في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كوبلنز- عند النقطة التي يكسر فيها نهر "الموزيل" هدوءه ليرتمي في أحضان "الراين"، وُلدت قصة "الزاوية الألمانية" لتروي قصة مدينة كوبلنز التي حولت ندوب الصراع العسكري إلى منارة للوحدة، متجاوزة قرونا من الحروب لتصبح اليوم قلب "وادي الراين" النابض بالثقافة والتاريخ.
لم يبدأ تاريخ هذه البقعة بقرار إمبراطوري فحسب، بل يمتد إلى عام 1216م حين استقرت جماعة تتسمى باسم "الفرسان الألمان" في هذا الملتقى المائي، ومنهم استمد المكان اسمه التاريخي.
منح هذا الإرث من "الرهبان المحاربين" الموقع صبغة روحية وعسكرية معا، جعلت الإمبراطور فيلهلم الثاني يختارها عام 1891 لتكون مقرا لنُصب فروسية ضخم يخلد ذكرى والده "فيلهلم الأول"، موحِّد ألمانيا.
كان الهدف السياسي حينها واضحا: ترسيخ صورة ألمانيا القوية على ضفاف الراين، النهر الذي كان لقرون محل نزاع حدودي واقتصادي محموم مع فرنسا، وتحويل "الزاوية" إلى جدار صدٍّ معنوي يعلن سيادة الإمبراطورية.
لكن هذه الرمزية تعرضت لاختبار قاسٍ خلال الحرب العالمية الثانية؛ ففي مارس/آذار 1945، وبينما كانت مدافع الحلفاء تدق حصون النازية، سقط تمثال الإمبراطور تحت وطأة القذائف الأمريكية.
ولثلاثة عقود تقريبا، ظلت القاعدة الحجرية الضخمة خاوية، تحرسها الأعلام فقط. في تلك الفترة وتحديدا عام 1953، أعلن الرئيس الاتحادي تيودور هويس الموقع "نُصبا للوحدة الألمانية"، لتتحول القاعدة الخالية من تمثالها إلى صرخة صامتة تذكر بتمزق البلاد بين شرق وغرب، وأمل بانتظار لمّ شمل أمة شطرها "الستار الحديدي".
بعد سقوط جدار برلين عام 1989، اندلع في كوبلنز وألمانيا عامة أحد أعنف النقاشات السياسية والثقافية: هل يُعاد بناء تمثال الإمبراطور؟ انقسم الشارع الألماني بحدة؛ فالمعارضون رأوا في عودة تمثال الفروسية الضخم إحياء "للنزعة العسكرية البروسية" التي قادت أوروبا إلى دمار حربين عالميتين، بينما اعتبره المؤيدون استعادة لهوية المدينة التاريخية وتحقيقا لمطلب شعبي.
حُسم الجدل في النهاية لا بقرار سياسي فوقي، بل بمبادرة مجتمعية وتبرعات خاصة سخية. وفي عام 1993، اعتلى الإمبراطور صهوة جواده مجددا فوق قاعدة يبلغ ارتفاعها 37 مترا. ولكن، تمت إعادة صياغة الرمزية بذكاء سياسي؛ فالتمثال اليوم لا يقف وحيدا كرمز للقوة المطلقة، بل أحيط بأعلام الولايات الألمانية الـ16 وعلم الاتحاد الأوروبي، في إشارة إلى أن الوحدة الوطنية لا تكتمل إلا تحت مظلة البيت الأوروبي الكبير.
ولمزيد من تعميق الدلالة، وُضعت بجانب النصب 3 قطع أصلية ضخمة من "جدار برلين"، مكسوة بآثار الرصاص والغرافيتي، لتكون بمثابة نصب تذكاري لضحايا التقسيم، مما يكرس في الذاكرة الوجدانية الجمع بين "وحدة القرن التاسع عشر" القائمة على سلطة التاج، و"وحدة القرن العشرين" القائمة على إرادة الشعوب في الحرية.
اليوم، تؤكد بيانات هيئة السياحة المحلية في كوبلنز أن الموقع تجاوز عباءة التاريخ ليصبح رافعة اقتصادية جبارة، حيث يستقطب سنويا ما يزيد على مليونيْ زائر.
لم تعد "الزاوية الألمانية" خندقا للمواجهة، بل ساحة عالمية يتنفس فيها السياح عبق التاريخ، مؤكدة أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُكتسب بالمدافع، بل تلك التي تُبنى بالوحدة والسلام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة