آخر الأخبار

الهجرة نحو جزر الكناري: حين لا يكون البحر القاتل الوحيد

شارك
وصل على متن هذا القارب الخشبي 116 شخصًا إلى جزر الكناري - تحدث بشكل متزايد خلال رحلة العبور اعتداءات عنيفة صورة من: Europa Press Canarias/dpa/picture alliance

بدأ الجحيم بالنسبة لإسماعيل واتارا في مكان ما بين جنوب المغرب وجزيرة تينيريفي الإسبانية ، فخلال 24 ساعة توفيت ابنته التي يبلغ عمرها سنة واحدة وزوجته. حيث كان قاربهم تائهًا عدة أيام وغير قادر على المناورة في عرض المحيط الأطلسي . ويتذكر الشاب إسماعيل واتارا قائلًا: "ابنتي ماتت بين ذراعي. وفي الصباح التالي، لم تستيقظ زوجتي مرة أخرى. وأعتقد أنَّ ذلك بسبب صدمتها بوفاة بنتنا".

"يعتقدون أنَّهم يستطيعون فعل كل شيء في عرض البحر"

ومثل عشرات الآلاف الآخرين، غادر إسماعيل واتارا مع عائلته ساحل العاج من أجل العثور على عمل بأجر أفضل في أوروبا . ولم يكن يتصوّر قط أنَّ تتحول رحلة عبورهم إلى مثل هذه الكارثة. ويتذكر الشاب واتارا الإيفواري أنَّ "الجثث ألقوها ببساطة فورًا في البحر ، من دون سؤالنا إن كنا نسمح بذلك، لأنهم لا يحتاجون رأينا". وهذا الحادث مضى عليه الآن أربع سنوات، ولكن إسماعيل واتارا لا يزال يتألم حتى اليوم بسبب تعامل ركاب آخرين مع جثث ذويه من دون أي احترام. وعلى أي حال لم تحدث بعد ذلك أعمال عنف بين ركاب القارب الناجين، لأنَّ العنف أمر معتاد على متن القوارب في مثل هذه الحالات القصوى، كما يقول.

المهاجرون الذين يصلون عبر طريق المحيط الأطلسي إلى جزر الكناري غالبًا ما يواجهون تجارب سيئةصورة من: Europa Press Canarias/imago images

وهذا بالضبط ما عاشه أيضًا محمد مانغا، وهو شاب غامبي وصل إلى جزر الكناري في عام 2023. ويقول: "كان يوجد على متن قاربنا الكثير من العنف. وفي اليوم الرابع في البحر أصيب البعض بالذعر واتهموا بعضهم بعضًا بأنَّهم سحرة مشعوذون". ويضيف أنَّ هذا المزج بين الحالة الاستثنائية والإيمان بقوى الشعوذة والسحر يجعل مثل هذه الأحداث بحسب ركاب سابقين شديدة الانفجار بشكل خاص. وبحسب مانغا لم يمت أحد في أعمال العنف على متن القارب، لكن لقد أصيب الكثيرون. وعلى حد علمه لم تتم محاسبة أي شخص على ذلك - حتى في وقت لاحق عندما وصل القارب أخيرًا إلى جزر الكناري. ويقول: "من الصعب جدًا بعد ذلك القيام بأي شيء. ولذلك يعتقد بعض الأشخاص أنَّ بإمكانهم السماح لأنفسهم بكل شيء في عرض البحر".

إلقاء ركاب أحياء في البحر

وفي الآونة الأخيرة، تراجعت بشكل ملحوظ رحلات العبور عبر ما يعرف باسم طريق المحيط الأطلسي بين أفريقيا وجزر الكناري الإسبانية. وبينما وصل بحسب الأرقام الرسمية أكثر من 40 ألف مهاجر إلى جزر الكناري عام 2024، انخفض العدد بعد عام إلى نحو 18 ألف شخص.

ويعزو معظم المراقبين هذا الانخفاض إلى تعزيز التعاون بين أوروبا ودول العبور التقليدية مثل موريتانيا و المغرب ، وكذلك إلى تشديد الرقابة - المرتبطة بهذا التعاون - على الحدود في هذه الدول. في الوقت نفسه، تزداد الروايات والبلاغات عن حالات تقع فيها على متن القوارب أعمال عنف شديد، وحتى جرائم قتل مفترضة.

ومثلًا من المفترض أنَّ ثلاثة سنغاليين اعتدوا بشدة في منتصف عام 2024 على العديد من الأشخاص على متن قارب، بحيث أنَّ بعض المعتدى عليهم أصيبوا بإصابات دائمة. وفي خريف عام 2025، اعتقلت الشرطة الإسبانية 19 شخصًا بعد وفاة نحو 50 راكبًا على متن قارب بين السنغال وغران كناريا - في جريمة قتل جماعي يشتبه بوقوعها في عرض البحر. ووجهت إليهم تهمة الاعتداء الجسيم والقتل.

وذكر الناجون أنَّ المتهمين هجموا على عشرات الركاب وضربوهم حتى الموت، وألقوا بعضهم وهم أحياء في البحر. وحتى الآن لا يزال من غير الواضح إن كان المتهمون أعضاء في شبكات تهريب أو مجرد ركاب عاديين. ورفضت الشرطة الوطنية الإسبانية الحديث حول هذا الحدث زدًا على استفسار من DW.

تناقضات في شهادات الشهود

تعمل لويلا سين أحمد ندياي محامية في جزر الكناري وتتعامل بشكل منتظم مع حالات مماثلة. وتقول إنَّ هناك مجموعة كبيرة من الأسباب التي تجعل ملاحقة جرائم العنف المرتكبة على متن قوارب المهاجرين أمرًا صعبًا للغاية. وتضيف أنَّ هذا يبدأ أولًا بمسائل الاختصاص القضائي، لأنَّ هذه الجرائم غالبًا ما لا تقع على الأراضي الإسبانية ولا تتعلق بمواطنون إسبان. ويضاف إلى ذلك وجود مشاكل كبيرة مع شهادات الشهود.

وتقول لولا ندياي إنَّ "الكثير من تقارير الشرطة التي اطلعنا عليها تبيّن أنَّ الناس يفقدون إحساسهم بالوقت. لأنَّ البرد وعدم اليقين وعدم رؤية اليابسة في الأفق وكذلك الخوف - كل هذا يمكن أن يؤدي إلى تدهور صحتهم النفسية بشكلٍ كبير". وتضيف: "حتى الجلوس في مقدمة القارب أو مؤخرته يحدث فرقًا، ولذلك غالبًا ما لا تقدم الشهادات صورة واضحة".

ويضاف إلى ذلك أنَّ الكثير من الركاب الناجين يرفضون التعاون مع السلطات الإسبانية. ولا يثقون حتى بالمحامين المنتدبين للدفاع عنهم. وتقول لولا ندياي: "بعد قضائهم عشرة إلى أربعة عشر يومًا في البحر، يكونون مرعوبين وآخر ما يريدونه هو مواجهتهم قضية في المحكمة وإدارنة المسافرين معهم". وغالبًا ما يكون الضحايا من المجموعات الأضعف على متن القارب: "الأطفال والقصّر الذين يسافرون بمفردهم، وطبعًا النساء". وفي النهاية هذا يؤدي كثير من الحالات عدم وجود ملاحقة قضائية وعدم تقديم تعويضات يستحقها في الواقع جميع ضحايا العنف وعائلاتهم".

بعد الارتفات السريعة في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، انخفض الآن عدد المهاجرين الوافدين إلى جزر الكناري. في هذه الصورة: ميناء لا ريستينغا في إل هييروصورة من: IMAGO/ABACAPRESS

لا يوجد مكان للحزن

والتعويض المالي ليس مهمًا بالنسبة للمهاجر إسماعيل واتارا، الذي فقد زوجته وابنته. وبعد أربع سنين من الحادث المروّع في المحيط الأطلسي، بنى حياة جديدة في جزر الكناري مع ابنته الكبرى، التي نجت مثله من رحلة العبور. لكنه يتمنى حتى اليوم وجود مكان يستطيع فيه الحزن على زوجته وابنته. ويقول: "لم يبقَ لي سوى الذكريات. لا يوجد قبر أستطيع وضع الزهور عليه. وهذا يجعل تحمّلي الوضع صعبًا جدًا".

تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع نايرا كولادو

أعده للعربية: رائد الباش


DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا