأيدي فرصة لأن تعيش من تعبها".

لكن صباح 30 يونيو/حزيران 2025 حمل نهاية المشهد كله عندما أُلقيت منشورات الإخلاء للموقع، قُبيل استهدافه بطائرات " كواد كابتر"، فخرج الجميع على عجل، وترك عصام وراءه بيته ومصنعه.

سقط المصنع، وضاعت الماكينات، واحترقت الأقمشة، وخسر 30 عاملا مصدر رزقهم دفعة واحدة، فبكى هذا الغزّي ماله، وماكيناته، و7 أطنان من القماش؛ بعضها احترق، وبعضها بقي تحت الركام.

ويقول: "أنا فقدت تاريخ شخصيتي كاملا، كان من الصعب عليّ الانسحاب من المكان، وكأنهم سحبوا قلبي وانتزعوه من مكانه".

يجلس عصام اليوم مثقلا بذاكرة العمل، مشدودا إلى رائحة القماش وصوت الماكينة أكثر من اتصاله بالحاضر، ويبوح باكيا: "فقدت مشروعي الذي أعمل عليه منذ 2014″، ثم يضيف ما يختصر حكايته كلها: "الماكينة هي شريان حياتي، ولا أرى نفسي إلا خياطا، من المستحيل أن أمارس أعمالا أخرى".

ابنته ديانا ترى هذا الانطفاء كل يوم، وتقول: "فقد شهيته بشكل كامل حتى خسر وزنه، وأنا قلبي يتقطع عليه، كان قويا، معروفا بعمله وإتقانه لدى أهل قطاع غزة كلهم".

مصدر الصورة عصام الحرازين على أنقاض مصنع خياطة دمّره الاحتلال في زيارة يتيمة له (الجزيرة)

من مطعم إلى كشك صغير

يسكن محمد ياسين (42 عاما) وهو أب لـ6 أبناء في حي الزيتون شرق مدينة غزة، لكنه صار مع السنوات واحدا من أكثر أهل الشجاعية معاشرة ورزقا ومحبة، فهناك لم يكن مطعمه مجرد محل يبيع الطعام، بل جزءا من الحياة اليومية للناس، ووجهة ارتبطت بأفراحهم ومناسباتهم، حتى صار اسمه حاضرا في ذاكرة الشارع كما يحضر الطعام الذي يعدّه في الذاكرة.

بعد عودته من جنوب قطاع غزة إلى شماله خلال وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عاد إلى مطعمه كمن يحاول استعادة جزء من حياته، أصلح ما استطاع من المطبخ، وسدّ الفراغات بالشوادر، وأعاد تشغيل ما أمكن. واستعد لافتتاح المطعم مع أول يوم من رمضان، كأن العمل عنده صورة من صور مقاومة الخراب.

لكن الحرب لم تمنحه تلك الفرصة قبل أن يفتح المطعم ويبيع أول طبق، عاد القصف من جديد، فعاد الضرر إلى ما أصلحه، ثم فرغت المنطقة تدريجيا من أهلها وحركتها، قبل أن تُمحى بشكل كامل.

اليوم، بدأ من الحد الأدنى الممكن، بكشك صغير في حي الزيتون، يبيع فيه الشطائر والحمص والفول بأسعار يصرّ أن تبقى منخفضة، ومع ذلك، لا يتكلم كمن انتهى؛ فلا تزال الشجاعية في نظره أرضا عاش فيها ومنها، وصار أهلها أهله، ولا يزال مطعمه هناك، في مكان ما من الذاكرة، ينتظر العودة.

إعلان

ما يجمع هذه الحكايات لا ينصب في القصف وحده، بل في أكثر لحظات الناس ضعفا ومقاومة، تنقطع بهم السبل وما زالت، بفعل جرم إسرائيلي تجاه شعب غزة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا