في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تعيش مدينة سنجة، عاصمة ولاية سنار - التي تبعد نحو 360 كيلومتراً جنوب شرقي الخرطوم - عتمةً خانقة لأربعة أشهر متواصلة بلا كهرباء، وسط صمت رسمي مطبق أثار الغضب وعمّق شعور السكان بأن المدينة تُركت لمصيرها.
وتقع سنجة على الضفة الغربية للنيل الأزرق على ارتفاع يقارب 439 متراً فوق سطح البحر، وتبعد نحو 60 كيلومتراً عن مدينة سنار التي تحمل الولاية اسمها. وتُعد سنجة من المدن التاريخية في السودان، وتتميّز بتنوّعها البيئي والسكاني ومواردها الزراعية والحيوانية، كما تضم سوقاً كبيرة للمحاصيل - في مقدمتها السمسم والذرة- ومحطة أبحاث بيطرية بارزة، فضلاً عن ارتباط اسمها بأحد أقدم الاكتشافات الأثرية الأحفورية للإنسان في البلاد.
الانقطاع الطويل، في مدينة يفصلها النيل الأزرق إلى شطرين وتقع على مقربة من اثنين من أقدم السدود المائية لتوليد الكهرباء في السودان- الروصيرص وسنار- لم يعد أزمة عابرة، بل تحوّل طوال الأشهر الماضية، إلى شلل شبه كامل في كل مفاصل الحياة الاقتصادية والخدمية، بينما تزايدت الاتهامات للجهات المختصة بالعجز - أو الإهمال المتعمد- عن إصلاح المحطة التحويلية التي استهدفتها قوات «الدعم السريع» في 24 أكتوبر الماضي.
فقد عاد كثير من المواطنين إلى سنجة لإعادة إعمار منازلهم المنهوبة، حاملين آمال استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، لكنهم اصطدموا بواقع وصفوه بـ«مدينة ميتة خدمياً». بلا كهرباء، بلا بدائل، وبلا مؤشرات واضحة على انفراج قريب، تعطلت المهن الصغيرة، وتراجعت حركة الأسواق، وتوقفت المرافق العامة والخاصة عن أداء أبسط وظائفها.
يقول أحد مواطني سنجة لـ«العربية.نت» إن استهداف محطة الكهرباء التحويلية في 24 أكتوبر الماضي ترك المدينة في مهبّ انقطاعٍ طويل لم تُفلح الجهود في معالجته جذرياً حتى الآن، مشيراً إلى أن الإمداد الكهربائي في الأشهر الماضية - إن وُجد - يُجلب من مدن أخرى مثل الفاو والقضارف، ويصل شحيحاً يُوزَّع بالساعات على أحياء متفرقة. ويضيف أن «الحالة كانت سيئة للغاية، لا سيما في المتاجر والأسواق ومع الطلاب الممتحنين، في ظل أزمة أعقبت عودة المواطنين إلى مدينة منهوبة، وبعض المنازل مدمّر بالكامل».
ويؤكد أن الطاقة الشمسية تحوّلت إلى «طوق نجاة» للأسر ، غير أن أسعارها الباهظة تجعل البقاء في سنجة شبه مستحيل. «الضيق والحزن والتذمر، كانت النغمة السائدة الآن»، يقول، «ومع شحّ المياه تضاعفت المعاناة، لأن ضخّ المياه مرتبط بالكهرباء ارتباطاً وثيقاً، كالتوأمين السياميين».
وأضاف لـ"العربية.نت": «رغم الجهود الحكومية المعلنة، هناك أحياء كاملة بلا كهرباء ولا مياه لأشهر. براميل المياه تُنقل بعربات تجرّها الدواب وتباع بأسعار فلكية تصل إلى 12 ألف جنيه سوداني، أي نحو 3.5 دولار. أوقفنا تشغيل معظم الأجهزة الكهربائية، والخضار واللحوم باتت رزق اليوم باليوم، والسوق شبه مشلول، مع سخانة خانقة وبعوض كثيف، ورمضان على الأبواب، والسلطات صامتة».
وتكشف إفادات ميدانية أخرى لـ«العربية.نت» عن فداحة الأزمة في القرى المجاورة؛ إذ يقول أحد السكان: «أفضل ما في سنجة وجود برمجة للكهرباء، أما القرى فهي محرومة تماماً. يجب تشكيل لجان من الأحياء لتصعيد المشكلة إلى الجهات العليا، فالكهرباء والمياه أبسط مقومات الحياة».
ويضيف مواطن من محلية الدندر بولاية سنار: «الكهرباء تأتي أربع ساعات فقط في اليوم، وكل عشر دقائق تنقطع. والماء… الماء أولاً، فقد أنهكنا انقطاعه المستمر، فهو أهم من الكهرباء».
هذه الإفادات تعكس معاناة العائدين إلى سنجة، وتكشف حجم الإحباط والغضب الشعبي، وتبرز اتساع رقعة الأزمة خارج المدينة إلى القرى المجاورة، الأشهر الماضية.
والتقى وفد من مواطني مدينة سنجة، الثلاثاء الماضي، بوالي ولاية سنار لنقل شكاوى المواطنين من تفاقم انقطاع الكهرباء والمياه. وكشف اللقاء — بحسب أعضاء في الوفد — عن أرقام وُصفت بـ«الصادمة»، إذ تجاوزت تكلفة زيوت الصيانة نحو 1.5 مليار جنيه سوداني، فيما قُدِّرت قيمة المحول الذي استهدفته طائرة مسيّرة بأكثر من 9 ملايين دولار.
وعلى إثر الاجتماع، أصدر الوالي توجيهات فورية بإعادة التيار، وهو ما تحقق جزئياً يوم الأربعاء، قبل أن يشهد تذبذباً يوم الخميس، ثم يعود ويستقر حتى نهار الجمعة، في انفراجة محدودة أعادت الحركة لقطاعات إنتاجية كالنِّجارة والحدادة، وبثّت قدراً من الحيوية في أسواق المدينة بعد ركود طويل.
ورغم هذه الانفراجة الجزئية، لا تزال الأزمة تلقي بظلالها على محلية سنجة بوحداتها الإدارية الثلاث: سنجة، أم بنين، وأم شوكة، التي يقطنها أكثر من 100 ألف نسمة، موزعين على أحياء عدة داخل المدينة وخارجها.
التيار المقطوع لم يكتفِ بإغراق المدينة في الظلام، بل فاقم معاناة الأسر مع ارتفاع حاد في أسعار الوقود وشح وسائل الطاقة البديلة. الإضاءة المنزلية وتشغيل الأجهزة الضرورية باتت رفاهية لا يقدر عليها كثيرون، فيما تزايد الاحتقان الشعبي مع استمرار تحصيل رسوم الإمداد الكهربائي مقدماً، في مفارقة صادمة بين جباية لا تنقطع وخدمة غائبة، من دون إعلان واضح لخطط إنقاذ أو جداول زمنية محددة.
في الأحياء السكنية، ظل التجار يغلقون محالهم مبكراً، واعتمد الطلاب على شاشات الهواتف للمذاكرة، وواجه المرضى صعوبات في تشغيل الأجهزة الطبية المنزلية. ومع غياب الإنارة، تحولت الشوارع إلى مساحات موحشة، بينما تعاظمت المخاطر الأمنية والصحية، وتواصل شحّ المياه نتيجة الارتباط الوثيق بين الإمداد الكهربائي ومحطات الضخ.
طيلة الأشهر الماضية، تغذى السخط الشعبي من التناقض الصارخ بين خطاب رسمي يشجّع على العودة والإعمار، وواقع ميداني يفتقر - بحسب السكان - لأبسط مقومات الحياة. مطالب المواطنين لم تعد رفاهية، بل صرخة ملحّة لإعلان جدول زمني واضح لعودة التيار بصورة مستقرة، أو توفير حلول إسعافية مؤقتة تخفف وطأة الانهيار الخدمي.
وسط هذا الظلام الدامس، تزايدت الأسئلة في سنجة: هل كان العجز تقنيا مؤقتا أم تجاهلا ممنهجا؟ ولماذا تُترك عاصمة ولاية بأكملها رهينة العتمة وشحّ المياه، بينما تتوارى المعالجات العاجلة خلف جدار الصمت؟ أسئلة ترددت في مدينة أنهكها الانتظار، وتخشى أن يتحول الظلام المؤقت، إلى واقع دائم.
المصدر:
العربيّة