آخر الأخبار

الركود التضخمي.. كيف يؤثر على الدول والمستهلكين؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

ترجّح الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران الاقتصاد العالمي ارتفاع الأسعار وتراجع النمو الاقتصادي، وهي بيئة يخشاها الاقتصاديون لأنها قد تقود إلى ما يعرف باسم الركود التضخمي، أي اجتماع التضخم المرتفع مع تباطؤ النشاط الاقتصادي وضغوط سوق العمل.

تشمل المخاطر على الاقتصاد العالمي سلسلة أوسع تبدأ بالطاقة ثم تنتقل إلى النقل والتأمين والغذاء والأسمدة والسلع الصناعية، قبل أن تظهر في فواتير الأسر وتكاليف الشركات وقرارات البنوك المركزية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كيف يؤثر تثبيت الفائدة على قروضك ومدخراتك وجيبك؟
* list 2 of 2 ما هو الركود التضخمي؟ وكيف تتعامل معه؟ end of list

وأوضح صندوق النقد الدولي أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يغذي التضخم عالميا، وأن صدمات النفط المستمرة تاريخيا تدفع التضخم إلى الصعود والنمو إلى الهبوط، كما تنتقل كلفة النقل والمدخلات تدريجيا إلى أسعار السلع المصنعة والخدمات.

وذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن توقف الشحنات عبر مضيق هرمز وتضرر بعض البنى التحتية للطاقة تسببا في ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب إمدادات سلع مهمة مثل الأسمدة، وهو ما يرفع التكاليف ويضغط الطلب ويضيف ضغوطا تضخمية.

وتتوقع المنظمة نمو الاقتصاد العالمي 2.9% في 2026، مع بقاء التضخم في دول مجموعة العشرين عند 4% هذا العام، أعلى بـ1.2 نقطة مئوية من توقعات سابقة بسبب ارتفاع الطاقة.

مصدر الصورة يشمل الركود التضخمي ارتفاع الأسعار وتراجع الطلب (شترستوك)

ما الركود التضخمي؟

حالة اقتصادية تجمع بين ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو وزيادة الضغوط على الوظائف، وهو عكس الصورة التقليدية التي تفترض أن التضخم يرتفع عادة عندما يكون الاقتصاد نشطا والبطالة منخفضة.

ويصف صندوق النقد الدولي تجربة سبعينيات القرن الماضي (إبان حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973) بأنها الفترة التي اجتمع فيها التضخم المرتفع مع اقتصاد راكد لفترة طويلة، بعدما رفعت أسعار النفط كلفة السلع المصنعة والغذاء، وأدى تراجع الطلب والإنتاج إلى وظائف أقل واقتصاد ضعيف.

إعلان

يقول مدير قسم المشورة المالية في شركة قطر للأوراق المالية محمد الكجك في حديث مع الجزيرة نت إن الركود التضخمي "من أصعب الحالات الاقتصادية"، لأنه يجمع بين 3 عناصر مزعجة في وقت واحد هي تباطؤ النمو، وارتفاع التضخم، وضغوط سوق العمل.

وأضاف الكجك أن خطورة الركود التضخمي لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في أنه يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة؛ فإذا رفعت معدلات الفائدة لكبح التضخم زاد الضغط على النمو والوظائف، وإذا خفضتها لدعم الاقتصاد قد يرتفع التضخم أكثر.

لماذا يحدث الركود التضخمي؟

يحدث الركود التضخمي غالبا عندما تأتي الصدمة من جانب العرض، لا من زيادة الطلب فقط، فإذا ارتفعت أسعار النفط والغاز أو تعطلت التجارة وسلاسل الإمداد، تزيد كلفة الإنتاج والنقل، فتبيع الشركات بأسعار أعلى، بينما يشتري الناس كميات أقل، ويتراجع الاستثمار والتوظيف.

ويقول صندوق النقد الدولي إن صدمة الطاقة تضعف النشاط الاقتصادي وترفع الأسعار في الوقت نفسه، وإن أي بنك مركزي لا يستطيع التأثير وحده في أسعار الطاقة العالمية، لكنه يضطر إلى تشديد السياسة النقدية إذا بدأت توقعات التضخم المتوسطة أو الطويلة الأجل في الارتفاع مع الأسعار والأجور.

وأبقى الاحتياطي الفدرالي الأمريكي الأسبوع الماضي نطاق معدلات الفائدة عند 3.5% إلى 3.75%، وقال إن التضخم ما زال مرتفعا جزئيا بسبب الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية، وإن تطورات الشرق الأوسط ترفع مستوى الضبابية حول التوقعات الاقتصادية.

كما ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة 3.5% على أساس سنوي في مارس/آذار، مقارنة بـ2.8% في فبراير/شباط، وهو مقياس يتابعه الاحتياطي الفدرالي في تقييم ضغوط الأسعار.

ويرى الكجك أن عودة المخاوف من الركود التضخمي ترتبط بتصاعد التوترات الجيوسياسية واضطراب أسواق الطاقة، مضيفا أن ارتفاع أسعار النفط والغاز لا يضغط على المستهلكين فقط، بل يرفع أيضا تكاليف النقل والتأمين والغذاء والأسمدة.

وقال إن المشكلة لا تبدو مجرد صدمة نفط مؤقتة، بل صدمة طاقة أوسع قد تنتقل آثارها إلى مختلف قطاعات الاقتصاد.

أثر الركود التصخمي على الناس

غالبا يظهر الركود التضخمي للأسر في الحالة الحالية في ارتفاع فواتير الوقود والغذاء والإيجارات، وتراجع القدرة الشرائية للأجور، وصعوبة الاقتراض مع بقاء معدلات الفائدة مرتفعة.

ويقول الكجك إن المستهلك يبقى الحلقة الأضعف، لأن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والإيجارات يقلل القوة الشرائية، بينما يحد تباطؤ النمو من فرص العمل وزيادة الأجور.

وأضاف أنه في حال بقيت معدلات الفائدة مرتفعة، ترتفع أيضا كلفة القروض الشخصية والعقارية وبطاقات الائتمان.

ولا يتوقف الأثر عند الأسر فقط، فالشركات تواجه كلفة أعلى للطاقة والتمويل والنقل، وقد لا تستطيع كلها تمرير هذه الكلفة إلى المستهلك، وهنا قد تستطيع الشركات القادرة على رفع الأسعار الحفاظ على أرباحها، أما الشركات ذات الهوامش الضعيفة فتؤجل التوسع أو تخفض التكاليف أو العمالة.

أثر الركود التضخمي على الدول

يختلف تأثير الركود التضخمي على الدول بين مصدرة ومستوردة للطاقة، فالدول المصدرة للنفط والغاز قد تحقق إيرادات أعلى في البداية، لكن هذا لا يعزلها تماما عن التضخم المستورد أو اضطراب التجارة والشحن.

إعلان

ويقول الكجك إن دول الخليج المصدرة لمنتجات الطاقة قد تستفيد ماليا من ارتفاع أسعار النفط والغاز عبر زيادة الإيرادات الحكومية والفوائض الخارجية، لكنها ليست معزولة عن التضخم المستورد، خصوصا في الغذاء والسلع الاستهلاكية ومواد البناء، كما أن أي اضطراب طويل في الشحن أو التجارة قد يحد من هذه الاستفادة.

أما الدول المستوردة للطاقة فتتعرض لضغط أكبر، لأن فاتورة الاستيراد ترتفع، والعملات المحلية قد تتراجع، والعجز المالي والخارجي يتسع، وقد تضطر الحكومات إلى زيادة الدعم أو رفع الأسعار على المستهلكين.

وأشار إلى أن الركود التضخمي يتحول في هذه الدول بسرعة من مشكلة اقتصادية عامة إلى ضغط مباشر على مستوى معيشة الأسر.

درس السبعينيات

حدث ركود تضخمي في السبعينيات، حين أدت صدمات النفط إلى ارتفاع واسع في الأسعار وتباطؤ اقتصادي في دول صناعية كبرى.

ويقول البنك الدولي إن التعافي من ركود السبعينيات التضخمي تطلب زيادات حادة في معدلات الفائدة داخل الاقتصادات المتقدمة، وكان لذلك دور بارز في إطلاق سلسلة أزمات مالية في اقتصادات ناشئة ونامية.

وفي الولايات المتحدة، ارتبطت مكافحة التضخم في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بسياسة نقدية مشددة في عهد رئيس الاحتياطي الفدرالي بول فولكر، وتشير رواية الاحتياطي الفدرالي التاريخية إلى أن التضخم تراجع من ذروته في 1980 إلى 6.1% في أوائل 1982، ثم إلى 3.7% في العام التالي، بينما بلغ معدل البطالة ذروته عند 10.8% في أواخر 1982 قبل أن يبدأ في الهبوط.

وقال الكجك إن السيطرة على التضخم في الولايات المتحدة تاريخيا لم تتحقق إلا بعد تشديد نقدي قوي في عهد فولكر، مع وصول الفائدة إلى مستويات قريبة من 20%، وهو ما ساعد على كبح التضخم لكنه تسبب في ركود مؤلم.

وأضاف أن المقارنة مع السبعينيات مفيدة لكنها ليست كاملة، لأن الاقتصاد العالمي اليوم أقل اعتمادا على النفط، والبنوك المركزية أكثر خبرة، وتوقعات التضخم لا تزال أكثر انضباطا مما كانت عليه آنذاك.

خيارات صعبة

يصعّب الركود التضخمي مهام البنوك المركزية، ففي الركود العادي، تستطيع خفض معدلات الفائدة لتحفيز الاقتراض والإنفاق، وفي التضخم العادي، تستطيع رفع الفائدة لتقليل الطلب، أما في الركود التضخمي، فكل علاج يحمل كلفة.

ويقول صندوق النقد الدولي إن الدعم المالي في مثل هذه الظروف يجب أن يكون محدودا ومؤقتا وموجها للفئات الأشد تضررا، محذرا من أن التحفيز المالي الواسع عندما يكون التضخم مرتفعا يعقد مهمة البنوك المركزية، كما يرى أن التحويلات المباشرة والمستهدفة للأسر والشركات الضعيفة تكون عادة أكثر كفاءة من الدعم العام الواسع.

وتقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن صدمة العرض تخلق تحديا معقدا للبنوك المركزية، إذ يمكن تجاهل زيادة الطاقة المدفوعة بالعرض إذا ظلت توقعات التضخم مستقرة، لكن عليها البقاء يقظة لضمان احتواء الضغوط التضخمية الأساسية.

ويرى الكجك أن الحكومات لا تملك دائما مساحة مالية واسعة للتحفيز، خصوصا بعد سنوات من ارتفاع الإنفاق والدين، لذلك يصبح الاقتصاد عالقا بين علاجين متناقضين، فالتشديد النقدي يضغط النمو، والتحفيز قد يزيد التضخم.

مصدر الصورة تراجع الصدمة الرئيسية المسببة للركود التضخمي مسألة أساسية للتعافي منه (شترستوك)

الاستثمار والادخار

في الأسواق، يغير الركود التضخمي قواعد الاستثمار، فارتفاع معدلات الفائدة يضغط الأسهم عبر زيادة كلفة التمويل وتراجع تقييمات الشركات، بينما يقلل التضخم القيمة الحقيقية لعوائد السندات التقليدية ذات العائد الثابت.

وقال الكجك إن الأسهم عادة تتعرض للضغط بسبب ارتفاع تكلفة التمويل وتراجع هوامش الأرباح، لكن الشركات القادرة على تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلك قد تكون أكثر صمودا.

إعلان

وأضاف أن قطاعات مثل الطاقة والمواد الأساسية وبعض الشركات الدفاعية ذات الطلب المستقر قد تظهر مرونة نسبية، بينما تتضرر السندات التقليدية لأن التضخم يقلل القيمة الحقيقية للعوائد، ويؤدي ارتفاع الفائدة إلى تراجع أسعار السندات القائمة.

وأشار إلى أن الذهب قد يستفيد من القلق الجيوسياسي ومن تراجع الثقة في العملات، لكنه ليس ضمانا دائما، كما أن العقار قد يوفر حماية جزئية من التضخم، لكنه يتضرر إذا ارتفعت كلفة التمويل أو تباطأ الطلب.

كيف تنتهي الأزمة؟

لا ينتهي الركود التضخمي بسهولة، بل يحتاج إلى تراجع أثر الصدمة الأساسية، واستقرار أسعار الطاقة والغذاء، وتحسن سلاسل الإمداد، مع سياسة نقدية تحافظ على توقعات التضخم دون أن تكسر النمو أكثر من اللازم، وسياسة مالية تستهدف الأكثر تضررا بدل توسيع الدعم العام.

ويشدد البنك الدولي على أهمية تشجيع الإنتاج وتجنب قيود التجارة في مواجهة صدمات من هذا النوع، لأن الأسواق تتطلع إلى الأمام، ولأن القيود قد تعمق نقص السلع وترفع الأسعار.

ويقول صندوق النقد الدولي إن أفضل طريق لتقليل الضرر الاقتصادي هو نهاية مبكرة ومنظمة للحرب، لأن استمرار صدمة الطاقة يضعف النشاط ويرفع الأسعار في الوقت نفسه.

ويقول الكجك إن الخطر الحالي لا يعني بالضرورة تكرار سيناريو السبعينيات، لكنه يذكر الأسواق بأن صدمات الطاقة والجغرافيا السياسية قادرة على تغيير اتجاه الاقتصاد بسرعة، وأن المرحلة الحالية تتطلب حذرا أكبر في إدارة الديون والقرارات الاستثمارية الطويلة الأجل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار