آخر الأخبار

اشتر الآن وادفع لاحقا.. كيف غيرت فاليو وشركات التمويل حياة المصريين؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يعد رنين الهاتف بالنسبة إلى أم حبيبة حدثا عاديا. بعد وفاة والدها وتعثر الأسرة في سداد أقساط جهاز كهربائي اشترته بنظام التمويل الاستهلاكي، صارت المكالمات القادمة من أرقام مجهولة تحمل معها سؤالا واحدا: ماذا سيقول المحصل هذه المرة؟ كانت الأسرة، بحسب روايتها، تطلب مهلة أو إعادة جدولة للدين، إلى أن جاءتها العبارة التي اختصرت فجأة المسافة بين معاملة مالية يفترض أنها حديثة ومنظمة وبين عالم أكثر خشونة: "خلي أبوكي يطلع من التُربة ويدفع لك".

ليست هذه القصة التي وردت في تغطية صحفية محلية مجرد حكاية فردية. فخلال عام 2026، توالت في الصحافة شهادات لعملاء تحدثوا عن مكالمات متكررة في ساعات مختلفة، وتهديد بزيارة المنزل أو مكان العمل، والاتصال بالأقارب والجيران، واستخدام الإهانة والخوف من "الفضيحة" وسيلة لدفع المتعثر إلى تدبير القسط بأي طريقة.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 السيارات الفارهة.. رمز نجاح أم حفرة تبتلع أموالك؟
* list 2 of 3 قبل الغرق في الديون.. نصائح لتجنب "أفخاخ" بطاقات الائتمان والقروض
* list 3 of 3 انتحار بسبب الأقساط.. المخبر الاقتصادي يكشف فخ تطبيقات "الإقراض المفترس" end of list

أحد العملاء قال إن موظف تحصيل هدده بأن يأتي إلى منزله ويفضحه أمام جيرانه وعروسه، فيما تحدث آخرون عن ضغوط دفعتهم إلى الاستدانة من أصدقاء أو من جهة تمويل أخرى فقط لإسكات المطالبات الأولى. ولا تعني هذه الشهادات بالضرورة أن تلك الممارسات سياسة عامة لشركات التمويل، لكنها كانت متكررة بما يكفي لأن يصبح تنظيم شركات التحصيل وحماية العملاء ملفا رسميا لدى هيئة الرقابة المالية، التي أصدرت قرارا العام الماضي لإنشاء سجل لجهات التحصيل، وحظر التعامل مع غير المقيدين فيه، وإلزام الشركات بإخطار العملاء بجهة التحصيل المعتمدة، والنظر في الشكاوى، وحماية سرية البيانات.

المفارقة أن هذا الوجه "القاسي" ظهر في اللحظة نفسها تقريبا التي كان فيها التمويل الاستهلاكي يحتفل بنجاحه الأكبر في مصر. فما كان نشاطا لا تتجاوز إجمالي تمويلاته نحو 8 مليارات جنيه (نحو 509 ملايين دولار بسعر ذلك الوقت) في عام 2020، أصبح بعد خمس سنوات سوقا تقترب قيمته السنوية من 100 مليار جنيه (نحو ملياري دولار) حسب بيانات عام 2025. وخلال النصف الأول من العام الحالي وحده، ارتفع الرقم إلى 71.8 مليار جنيه (حوالي 1.4 مليار دولار) بزيادة قدرها 88.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

إعلان

لم يعد القرض مرتبطا فقط بشراء سيارة أو شقة، بل دخل الهاتف المحمول والثلاجة والملابس والتعليم والعلاج والنادي الرياضي إلى عالم الأقساط. ومع كل ضغطة على زر "اشترِ الآن وادفع لاحقا"، صار جزءا إضافيا من راتب الشهر المقبل محجوزا قبل أن يصل إلى صاحبه.

"التضخم وانخفاض القوة الشرائية جعلا التقسيط وسيلة عملية لشراء الحاضر بدخل المستقبل"

هكذا تغيرت خبرة الأسرة المصرية مع المال خلال عقد واحد. فالتضخم وانخفاض القوة الشرائية جعلا التقسيط وسيلة عملية لشراء الحاضر بدخل المستقبل. وجعلت التكنولوجيا الحصول على التمويل أسرع من أي وقت مضى. ومنح الشمول المالي ملايين المصريين عنوانا ائتمانيا وسجلا ماليا يمكن تقييمه ومتابعته وتحصيل الأموال منه. لكن الوجه الآخر لهذه السهولة لا يظهر عند الضغط على زر الشراء، وإنما عندما يأتي موعد القسط ولا توجد نقود كافية في الحساب.

لا يتعلق التمويل الاستهلاكي بمعاملة اقتصادية معزولة فحسب، وإنما يمتد إلى الحياة الاجتماعية والظروف المعيشية والعلاقات الأسرية، ويذهب أبعد من ذلك ليغير علاقات القوة في المجتمع ويؤثر على "البنية الطبقية". لذلك من المهم أن نقرأ قصة التمويل الاستهلاكي في مصر، أي قصة انتقال القطاع المالي من تمويل المصانع والشركات إلى تمويل الحياة اليومية نفسها، وتحول دخل الأسرة ومستقبلها الاستهلاكي إلى أصل يمكن إقراضه وتسعيره وتحصيله وتحويله إلى أرباح مالية.

"الأمولة" على صعيد عالمي

تمثل البنوك والبورصات وشركات التأمين المؤسسات التقليدية للقطاع المالي الحديث، الذي توسع على نحو كبير منذ القرن التاسع عشر مع تطور الاقتصاد الرأسمالي، وحاجة المشاريع الصناعية والتجارية إلى التمويل. وقد أعيد تنظيم هذا القطاع بعد الحرب العالمية الثانية مانحا دورا مركزيا للدولة يفرض قيودا واسعة نسبيا على حركة رأس المال والأنشطة المالية لإدارة أسعار الصرف وميزان المدفوعات، وفي الوقت نفسه محاولة الحد من الإقراض عالي المخاطر والمضاربة التي تهدد استقرار القطاع المالي ومدخرات المودعين.

بدأ هذا العالم يتغير في السبعينيات، إذ انهار نظام "بريتون وودز" لأسعار الصرف الثابتة عام 1973، وتوسعت حركة رؤوس الأموال الدولية، وضخت فوائض النفط كتلة ضخمة من الأموال في النظام المصرفي العالمي، ثم جاءت موجة تحرير الأسواق المالية في الولايات المتحدة وبريطانيا التي بدأت ملامحها في السبعينيات وتسارعت في الثمانينيات. وبالتوازي، أدت التكنولوجيا والحواسب وشبكات الاتصال إلى خلق سوق مالية عالمية تستطيع فيها الأموال الانتقال بين نيويورك ولندن وطوكيو خلال لحظات.

وبمرور الوقت، اتسعت وظيفة القطاع المالي، فلم يعد البنك مجرد خزينة لودائع الأفراد ومقرضا للشركات الصناعية الكبرى، فقد توسعت صناديق الاستثمار وشركات الحصص الخاصة، وتحولت الديون المستحقة إلى أوراق مالية تبيعها الشركة أو البنك إلى جهة أخرى تحصل تلك الديون، وأصبحت الشركات نفسها أكثر انخراطا في الأسواق المالية.

تصف عالمة الاقتصاد الأمريكية غريتا كريبنر هذا التحول باعتباره نمطا اقتصاديا يصبح فيه تحقيق الأرباح معتمدا على القنوات المالية، لا على إنتاج السلع والتجارة وحدهما. فالشركة التي تنتج سلعا بمليون دولار، يمكنها بالتوازي عبر استثمار أموالها في أسواق المال وشراء الديون الحكومية أن تحقق مكاسب أكبر من ذلك. وبذلك ظهرت "الأمولة"، أي توسع نشاط وعوائد القطاع المالي في مقابل النشاط الصناعي والخدمي التقليدي.

إعلان

ومنذ الثمانينيات والتسعينيات، أخذ التمويل يتحرك كذلك في اتجاه الدخل المنزلي والحياة الفردية. فقد اتسع الرهن العقاري، وظهرت بطاقات الائتمان والقروض الطلابية، وتمويل السيارات، حتى جاءت أخيرا منصات "اشترِ الآن وادفع لاحقا" (Buy Now Pay Later). لم تعد الأسواق المالية تكتفي بتنظيم العلاقة بين المستثمرين والشركات، بل بدأت تنظم علاقة الفرد بمسكنه وتعليمه واستهلاكه.

"لم تعد الأسواق المالية تكتفي بتنظيم العلاقة بين المستثمرين والشركات، بل بدأت تنظم علاقة الفرد بمسكنه وتعليمه واستهلاكه"

يرصد عالم الاقتصاد كوستاس لابافيتساس هذا التحول حيث يرى أن دخل العامل نفسه أصبح مجالا للربح المالي، حيث يتحول جزء من أجر الموظف إلى فائدة على قرض السكن، وقسط السيارة، وبطاقة الائتمان، والتأمين ورسوم الخدمات المالية، فقد انتقلت الخدمات المالية من المصنع إلى المنزل. وبذلك ظهر اقتصاد "الفاير" (FIRE) ويعني: (القطاع المالي Finance، التأمين Insurance، العقارات Real Estate) كما يسميه عالم الاقتصاد الأمريكي مايكل هدسون، حيث يتمركز النشاط الاقتصادي حول القطاع العقاري والأنشطة المالية، ويصف هدسون ذلك بأنه نمط حديث من الربا الكلاسيكي.

مصر وظهور البيع بالأجل

تمثل التجربة المصرية خلال العقد الأخير نموذجا خاصا لهذا التحول. ظهر التقسيط قبل فترة طويلة من شركات التمويل الاستهلاكي المتخصصة، حين عرضت المتاجر ثلاجات وأثاثا وسلعا معمرة مقابل مقدم وأقساط شهرية، مع تقديم الزبون ضمانا أو إثبات دخل، وأحيانا باكتفاء التاجر بالمعرفة الشخصية بالمشتري مع توقيع إيصال أمانة. وقد تضمن مسح الدخل والإنفاق المصري لعام 1999/2000 بالفعل بنودا للفوائد المدفوعة على قروض شراء السلع الاستهلاكية والمعمرة والأقساط المدفوعة مقابل سلع تم الحصول عليها في أوقات سابقة، ما يؤكد أن الائتمان الاستهلاكي كان ظاهرة اجتماعية قائمة بالفعل.

لكن منذ أواخر التسعينيات، بدأت تظهر نسخة أكثر مؤسسية من التقسيط، فقد تأسست سلسلة متاجر أولمبيك عام 1997 التي أصبحت لاحقا بي تك، وكانت من رواد تجارة التجزئة المنظمة في الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات، وارتبط توسعها بخدمة التقسيط المباشر التي عُرفت باسم "ميني كاش"، وكان نموذجا مبكرا للائتمان (الإقراض) خارج المصرف.

ثم خطا التمويل الاستهلاكي خطوة مختلفة جذريا عام 2001 مع تأسيس "كونتاكت" التي تخصصت في تمويل شراء السيارات، وقدمت نفسها باعتبارها أول شركة مستقلة متخصصة في التمويل الاستهلاكي في مصر. وبذلك انفصل البيع عن التمويل، ففي حالة بي تك، كان التاجر نفسه هو من يقرض المشتري، أما مع ظهور "كونتاكت"، فقد أصبحت المعاملة من ثلاثة أطراف رسميا، بائع ومشتر ومقرض أو ممول.

ثم جاءت خطوة جديدة عام 2005، عندما دخلت كونتاكت عالم التوريق عبر شركة ثروة. أصدرت كونتاكت/ثروة ما تصفه المجموعة بأنه أول إصدار من نوعه في السوق المصرية، وهو ورقة مالية قوامها مئات القروض. لنفترض مثلا أن كونتاكت لديها حزمة من القروض بقيمة مليون جنيه، ولديها فوائد مستحقة على هذه القروض بقيمة نصف مليون جنيه، فيمكنها ألا تنتظر السداد، وإنما أن تقوم بتحويل هذه المستحقات إلى ورقة مالية بقيمة مليون وربع المليون جنيه بحيث تتنازل عن جزء من أرباحها مقابل السيولة النقدية، ويكسب المشتري فرق الفائدة على الأجل مقابل تحمل المخاطر وتكلفة التحصيل وأجل السداد). جعلت هذه الخطوة من الدَّين الاستهلاكي جزءا حقيقيا من عملية الأمولة، أي صناعة أصول مالية قابلة للتداول، وتحقيق أرباح من العملية المالية نفسها بمعزل عن الاحتكاك المباشر بالنشاط التجاري أو الإنتاجي.

مصدر الصورة دخلت كونتاكت عالم التوريق عبر شركة ثروة للأوراق المالية (موقع الشركة)

ثم جاءت البنية المعلوماتية اللازمة لتوسيع الائتمان عندما تأسست شركة آي سكور (I-Score) عام 2005، وبدأت العمل الفعلي عام 2008. فقبل وجود مكتب استعلام ائتماني يمتلك معلومات عن كل عميل وتاريخه في الاقتراض وسداد القروض، كان الممول يعرف عن العميل معلومات محدودة ويعتمد بشدة على الراتب والضامن والمستندات. أما آي سكور، فبدأت تجمع تاريخ كل عميل في القروض والسداد والتعثر من البنوك، ثم من جهات مالية أخرى، بحيث أصبح لكل عميل ذاكرة ائتمانية يمكن للممول الرجوع إليها. وقد تأسست الشركة بمساهمة 25 بنكا بجانب الصندوق الاجتماعي للتنمية، ثم اتسعت قاعدة بياناتها إلى ملايين العملاء.

إعلان

ومع توسيع التمويل الاستهلاكي، صدر قانون حماية المستهلك رقم 67 لعام 2006 لتنظيم البيع بالتقسيط، وأوجب الإفصاح عن السعر النقدي والسعر الإجمالي وعدد الأقساط وقيمتها والمقدم. ثم شدد قانون حماية المستهلك رقم 181 لعام 2018 هذه المتطلبات، فأصبح من الضروري بيان العائد السنوي ومجموع العائد المستحق وحقوق الطرفين والتزاماتهم عند الإخلال بالعقد.

صعود التمويل غير المصرفي

في عام 2014، صدر قانون تنظيم التمويل متناهي الصغر رقم 141. والتمويل متناهي الصغر ليس تمويلا استهلاكيا قانونا، فهو يمول النشاط الاقتصادي الصغير، لا شراء السلع الشخصية. لكن أهميته أنه أدخل ملايين الأشخاص والمشروعات الصغيرة تدريجيا تحت رقابة هيئة الرقابة المالية، ورسخ فكرة أن الائتمان للأفراد وصغار المتعاملين يمكن أن تقدمه مؤسسات غير مصرفية متخصصة ومنظمة، تعرف بـ"المؤسسات المالية غير البنكية" (NBFIs).

تزامن ذلك مع التوسع الهائل في تطبيق "الشمول المالي". فوفق بيانات البنك الدولي، كان 15% فقط من المصريين البالغين هم من يمتلكون حسابا بنكيا في عام 2014، ثم وصل الرقم إلى نحو 35% في عام 2017. وتستخدم بيانات البنك المركزي المصري تعريفا أوسع للحسابات النشطة، فتُظهر ارتفاع الشمول المالي من 27.4% في عام 2016 إلى 74.8% في نهاية عام 2024، ثم 79% في منتصف عام 2026.

يعني كل حساب مصرفي أو محفظة هاتف أو بطاقة مدفوعة مقدما أن شخصا أصبح لديه عنوان مالي قابل للتحويل والتحصيل والتوثيق. وهذا يسهّل لاحقا إقراضه وتحصيل أقساطه. وهكذا كان التحول الرقمي في المدفوعات شرطا أساسيا لازدهار التمويل الاستهلاكي. وسمحت المحافظ الإلكترونية بتحويل الأموال عبر الهاتف، ومع نهاية عام 2024 تجاوز عدد المحافظ في مصر50 مليون محفظة بحسب جهاز تنظيم الاتصالات.

"يعني كل حساب مصرفي أو محفظة هاتف أو بطاقة مدفوعة مقدما أن شخصا أصبح لديه عنوان مالي قابل للتحويل والتحصيل والتوثيق"

على الأرجح بدأ تشكل سوق التمويل الاستهلاكي كما نعرفه اليوم عام 2015. ففي هذه السنة، أطلقت مجموعة إي إف جي هيرميس (EFG Hermes)، أبرز مجموعة مالية مصرية غير مصرفية، منصة للتأجير التمويلي. فعوضا عن الإقراض المباشر بفائدة، تشتري الشركة أصلا ما، وليكن ماكينة، لصالح شركة أخرى، ثم تحصل على إيجار من الشركة الأخرى لهذا الأصل، بجانب التزام الشركة الأخرى بشراء هذا الأصل بالتقسيط من الشركة المؤجرة.

وفي العام التالي، اشترت هيرميس شركة تنمية للتمويل متناهي الصغر، بحيث لم يعد عملاء هيرميس هم فقط كبار رجال الأعمال والمستثمرين، وإنما أيضا صغار التجار في الأقاليم. وفي عام 2017، ظهرت فاليو كمنصة للتمويل الاستهلاكي. فلم يعد من الضروري أن تكون صاحب مشروع كي تحصل على قرض، بل يمكنك أن تحصل على قرض وأنت في كارفور مثلا لأنك تريد أن تشتري شاشة لمنزلك.

قدمت فاليو نموذجا مختلفا عن كونتاكت. فقد كانت كونتاكت تمول أساسا شراء سيارات مرتفعة القيمة تحتاج إلى ملف ائتماني وإجراءات واضحة. أما النموذج الرقمي الجديد الذي قدمته فاليو فكان يحاول وضع حد ائتماني دائم في يد العميل يستطيع استخدامه لدى عدد كبير من التجار لشراء سلع بسيطة.

جاء تحرير سعر الصرف في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016 ليضيف عاملا اقتصاديا مهما. فقد ارتفع التضخم بقوة بعده، ووصل متوسط تضخم أسعار المستهلكين إلى قرابة 29.5% في عام 2017 بحسب بيانات البنك الدولي. كما تشير دراسة للبنك إلى أن الأجور الحقيقية تراجعت بنحو 10% خلال الأشهر الستة التالية للتحرير، ثم وصل التراجع إلى نحو 20% بعد خمسة عشر شهرا. وهنا ظهرت وظيفة اجتماعية جديدة للتمويل تمثلت في تمكين المستهلك من توزيع صدمة ارتفاع الأسعار على الزمن. فبدلا من أن تدفع الأسرة 20 ألف جنيه مثلا الآن لثلاجة، تحتفظ بجزء من السيولة وتوزع الثمن على 12 أو 24 شهرا. صحيح أن السعر النهائي يصير أعلى، لكنها تشتري الزمن والسيولة.

"ظهرت وظيفة اجتماعية جديدة للتمويل تمثلت في تمكين المستهلك من توزيع صدمة ارتفاع الأسعار على الزمن"

وفي عام 2018، جاء قانون حماية المستهلك الجديد ليتعامل مع واقع أصبح فيه التقسيط أكثر حضورا، فأوجب الإفصاح بوضوح عن السعر النقدي والسعر الإجمالي والعائد والأقساط. ثم صدر القانون رقم 18 لعام 2020 لتنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي، وهذه ربما أهم لحظة مؤسسية في تاريخ القطاع.

إعلان

عرّف القانون التمويل الاستهلاكي بأنه النشاط الذي يوفر التمويل لشراء السلع والخدمات لأغراض استهلاكية بصورة معتادة. وأدخل تحت هذا التعريف التمويل عبر بطاقات المدفوعات التجارية وغيرها من الوسائل المعتمدة، وحدد أن التمويل الذي يدخل في نطاق القانون لا تقل فترة سداده عن ستة أشهر وفق الحد الذي تحدده الهيئة. كما استبعد صراحة التمويل الذي تقدمه البنوك، لأنه يظل خاضعا للبنك المركزي.

وقد ميّز القانون بين فئتين من المؤسسات، الأولى هي شركات التمويل الاستهلاكي التي يكون التمويل هو نشاطها. والثانية مقدمو التمويل الاستهلاكي، أي المنتجون أو الموزعون الذين يبيعون منتجاتهم بالتقسيط بأنفسهم، وإذا تجاوز حجم التمويل السنوي لديهم الحد القانوني، الذي تحدد بـ 25 مليون جنيه (نحو 1.6 مليون دولار وقتها)، يدخلون تحت الرقابة المالية. وكانت كونتاكت أول شركة تحصل على ترخيص وفق القانون الجديد، وذلك في أبريل/نيسان عام 2020.

مصدر الصورة من التأجير التمويلي إلى التمويل الاستهلاكي، تطور السوق المصري ليتيح التمويل للأفراد والمشروعات بمختلف أحجامها (حسابات الشركات في فيسبوك)

ومن الناحية التاريخية كان لهذا التنظيم أثر مزدوج. فمن جهة وضع قواعد لحماية العملاء والرقابة على المخاطر. ومن جهة أخرى منح القطاع شرعية مؤسسية جذبت رؤوس أموال وشركات جديدة. فبعدما صدر قانون واضح ورخصة واضحة، أصبح من الممكن أن تقدم البنوك تمويلات لشركات التمويل الاستهلاكي، كما أصبح من الممكن طرح حصص منها للاستثمار وإصدار سندات وأوراق مالية.

انفجار السوق في مصر

بلغت التمويلات المنظمة عام 2020 نحو 8.4 مليارات جنيه (نحو 509 ملايين دولار)، ثم تجاوزت 17 مليار جنيه (نحو 1.1 مليار دولار) في عام 2021، أي أكثر من الضعف في عام واحد. وفي عام 2022، وصلت إلى 29.8 مليار جنيه (نحو 1.6 مليار دولار). لا يمكن تفسير ذلك باعتباره مجرد نمو في الطلب على القروض الاستهلاكية، بل تحول مؤسسي خلق سوقا واسعا للقروض، وجعل من الممكن رصد التعاملات فيه بشكل كامل. كما استفاد القطاع من تخفيض تكلفة الاستعلام الائتماني ومن الإعفاء الضريبي. ففي عام 2021، أُعفيت خدمات التمويل الاستهلاكي من ضريبة القيمة المضافة، بما قرّب قيمة معاملاتها من قيمة معاملات الائتمان المصرفي.

لكن التغير كان في نوع السلعة الممولة أيضا. لم تعد السيارة والعقار وحدهما مركز الصناعة. الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات، والأثاث، والهواتف، والملابس، والتعليم، والخدمات الطبية، والاشتراكات الرياضية وغيرها دخلت تدريجيا في شبكات التمويل. وتحول التمويل عن تمويل الأصول والمشروعات إلى تمويل الاستهلاك.

"الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات، والأثاث، والهواتف، والملابس، والتعليم، والخدمات الطبية، والاشتراكات الرياضية وغيرها دخلت تدريجيا في شبكات التمويل"

ثم دفعت الأزمة الاقتصادية التي مرّت بها مصر بعد عام 2022 على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية والتشديد النقدي الأمريكي في هذا الاتجاه بقوة أكبر. تعرض الجنيه لجولات متتالية من التخفيض، وارتفع التضخم الحضري حتى بلغ ذروة تاريخية تقارب 38% قبل أن يتراجع لاحقا. ويشير صندوق النقد الدولي إلى الأثر الكبير لهذه الموجة في القوة الشرائية للأسر المصرية.

ففي تقرير لرويترز في فبراير/شباط عام 2023، وصف مستهلكون مصريون كيف بدأوا يستخدمون التقسيط ليس فقط لشراء التلفزيون أو الهاتف، بل أيضا الملابس وغيرها من السلع، لكي يستطيعوا توزيع احتياجات الأسرة على عدة أشهر في ظل ارتفاع الأسعار. وتحول الائتمان من أداة لشراء ثروة استهلاكية طويلة العمر إلى أداة لإدارة التدفقات النقدية المنزلية، وبذلك اكتملت أمولة الدخل، أي تحويل الأجر نفسه وليس فقط طاقة العمل إلى مجال للاستثمار المالي.

أما التحول التالي فتمثل في الانتقال من مجرد شركة مالية تستخدم تطبيقا إلى إقراض رقمي كامل. صدر القانون رقم 5 لسنة 2022 لتنظيم وتنمية استخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة المالية غير المصرفية. ثم أصدرت هيئة الرقابة المالية سلسلة قرارات في 2023 تخص البنية التكنولوجية والهوية الرقمية والعقود الرقمية والسجلات الإلكترونية. وأصبح من السهل على العميل الرقمي الوصول إلى القروض، ومن السهل على الشركة/التطبيق التحقق من بياناته، وتقييمه، وإرسال العقد إليه، وتحصيل القسط إلكترونيا. وبذلك انخفضت تكلفة منح قرض صغير بصورة كبيرة. وهكذا ارتبط التمويل الاستهلاكي بتطور التكنولوجيا المالية (FinTech) ارتباطا عضويا.

أحدثت التكنولوجيا المالية النقلة الموعودة، فبلغت قيمة التمويل الاستهلاكي المنظمة نحو 47 مليار جنيه (نحو 1.5 مليار دولار) في عام 2023، ثم اقتربت من 100 مليار جنيه (نحو ملياري دولار) في عام 2025 وفق التقرير السنوي لهيئة الرقابة المالية. وبذلك ارتفع النشاط من نحو 8 مليارات جنيه (نحو 509 ملايين دولار) في عام 2020 إلى أكثر من 96 مليار جنيه (نحو ملياري دولار) بعد خمس سنوات فقط، أي أنه تضاعف اسميا نحو اثنتي عشرة مرة (إذا تغاضينا عن تراجع قيمة العملة).

يعكس جزء كبير من هذا النمو التضخم وارتفاع أسعار السلع، لكنه يعكس أيضا تحولات مؤسسية قانونية واجتماعية عائلية. فقد ارتفع أيضا عدد المتعاملين بقوة. وفي النصف الأول من عام 2026 وحده، بلغت التمويلات الممنوحة نحو 71.8 مليار جنيه (نحو 1.4 مليار دولار) لنحو 8.47 ملايين عميل/عملية تمويل، وفق البيانات المنقولة عن هيئة الرقابة المالية.

مصدر الصورة أحدثت التكنولوجيا المالية نقلة كبيرة في انتشار شركات التمويل الاستهلاكي في مصر (مولدة بالذكاء الاصطناعي – الجزيرة)

وللمقارنة الاجتماعية، ارتفع الشمول المالي الرسمي نفسه من 17.1 مليون شخص في عام 2016 إلى 52 مليونا في نهاية عام 2024، وفق بيانات البنك المركزي، أي أن السوق المحتملة التي تستطيع شركات التمويل الوصول إليها تضاعفت مرات عدة في أقل من عقد.

عالم جديد قلِق

يمكننا إذن تمييز ثلاثة أجيال من الشركات. الجيل الأول هو التاجر الممول، وأبرز نموذج تاريخي له هو شركة بي تك لتجارة التجزئة التي استخدمت التقسيط لزيادة المبيعات وبناء ولاء العميل. أما الجيل الثاني فتمثل في شركات التمويل المتخصصة، وأبرز نموذج مبكر لها شركة كونتاكت التي مثلت رأس مال متخصص في سوق السيارات، يجمع محفظة ديون، ثم يمول نفسه من البنوك وأسواق السندات والتوريق.

وأخيرا الجيل الثالث المتمثل في تطبيقات التكنولوجيا المالية مثل فاليو وغيره من التطبيقات، التي لا تمول سلعة واحدة، وإنما تقدم شبكة ائتمان دائمة تصل العميل بآلاف المتاجر. وقد بلغ عدد عملاء فاليو بحلول عام 2026 أكثر من مليون عميل نشط وفق بياناتها. كما أصبحت فاليو في عام 2025 أول شركة تكنولوجيا مالية (FinTech) متخصصة في التمويل الاستهلاكي تُدرج في البورصة المصرية.

وتوسع السوق لاحقا ليضم أسماء مثل حالا وشهري وأمان، كما دخلت البنوك نفسها السوق من خلال شركات تابعة لها مباشرة، أو شراكات، وهو ما أسهم في إذابة الحدود بين المصرفي وغير المصرفي رغم استمرار الفصل الرقابي والقانوني.

"يمكننا رصد عوامل عديدة أسهمت في هذا التحول"

ويمكننا رصد عوامل عديدة أسهمت في هذا التحول، على رأسها ارتفاع أسعار السلع أسرع من قدرة كثير من الأسر على توفير ثمنها نقدا خاصة بعد موجتي التضخم في عام 2016 وبعد عام 2022. كما ساعدت البنية التحتية الرقمية من هواتف ذكية ومحافظ وتجارة إلكترونية على جعل عملية منح التمويل وتحصيله أقل تكلفة. وارتبط بذلك توسع الشمول المالي وحصول كثير من الأفراد على حسابات بنكية وسجلات ائتمانية، وتحسن البنية المعلوماتية للائتمان عبر آي سكور.

ولكن بعد سنوات من تشجيع الشمول المالي والتكنولوجيا المالية، بدأت هيئة الرقابة المالية تبدي قلقا من أن يكون التوسع الائتماني سريعا أكثر من اللازم. ففي عام 2023، رفعت الهيئة الحد الأدنى لرأس مال شركات التمويل الاستهلاكي إلى 75 مليون جنيه (نحو 2.4 مليون دولار)، في خطوة تهدف إلى تقوية الملاءة ودفع السوق نحو شركات أكبر وأكثر قدرة على تحمل المخاطر. وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2024 علقت الهيئة لمدة عام منح تراخيص جديدة للتمويل الاستهلاكي التقليدي والتمويل متناهي الصغر، مع استثناء بعض مسارات التكنولوجيا المالية، بعد دخول عدد كبير من الشركات في فترة قصيرة. وذكرت بيانات منشورة أن 15 شركة تمويل استهلاكي حصلت على تراخيص خلال العامين السابقين.

ثم في عام 2026، أصبحت الهيئة أكثر تحفظا تجاه تراخيص التمويل الاستهلاكي الرقمية الجديدة كذلك. وتشير إفصاحات الهيئة إلى صدور قرار في فبراير/شباط عام 2026 بوقف استقبال بعض طلبات التأسيس والموافقات الجديدة للتمويل الاستهلاكي باستخدام التكنولوجيا المالية.

واللافت أن الهيئة أصدرت في سبتمبر/أيلول أول دليل شامل موحد لقواعد النشاط، يجمع قواعد التأسيس والترخيص والحوكمة وإدارة المخاطر والإفصاح والتسويق والتحول الرقمي وحماية العملاء.

تمكين أم استغلال؟

لا ينبغي النظر إلى التمويل الاستهلاكي بوصفه مجرد استغلال من خلال الديون ببساطة، كما لا يمكن التسليم بالدعاية التي تعتبره تمكينا للمستهلك. فلا شك أن الأسر قد استفادت من تحسن قدرتها على اقتناء احتياجات ضرورية عاجلة لم يكن بإمكانها الحصول عليها إلا من خلال هذا التمويل، ولكن تراكم الديون الاستهلاكية يمثل مصادرة للثروة الشخصية والدخل المستقبلي للشخص، كما أنه يضاعف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الشخص بقدر ما يقدم من الفرص.

كما أن لهذا النمط من التمويل انعكاساته "الطبقية". فقد كان الائتمان المصرفي التقليدي يميل إلى الموظف الرسمي صاحب الراتب القابل للتحويل إلى البنك. لذلك كان جزء واسع من المجتمع مستبعدا من الائتمان الرسمي. أما شركات التمويل غير المصرفي فتستطيع أن تتحمل شرائح أخرى بفضل نماذج تقييم مختلفة، وشبكات تجار ضخمة، وبيانات رقمية، ومدد أقصر، وأسعار تمويل أعلى. وهكذا حدث نوع من "ديمقراطية الائتمان"، أي قدرة فئات أوسع على الاقتراض.

لكن ديمقراطية الوصول لا تعني ديمقراطية التكلفة. فغالبا ما يكون العميل الأقل دخلا والأكثر خطورة هو الذي يدفع تكلفة تمويل أعلى. فالأشخاص الأكثر احتياجا إلى تقسيط السلعة هم الأشخاص الذين يدفعون أعلى تكلفة مقابل تحويل السعر إلى أقساط.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار