الكمية على حساب الجودة.. كيف أثرت الحرب والحصار على موائد الإيرانيين؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- بينما تجاوز سعر الصرف، الأربعاء الماضي، عتبة مليونين و550 ألف ريال إيراني لكل دولار في سوق الصرافة وسط العاصمة الإيرانية، كانت زيبا أحمدي (45 عاما وهي عاملة بمكتب عقارات) تقارن أسعار العلامات التجارية المختلفة للمعكرونة في سوق "مجيدية " شرقي المدينة قبل وضعها عربة التسوق.
وتقول المواطنة في حديث للجزيرة نت "الحرب والحصار لم يفرغا أرفف المتاجر، بل أفرغا جيوبنا جراء تسارع وتيرة التضخم.. بعد 7 أشهر من الحرب لم نعانِ من نفاد المواد الغذائية، بل نقص المال لشرائها".
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 ارتفاع حاد للتضخم بمنطقة اليورو مدفوع بأسعار الطاقة
* list 2 of 2 الصين وبطاريات التخزين.. عنق زجاجة التحول الطاقي العالمي end of list
وتضيف هذه المرأة أنها فقدت جزءا كبيرا من دخلها الشهري جراء تضرر قطاع السكن مؤخرا مما انعكس سلبا على مائدة أسرتها، مضيفة أنه رغم زيادة راتب زوجها بنسبة 20% في العام الإيراني الجاري (بدأ في 21 مارس/آذار الماضي) بيد أن التضخم المتصاعد أزاح هذه الزيادة، ووضع شريحة كبيرة جدا من الطبقة الوسطی تحت عتبة الفقر.
مصدر الصورة
ثم تنظر المواطنة الإيرانية من جديد إلى ورقة صغيرة كانت تمسكها بيدها وقد كتبت عليها قائمة مشترياتها، وهي تقول "قبل الحرب كنت أشتري ضعف ما في القائمة دفعة واحدة، لكن اليوم أشتري نصفها لأن القدرة الشرائية لدينا تراجعت كثيرا، فأمسيت أختار علامات تجارية أقل جودة وأرخص مقارنة مع الفترة الماضية، ناهيك عن أننا استغنينا عن وجبة عشاء نهاية الأسبوع التي كنا نتناولها بالمطاعم القريبة من ملاهي الأطفال.. صحيح أننا لا نموت جوعا لكن تقلصت مائدتنا".
صورة قاتمة
هذا المشهد صار قاعدة في إيران بعد مرور نحو 7 أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، ومع إحكام الحصار البحري والجوي الأمريكي على البلاد، وتقلص حركة الاستيراد والتصدير يجد اقتصادها الوطني نفسه أمام أزمة مركبة: نقص بالعملة الصعبة وفقدان العملة المحلية جزءا كبيرا آخر من قيمتها، مما ينعكس سلبا باستمرار على الوضع المعيشي، ومائدة الأسرة الإيرانية.
وفي غضون ذلك، كشفت أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني صورة قاتمة عن انهيار قيمة العملة، ففي سبتمبر/أيلول الماضي بلغ التضخم الشهري 4.2%، في حين سجل التضخم 89.8% على أساس سنوي (بين سبتمبر/أيلول عامي 2026 و2025).
وأما تضخم المواد الغذائية فقد بلغ نسبة 121.1% على أساس سنوي، كما ارتفعت أسعار الخبز والحبوب 121.8%، واللحوم الحمراء والدواجن 115.2%، والزيوت والدهون 196.6%، والألبان والبيض 118.7%.
مصدر الصورة
وتعلن هذه الأرقام رسميا عن التضخم في الشهر الإيراني الماضي (انتهى في 22 سبتمبر/أيلول الماضي) في وقت ارتفعت نفقات الأسرة الحضرية بنسبة 45.4%، بينما لم يرتفع الدخل المعلن سوى بـ41.2%. وفي الأرياف الإيرانية كانت الأرقام مختلفة قليلا فقد ارتفعت النفقات 52.3% مقابل نمو دخل بنسبة 47.5% فقط.
وانطلاقا من هذه الأرقام حيث تنمو النفقات بسرعة تفوق دخل الأسرة، يبرز سؤال ملح: كيف تتدبر الأسر الإيرانية، لا سيما تلك التي تعتمد على راتب واحد، الفجوة المتسعة بين دخل يذوب جراء فقدان العملة قيمتها وما تحتاجه الأسرة للبقاء؟
حلول قاسية
وفي جولة للجزيرة نت بشوارع طهران، تحدث عدد من الموظفين وأصحاب المهن ثابتة الدخل عن لجوئهم إلى حلول قاسية كالعمل ساعات إضافية بعد انتهاء موعد الدوام، أو مضاعفة المناوبات الشهرية، أو التعاون مع تطبيقات النقل بعد مغادرة الدوائر الرسمية.
يقول يوسف (27 عاما المدرس بالمرحلة الابتدائية) إنه يعمل ساعات طويلة كل يوم في قطاع النقل على التطبيقات الإلكترونية، وذلك بعد الانتهاء من دوامه وحتى خلال عطلة نهاية الأسبوع، موضحا أنه يتقاضى راتبا لا يتجاوز نحو 290 مليون ريال (166 دولاراً) في حين يسدد شهريا نحو 110 ملايين ريال منه (63 دولاراً) لإيجار الشقة.
وفي حديثه للجزيرة نت يتابع يوسف "ابنتي الصغيرة تسألني كل ليلة لماذا لا تلعب معي؟ فهي طفلة لا تعرف شيئا عن قساوة الحياة، لكن الظروف التي نمر بها لا ترحم.. نحن نعيش في زمن لا يكفي فيه التعليم والشهادة الأكاديمية لتأمين لقمة العيش" موضحا أن راتب المُدرس كان يوازي 380 دولارا قبل 20 عاما، لكن قيمته ذابت جراء التضخم حتى تراجع إلى ما يعادل 130 دولارا في الوقت الراهن.
برامج الدعم
وعن برنامج "كالا برك " الذي عممته الحكومة الإيرانية الشتاء الماضي لدعم الأسر بغرض شراء 11 سلعة أساسية، يقول يوسف إن المبلغ الثابت بحدود 10 ملايين ريال (5.7 دولارات) منذ مطلع العام الحالي قد فقد نحو 70% من قيمته، وأنه خلال أقل من عام صار مجرد رقم صغير لا يعني شيئا أمام فاتورة السوق، مضيفا أن أسعار البنزين تضاعفت عدة مرات منذ ذلك الحين، لكن مبلغ الدعم الحكومي لم يتغير بعد.
وللوقوف على برامج السلطات المعنية لدعم الطبقات محدودة الدخل، وعما إذا كانت سترفع مبالغ برنامج "كالا برك " لتعزيز قدرة المواطن الشرائية، حاولت الجزيرة نت التواصل مع المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني لكن دون جدوى.
في حين بدت بلدية طهران -التي يرأسها المرشح الرئاسي السابق علي رضا زاكاني الذي طالما نافس مرشحي التيار الإصلاحي- وكأنها تسعى إلى ملء هذا الفراغ بطريقتها الخاصة؛ إذ أطلقت الأربعاء الماضي ما أسمته حملة "صفر تضخم " الموجهة للأسر الطهرانية (نسبة لطهران) لإبقاء أسعار 12 سلعة أساسية ثابتة لمدة 6 شهور، وذلك من خلال طرحها في الأسواق التابعة للبلدية في ربوع المدينة.
مصدر الصورة
تقليص الاستهلاك
ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة طهران آلبرت بغزيان أن أزمة الأسعار لم تكن مفاجئة لمن يتابع المؤشرات المؤدية إلى الحرب الأخيرة، وما تخلفه الحروب على الوضع المعيشي جراء تقييدها للتجارة ونفاد بعض السلع، ثم ارتفاع أسعارها وكذلك احتكارها وتخزينها، بينما تبقى الرواتب في إيران ثابتة، وهو ما يؤدي إلى تقلص ما يوضع على موائد المواطنين.
وفي حديثه للجزيرة نت، يتابع بغزيان "عندما ترتفع الأسعار وتبقى مداخيل الناس ثابتة، فإن الفارق يُسد عبر تقليص الاستهلاك، فتبدأ الأسرة بحذف الكماليات ومنها السفر، والترفيه، والملابس الجديدة، والمطاعم. ثم تنتقل إلى تقليص الضروريات مثل البروتين والألبان وغيرها، وفي المراحل المتقدمة يصل الأمر إلى تقليص العلاج والدواء".
ولدى إشارة أستاذ الاقتصاد إلى "انزلاق الطبقة الوسطى إلى تحت عتبة الفقر وسحق الطبقة الفقيرة أصلا جراء التضخم المستفحل " ينتقل إلى تفسيره مفارقة "الأرفف الممتلئة" موضحا أنه "عندما نذهب للأسواق ونجد كل شيء موجودا، فهناك تفسيران: الأول أن الناس فقدوا القدرة الشرائية، والثاني أننا نضخ من المخزون الإستراتيجي لملء الأسواق".
مصدر الصورة
ويختم بغزيان تصريحه بتحليل عميق للتحول في نمط الحياة بالقول "ما نراه اليوم تغيير في نمط الاستهلاك. الأسر تبدأ بتأمين الاحتياجات الأساسية مثل تأمين كمية الغذاء على حساب جودته، ثم تنتقل إلى ما هو أقل أهمية. لكن المهم في هذا التحول هو تراجع جودة معيشة المواطن، ذلك لأن المستأجر بدأ يهاجر من المناطق المرفهة إلى المناطق الشعبية والضواحي، كما أن التعليم تأثر والأسر بدأت تسحب أبناءها من المدارس الخاصة وتنقلهم إلى الحكومية".
ويضيف المتحدث نفسه أن هناك مؤشرات على أن "جودة الغذاء تراجعت من اللحوم إلى الكربوهيدرات، ومن الحليب الجيد إلى البدائل الأرخص".