آخر الأخبار

طفيلي قاتل ينتقل من القطط ويهدد بالإجهاض والعمى

شارك

لم تكن ريم تتوقع أن يكون سؤال الممرضة بعد خروجها من عملية إجهاض مفاجئ: "هل توجد قطط في محيطك؟". بدا السؤال غريبا بالنسبة إليها، فهي لا تربي القطط ولا تتعامل معها. لكن ريم، التي تقطن في منطقة ريفية، تعيش وسط مزرعة صغيرة تضم دواجن ومواشي، وتعاني أسرتها مثل كثيرين من انقطاعات متكررة في المياه وضعف خدمات النظافة والصرف.

لاحقا، بدأ السؤال يأخذ معنى مختلفا. فطفيلي "التوكسوبلازما"، أو ما يعرف بداء المقوسات، لا يحتاج دائما إلى قطة داخل البيت حتى يصل إلى الإنسان. قد يكفي ماء ملوث، أو خضروات لم تُغسل جيدا، أو لحم غير مطهو كفاية، أو تربة حملت بيوض الطفيلي ثم وجدت طريقها إلى الطعام أو اليدين.

هذه الطبيعة الخفية للمرض، واتساع انتشاره، وخطورته على الحوامل ومرضى ضعف المناعة والبصر، دفعت مجموعة من الخبراء إلى المطالبة بإدراج داء المقوسات ضمن قائمة منظمة الصحة العالمية للأمراض المدارية المهملة، حتى يحظى بالتمويل والبحث والتدخلات الصحية التي تتناسب مع عبئه الحقيقي. ونشرت هذه الدعوة في دراسة بدورية PLOS Neglected Tropical Diseases في 25 يونيو/حزيران 2026.

طفيلي شائع لكنه منسي

داء المقوسات مرض طفيلي يسببه كائن دقيق يسمى Toxoplasma gondii. وفي معظم الحالات، لا يشعر المصاب بأي شيء، أو يمر المرض بأعراض خفيفة تشبه الإنفلونزا، ثم يدخل الطفيلي في حالة خمول داخل أنسجة الجسم.

لكن خطورته لا تقاس بالأعراض العابرة وحدها. فالعدوى قد تصبح مدمرة إذا أصابت امرأة لأول مرة أثناء الحمل، أو إذا نشط الطفيلي لدى شخص يعاني ضعفا شديدا في المناعة، أو إذا أصاب العين وتسبب في التهاب وندبات في الشبكية قد تقود إلى تدهور البصر.

وتشير الدراسة إلى أن داء المقوسات من أكثر الأمراض الطفيلية شيوعا بين البشر، وأنه يمثل أحد الأسباب المهمة لالتهابات العين داخل المقلة عالميا، ومع ذلك لا يزال محدود الحضور في أجندات الصحة العامة والتمويل البحثي.

مصدر الصورة القطط، ومعها فصيلة السنوريات هي العائل النهائي للطفيلي حيث يستطيع التكاثر جنسيا داخل أمعائها (أسوشيتد برس)

لماذا تذكر القطط دائما؟

اكتسب داء المقوسات شهرته من ارتباطه بالقطط، حتى صار كثيرون يختزلون المرض في مربي القطط فقط. لكن الصورة أكثر تعقيدا.

إعلان

القطط، ومعها فصيلة السنوريات مثل الأسود والنمور، هي العائل النهائي للطفيلي؛ أي الكائنات التي يستطيع الطفيلي التكاثر جنسيا داخل أمعائها. وبعد ذلك تخرج بيوض الطفيلي مع البراز، فتلوث التربة أو المياه أو المزروعات.

أما الإنسان والأغنام والأبقار والماعز والدواجن والقوارض وغيرها من الثدييات والطيور، فهي عوائل وسيطة. قد تحمل الطفيلي في أنسجتها دون أن تظهر عليها أعراض واضحة، ومن هنا ينتقل إلى الإنسان عبر مسارات أخرى لا علاقة مباشرة لها بوجود قطة داخل المنزل.

يوضح الدكتور مجدي عباس علي، استشاري الحميات والأمراض المتوطنة، أن "الإنسان قد يصاب بالعدوى دون أن يرى قطة في حياته"، مشيرا إلى أن انتقال الطفيلي يحدث غالبا عبر تناول لحوم غير مطهوة جيدا تحتوي على حويصلات الطفيلي، أو أكل خضروات وفواكه نمت في تربة ملوثة ولم تُغسل بعناية، أو شرب مياه غير معالجة تحمل بيوض الطفيلي.

وبحسب الدراسة، ينتقل الطفيلي إلى الإنسان أساسا عبر اللحوم النيئة أو غير المطهوة جيدا المحتوية على أكياس نسيجية، أو عبر مياه ومنتجات طازجة ملوثة ببيوض يطرحها العائل السنوري النهائي.

حين يصمت المرض داخل الجسم

المفارقة في داء المقوسات أنه قد يكون هادئا أغلب الوقت، وعنيفا عندما يجد الفرصة المناسبة. فبعد العدوى الأولية، ينجح الجهاز المناعي غالبا في السيطرة عليه، لكنه لا يطرده تماما من الجسم. يبقى الطفيلي متحوصلا في العضلات أو الدماغ أو أنسجة أخرى، في حالة كمون قد تستمر مدى الحياة.

يوضح الدكتور مجدي للجزيرة نت أن أغلب الحالات "تمر دون أعراض، أو تظهر في صورة أعراض خفيفة تشبه الإنفلونزا، ثم يدخل الطفيلي في مرحلة خمول، حيث يتحوصل داخل العضلات والدماغ دون أن يسبب ضررا واضحا".

لكن هذا الصمت مشروط بسلامة المناعة. فإذا تعرض الشخص لضعف مناعي شديد، كما يحدث لدى بعض مرضى السرطان أثناء العلاج الكيماوي، أو مرضى الإيدز، أو من خضعوا لزراعة أعضاء ويتناولون أدوية مثبطة للمناعة، قد ينشط الطفيلي من جديد ويهاجم الجهاز العصبي المركزي، مسببا التهاب الدماغ.

ويشدد الدكتور مجدي على أن ضعف المناعة البسيط أو غير الحاد، مثل الأنيميا أو بعض المشكلات الصحية المعتادة، لا يعني بالضرورة إعادة تنشيط الطفيلي.

مصدر الصورة قد يؤدي المرض إلى الإجهاض، أو موت الجنين، أو ولادة طفل يعاني مشكلات بصرية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

الحوامل.. الخطر في العدوى الأولى

تظل الحوامل من أكثر الفئات حساسية تجاه داء المقوسات، لكن الخطر لا يتعلق بأي إصابة قديمة كما يعتقد كثيرون. الخوف الأكبر يكون عندما تصاب المرأة بالعدوى لأول مرة أثناء الحمل، إذ يمكن للطفيلي أن يعبر المشيمة ويصل إلى الجنين.

في هذه الحالة، قد يؤدي المرض إلى الإجهاض، أو موت الجنين، أو ولادة طفل يعاني تلفا عصبيا أو مشكلات بصرية قد تظهر مبكرا أو تتطور لاحقا في الطفولة والشباب. وتشير الدراسة إلى أن انتقال الطفيلي عبر المشيمة من أم أصيبت حديثا قد يؤدي إلى إجهاض أو عاهات عصبية وبصرية طويلة الأمد.

لذلك، فإن الربط الشائع بين داء المقوسات و"الإجهاض المتكرر" يحتاج إلى ضبط طبي. فوجود أجسام مضادة بسبب عدوى قديمة لا يعني عادة أن الحمل الحالي في خطر، ولا يبرر العلاج وحده. مصدر القلق الحقيقي هو العدوى الأولية أثناء الحمل، ولهذا تكتسب الفحوص المبكرة والرعاية السابقة للولادة أهمية خاصة في المناطق عالية الخطورة.

هل يحتاج كل مصاب إلى علاج؟

لا يحتاج أغلب المصابين بداء المقوسات إلى علاج دوائي، لأن الجهاز المناعي يسيطر على العدوى في معظم الحالات. لكن العلاج يصبح ضروريا في حالات محددة، خاصة عند إصابة العين، أو العدوى الخلقية عند الأطفال، أو المرضى ذوي المناعة الضعيفة بشدة، أو أثناء الحمل حسب توقيت العدوى وتقدير الطبيب.

إعلان

وفي حالات التهاب شبكية العين، قد يؤدي الطفيلي إلى ندبات وضعف شديد في البصر أو حتى العمى، ما يجعل التدخل العلاجي السريع مهما لتقليل الضرر. كما يحتاج مرضى نقص المناعة إلى علاج ومتابعة دقيقة، لأن الطفيلي قد يعاود النشاط حتى بعد السيطرة على النوبة الحادة.

وحتى الآن لا يوجد لقاح مرخص للبشر ضد داء المقوسات، وهو ما يعده الخبراء أحد مظاهر الإهمال البحثي للمرض. فالدراسة تشير إلى أن الاعتراف به كمرض مداري مهمل قد يفتح الباب أمام تمويل أكبر للوقاية والتشخيص والعلاج وبناء القدرات الصحية.

مرض الفقراء

لا يقف داء المقوسات عند حدود الطب، بل يمتد إلى العدالة الاجتماعية. فالمجتمعات الفقيرة تتحمل العبء الأكبر، لأنها غالبا أقل قدرة على ضمان مياه آمنة، وصرف صحي جيد، ورعاية حمل منتظمة، فحوص مبكرة، وغذاء آمن من التلوث.

وتوضح الدراسة أن ارتفاع خطر الإصابة يرتبط بالبيئات التي تعاني محدودية الوصول إلى المياه المأمونة، وضعف الصرف الصحي، وتفاوت سلامة الغذاء، وضعف خدمات الرعاية الصحية، خاصة في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا ومناطق أخرى منخفضة الموارد. كما تسهم درجات الحرارة الدافئة والرطوبة والأمطار في بقاء بيوض الطفيلي مدة أطول في البيئة وتلوث التربة والمياه والمنتجات الطازجة.

هنا يتحول المرض إلى حلقة من حلقات الفقر. فالأم التي لا تصل إلى فحص مبكر قد تلد طفلاً يعاني إعاقة بصرية أو عصبية دائمة، فتتحمل الأسرة كلفة علاج طويل وزيارات متكررة للمستشفيات وفقدانا في الدخل والفرص التعليمية والعملية. وهذا ما تصفه الدراسة بفخ شبيه بما تسببه أمراض مدارية مهملة أخرى، حيث تبتلع الإعاقة موارد الأسرة وتعيد إنتاج هشاشتها الاجتماعية والاقتصادية.

وتكشف المقارنة التمويلية حجم التهميش. فبحسب الدراسة، حصلت أبحاث داء المقوسات بين عامي 2018 و2024 على ما يعادل 177 دولارًا لكل سنة حياة معدلة حسب الإعاقة، مقابل 283 دولارًا للتراخوما و337 دولارًا لمرض شاغاس، وهما من الأمراض المدارية المهملة المعترف بها.

مصدر الصورة ارتفاع خطر الإصابة يرتبط بالبيئات التي تعاني محدودية الوصول إلى المياه النظيفة (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

لماذا يريد الخبراء إدراجه ضمن الأمراض المهملة؟

تعرف منظمة الصحة العالمية الأمراض المدارية المهملة بأنها مجموعة من الاعتلالات التي تسببها كائنات متنوعة، منها الطفيليات والبكتيريا والفيروسات والفطريات والسموم، وترتبط بعواقب صحية واجتماعية واقتصادية قاسية، وتنتشر غالبا بين المجتمعات الفقيرة في المناطق المدارية، وإن كان بعضها يمتد جغرافيا على نطاق أوسع.

وبحسب المنظمة، تؤثر هذه الأمراض في أكثر من مليار شخص، وترتبط بالبيئة والخزانات الحيوانية ودورات حياة معقدة، ما يجعل السيطرة عليها تحديا للصحة العامة.

يرى الخبراء أن داء المقوسات يستوفي هذه المعايير: ينتشر في بيئات فقيرة، يسبب عواقب طويلة المدى، يمكن الوقاية منه، يعاني نقص التمويل والاهتمام، ويتطلب استجابة لا تقتصر على الطبيب وحده.

ولا يمكن محاصرة داء المقوسات من عيادة النساء والولادة فقط، ولا من عيادة العيون وحدها. فالمشكلة تبدأ من تداخل الإنسان والحيوان والغذاء والماء والبيئة، ولهذا تدعو الدراسة إلى تبني نهج "صحة واحدة" (One Health)، الذي يربط بين الطب البشري والبيطري والزراعة والبيئة وسلامة الغذاء.

عمليا، يعني ذلك تحسين فحوص الحمل والرعاية السابقة للولادة، وضمان مياه شرب آمنة، وتشديد سلامة الغذاء، وغسل الخضروات والفواكه جيدا، وطهي اللحوم بما يكفي، وتعزيز الأمن الحيوي في المزارع، وإدارة مخلفات الحيوانات والمسالخ بصورة آمنة، والتعامل المنظم مع القطط الضالة دون تهويل أو شيطنة للقطط المنزلية.

لقد تخطت ريم ألم فقدان الجنين، لكنها لا تزال تتمنى أن تعرف نساء أخريات ما لم تكن تعرفه هي: أن الخطر لا يبدأ دائما من قطة في البيت، بل قد يأتي من ماء ملوث، أو تربة فقيرة بالخدمات، أو لحم لم ينضج كفاية، أو نظام صحي لا يرى المرض إلا بعد وقوع الخسارة.

إعلان

داء المقوسات ليس مرضا صاخبا، لكنه يترك آثارا عميقة حين يصيب الأضعف: جنينا لم يولد بعد، أو عينا تفقد قدرتها على الرؤية، أو أسرة فقيرة تدخل دوامة رعاية طويلة. ومن هنا تبدو المطالبة بإخراجه من دائرة الإهمال أكثر من مطلب علمي؛ إنها دعوة لإنصاف من يدفعون ثمن المرض في صمت.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار