منذ مطلع العام الجاري أقدم الرئيس ترمب على اتخاذ عدة خطوات سريعة تتسم بالجرأة والاندفاع؛ فقد اختطف الرئيس الفنزويلي، وهدّد بغزو غرينلاند وكولومبيا، وفي الأسبوع المنصرم وحده، زجّ بالولايات المتحدة- ومعها جلّ منطقة الشرق الأوسط على ما يبدو- في أتون حرب جديدة عبر الانخراط مع إسرائيل في الهجوم على إيران؛ وهو الأمر الذي نأى عنه حتى أكثر الرؤساء الأمريكيين جنوحا نحو الحرب. يأتي ذلك كله علاوة على قصف سبع دول خلال عام 2025.
لقد تلاشت وعود حملة 2024 الانتخابية برئيس للسلام يضع حدا للحروب الأبدية، ليحلّ محلّها استخدام مفرط للقوة العسكرية وازدراء جليّ للدبلوماسية. وكما عبر البرنامج الكوميدي الأمريكي "ساترداي نايت لايف"، فإن ترمب- وبمعيته "مجلس السلام" البديل للأمم المتحدة- قد "سئموا السلام".
لكن يبدو أن انتهاك القانون الدولي بات سمة لازمة، وليس مجرد خلل عارض في طريقة ونهج ترمب؛ وهو ما يتسق مع إقراره الصريح بأنه لا يحتكم للقوانين الدولية، أو الأعراف، أو التقاليد، أو حتى مقتضيات اللياقة العامة.
أما كبار مستشاري ترمب الذين أسكرتهم نشوة القوة، فقد تجاوزوا أيضا كل قيد؛ إذ صرح وزير الحرب، بيت هيغسيث -الملقب بـ"اقتلوهم جميعا"- بأن غايته هي "إطلاق العنان للعنف الساحق والتنكيل بالعدو"، و"إطلاق يد مقاتلينا لترهيب أعداء بلادنا، وتثبيط عزائمهم، ومطاردتهم، والإجهاز عليهم".
وفي مؤتمر ميونخ للأمن، بكى وزير الخارجية، ماركو روبيو -الملقب بـ "ماركو الصغير"- أطلال الحقبة الاستعمارية، داعيا إلى استعادة "عصر الهيمنة الغربية". بينما أعلن ستيفن ميلر، نائب رئيس الموظفين -الملقب بـ "جنكيز"- قائلا: "إننا نحيا في عالم.. تسوسه القوة، وتحكمه السطوة".
علاوة على ممارساته الرامية لبسط الهيمنة في الميدان العسكري التقليدي، فقد نزع ترمب نحو التصعيد في ملف الأسلحة النووية؛ إذ أوصد الباب أمام دعوة الرئيس بوتين لتمديد معاهدة "ستارت الجديدة" لعام آخر، مما يشرع النوافذ أمام سباق تسلح نووي، يلوح في الأفق بالتوازي مع سباق التحديث المحتدم بالفعل.
كما أعلن أن الولايات المتحدة ستستأنف تجاربها النووية. وحتى بمعزل عن رحى حربي أوكرانيا والشرق الأوسط، والتوترات مع الصين، فإن هذه الإجراءات والتهديدات تظل كفيلة بتقويض الاستقرار وإشاعة الخطر.
إن ترمب هو ذلك المتنمر والمنفلت من كل عقال في الحلبة العالمية؛ بيد أن المعضلة تكمن في أنه ينفرد وحده بالسلطة المطلقة؛ التي تمكنه من إطلاق آلاف الرؤوس الحربية النووية.
سيكون كسر المحرمات الدولية الوحيدة المتبقية -والتي صمدت لأكثر من ثمانية عقود رغم اقتراب العالم من حافتها مرارا- هو التعبير الأقصى عن سطوة ترمب المطلقة؛ ونعني بذلك تفجير سلاح نووي.
وثمة مؤشرات عديدة على أنّ هذه الحرب قد لا تجري رياحها بما تشتهيه سفن الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم قدرتهما على قصف إيران متى شاءتا.
بيد أن ذلك لا يشكل بالضرورة ذريعة لاستخدام السلاح النووي؛ ففي تصور ترمب، كلما نأى الفعل عن المبررات، وأمعن في الصدمة، وجانب الضرورة، كان أوقع في نفسه وأفضل في نظره.
وبالنظر إلى تضخم أناه الهشة -والتي تتجلى في شطحات خطاباته حول أفاع سامة في بيرو أو ستائر البيت الأبيض– فإنه يرى في نهجه المنفلت برهانا ساطعا على هيمنته وسلطانه.
ومنذ وضعت الحرب الباردة أوزارها، ساور القلق كثيرا من المراقبين خشية الانزلاق العرضي أو غير المحسوب نحو حرب نووية. ولكن مع كسر ترمب كل المحرمات محليا ودوليا، وإثباته أنه فوق القانون وبمقدوره فعل ما يروق له متى شاء، يظل كسر "التابو" النووي هو العقبة الأخيرة التي تنتظر التقويض.
ولعل هذا يفسر، في جوهره، سبب كبح الرئيس بوتين ورئيس الصين شي جين بينغ ردود فعلهما حيال الهجمات على إيران؛ فهما يدركان مبلغ الخطورة التي يشكلها ترمب، ولا يبتغيان استفزازه.
تتوارد الآن تقارير "مايكي واينشتاين"، المحارب القديم في القوات الجوية ورئيس مؤسسة الحرية الدينية العسكرية، والتي تفيد بأنّ منظمته استقبلت استغاثات من أكثر من 200 جندي فيما يربو على 50 قاعدة عسكرية، يجمعهم "قاسم واحد مذهل.. وهو حالة الابتهاج المنفلت من كل عقال لقادتهم وتراتبية القيادة، إذ يرون في هذه الحرب الجديدة "المسوّغة كتابيا" برهانا لا ريب فيه على الاقتراب الحثيث لـ"إرهاصات نهاية الزمان"، وفق المعتقدات المسيحية الأصولية، كما جسدتها بدقة "رؤيا يوحنا" في العهد الجديد".
بل إن قائد إحدى الوحدات القتالية أسرّ إلى ضباط الصف "بأن الحرب على إيران هي جزء من تدبير الرب، وأن الرئيس دونالد ترمب قد "مُسح ببركة المسيح لإذكاء جذوة الإشارة في إيران، توطئة لملحمة هرمجدون، وإيذانا بعودته إلى الأرض".
كانت مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، قد حذرت في يونيو/ حزيران الماضي من أننا غدونا "على شفا الفناء النووي أكثر من أي وقت مضى"؛ بيد أن الواقع يشي بأننا قد نكون أدنى إلى ذلك الخطر بكثير مما أدركته هي نفسها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة