قالت مجلة فورين أفيرز إن الدروس المستقاة من التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط منذ مطلع عام 1991 تؤكد أن وقف إطلاق النار بدون إستراتيجية واضحة من شأنه أن يؤدي إلى كارثة، وأكدت أن أخطر ما في السياسة الأميركية في المنطقة لا ينبع من الحروب نفسها، بل مما يأتي بعدها.
وفي مقال بعنوان "كيف يمكن لوقف إطلاق النار أن يقود إلى كارثة: دروس حرب الخليج الأولى حول ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله بإيران"، يحذر الأكاديميان دانييل شارديل وصمويل هلفونت -في سياق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران- من أن دروس التاريخ وخاصة ما أعقب حرب الخليج الأولى عام 1991 تكشف مخاطر إنهاء النزاعات من دون إستراتيجية متماسكة وطويلة الأمد.
ويوضح الكاتبان أن الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران أواخر فبراير/شباط و غزو العراق عام 2003 يتشابهان في كونهما تدخلين عسكريين أمركيين ضد خصم قديم في الخليج، مع حضور فكرة تغيير النظام كهدف ضمني أو معلن.
لكنهما يشددان على أنه خلافا لما حدث عام 2003، فإن الحملة الأمريكية الأخيرة ضد إيران بقيت محصورة إلى حد كبير في العمليات الجوية والبحرية، دون أن تتطور إلى غزو بري واسع النطاق من شأنه أن يؤدي إلى احتلال طويل وتمرد مسلح.
وبدلًا من ذلك، يرى شارديل وهلفونت أن المقارنة الأكثر دقة هي مع حرب الخليج الأولى عام 1991 المعروفة بعملية "عاصفة الصحراء"، فهي حرب تُعد من الناحية العسكرية نصرا حاسما، لكنها شكلت فشلا إستراتيجياً لاحقا.
ففي تلك الحرب، قامت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس جورج بوش الأب بطرد القوات العراقية من الكويت وتدمير قدرات جيش الرئيس صدام حسين، لكنها توقفت عند هذا الحد ولم تُسقط النظام الحاكم في بغداد.
هذا القرار -الذي قُدِّم حينها على أنه وسيلة لتجنب التورط العميق- أدى إلى خلق وضع هش وطويل الأمد، ويؤكد الكاتبان أن المشكلة الجوهرية لم تكن في نتائج المعركة، بل في التناقض بين الأهداف السياسية والإستراتيجية.
فقد رفضت واشنطن بقاء الرئيس صدام في الحكم، لكنها لم تكن مستعدة لدفع كلفة إسقاطه. ونتيجة لذلك، دخلت في عقد كامل من سياسة الاحتواء، تخللته عقوبات اقتصادية، وإقامة مناطق حظر جوي، وتوجيه ضربات عسكرية متقطعة.
وبسبب ذلك النهج، تآكل الدعم الدولي للسياسة الأميركية مع مرور الوقت، وتنامت الانتقادات للآثار الإنسانية للعقوبات وغياب حل سياسي واضح. وعلى الصعيد الداخلي الأميركي، أدى الجمود لتصاعد ضغوط من الحزبين لتغيير النظام، مما مهّد في النهاية لغزو العراق عام 2003 بقيادة جورج بوش الابن، وهكذا تحولت حرب محدودة الأهداف إلى صراع أوسع وأكثر كلفة.
ويرى الكاتبان أن واشنطن تواجه اليوم خطر تكرار هذا السيناريو في إيران. فوقف إطلاق النار الحالي يشير لتراجع واشنطن عن خطابها السابق بشأن إسقاط النظام. لكن إذا انتهى النزاع بإضعاف النظام الإيراني دون إسقاطه، فقد تجد أمريكا نفسها أمام معضلة مألوفة: التعامل مع خصم لا تقبله، لكنها لا تمتلك خطة واضحة لإزالته.
ويحذر شارديل وهلفونت من أن تبني إستراتيجية احتواء إيران، على غرار ما حدث مع العراق في التسعينيات، قد يؤدي إلى مسلسل مستمر من المواجهات. فإيران، حتى وإن ضعفت، ستظل قادرة على تهديد الاستقرار الإقليمي، وقمع المعارضة الداخلية، وتحدي النفوذ الأمريكي. وفي المقابل، قد يؤدي استمرار الضغط الأميركي إلى ردود فعل عكسية من الحلفاء والخصوم، بما يقوّض الدعم الدولي ويؤثر على الاقتصاد العالمي.
ومن وحي دروس مرحلة ما بعد 1991، يدعو الكاتبان الإدارة الأميركية إلى قبول استمرار النظام الإيراني، شريطة التزامه بشروط محددة، مثل التخلي عن الطموحات النووية، والحد من تطوير الصواريخ، ووقف دعم حلفائه بالمنطقة. وفي المقابل، يجب تقديم تخفيف للعقوبات ومسار نحو إعادة الاندماج الاقتصادي والدبلوماسي.
غير أن هذا النهج يواجه تحديات سياسية كبيرة. فكما يشير الكاتبان، وقع قادة أمريكا في التسعينيات في فخ خطابهم، عندما صوّروا صدام حسين على أنه شر مطلق، مما جعل أي تفاوض معه يبدو غير مقبول، وقد يتكرر هذا السيناريو مع إيران.
كما يسلط المقال الضوء على السياق الدولي الأوسع. ففي عام 1991، كانت واشنطن القوة العظمى الوحيدة، أما اليوم فقد تراجع هذا الوضع. وبالتالي، فإن أي محاولة طويلة لاحتواء إيران ستكشف حدود القوة الأميركية في عالم متعدد الأقطاب، حيث تسعى قوى مثل الصين وروسيا إلى تحدي النفوذ الأمريكي.
ويخلص الكاتبان إلى أن نجاح وقف إطلاق النار الحالي لا يعتمد على بنوده بقدر ما يعتمد على ما يليه من إستراتيجية، لأنه ليس نهاية للصراع، بل مرحلة انتقالية قد تقود إما إلى الاستقرار أو إلى جولات جديدة من التوتر. ومن دون خطة واضحة تربط الأهداف بالوسائل، قد تقع واشنطن في الفخ نفسه الذي أعقب حرب الخليج.
المصدر:
الجزيرة