في اليوم الذي بدأت فيه الطفلة ليا صوفيا، ذات الأعوام الثمانية، أولى جلسات علاجها الكيميائي إثر إصابتها بسرطان الدم في أحد مستشفيات ولاية بويبلا المكسيكية، طُرق باب غرفتها. ظنت الطفلة أن الطارق ممرضة تحمل جرعة جديدة من الدواء، لكنها فُوجئت بسيدة تحمل كتابا. كانت تلك آنا باتريسيا بارغاس، القارئة الخاصة بالمستشفى، التي ما إن عرّفت عن نفسها حتى بدأت بسرد أول قصة قصيرة في رحلة علاج الفتاة الصغيرة.
لم تكن ليا صوفيا حينها في مزاج يتيح لها الاستماع أو الاستمتاع بأي قصة؛ فقد قُصّ شعرها الطويل في ذلك اليوم تزامنا مع بدء العلاج الكيميائي، وتأثرت كثيرا بفقدانه. جلست آنا باتريسيا تقرأ بهدوء، واكتفت ليا صوفيا بالإنصات الصامت.
وفي اليوم التالي، عادت آنا باتريسيا بقصة جديدة؛ هذه المرة ابتسمت الطفلة، وطلبت من والدتها الاحتفاظ برقم هاتف القارئة للتواصل معها عند الحاجة. وطوال المدة التي قضتها في المستشفى للعلاج، لم تتردد الطفلة في الاتصال بآنا باتريسيا إذا ما تأخرت دقيقة واحدة عن موعدها المعتاد.
ليا صوفيا هي واحدة من مئات الأطفال الذين شملتهم مبادرة "قراءات في المستشفى"، وهو مشروع ينفّذه معهد الضمان الاجتماعي والخدمات الاجتماعية للعاملين في سلطات ولاية بويبلا المكسيكية؛ بهدف جعل القراءة والموسيقى والفنون جزءا أصيلا من رحلة العلاج والتعافي.
ينطلق المدير العام للمعهد، لويس أنتونيو غودينا، من قناعة مفادها أن الأدب والفن والثقافة يجب ألا يبقوا حبيسي المراكز الثقافية أو الأكاديمية، بل ينبغي إيصالهم إلى أكثر الأماكن حاجة لهم، وعلى رأسها المراكز الصحية والمستشفيات. ومن هذه الرؤية، وُلِد المشروع ليسعى إلى "أنسنة الفضاءات الاستشفائية" وتحويل فترات العلاج والانتظار إلى تجربة ثقافية تخفف وطأة المرض.
وفي هذا الإطار، كانت أولى الخطوات العملية هي التعاقد مع وسيطة القراءة آنا باتريسيا، المتخصصة في العمل مع الأطفال داخل البيئات الصحية، والبدء بالتطبيق المباشر في قسم الأطفال.
وفي حديثه، يوضّح المشرف على المشروع، الكاتب الأكاديمي ميغيل مالدونادو، أن الهدف الأساسي لا يقتصر على مجرد التشجيع على القراءة، بل يمتد إلى مرافقة المرضى عبر الكتب، مشيرا إلى أن جلسات القراءة تتحول إلى مساحات مفتوحة للحوار والخيال، وتمنح الأطفال فسحة مؤقتة للهروب من واقع يثير فيهم القلق والتوتر، بعيدا عن أجواء الأدوية والأطباء.
يعمل مشروع "قراءات في المستشفى" عبر مسارين متوازيين لخدمة جميع الموجودين داخل المستشفى:
1. مسار الأطفال المرضى
تُخصص فيه آنا باتريسيا نحو ثلاث ساعات يوميا للقراءة للأطفال في أسرتهم، مستخدمة أساليب تفاعلية تخرج بالطفل من عزلة المرض إلى رحاب الخيال.
2. مسار المرافقين والمراجعين
تتحرك فيه آنا باتريسيا بعربة تمتلئ بالكتب المتنوعة التي قرأتها بعناية وتعرف محتواها دقيقةً بدقيقة. تطوف العربة صالات الانتظار، تقدم شرحا وموجزا عن كل كتاب للمنتظرين، مما يفتح نقاشات حول اهتمامات الجالسين وقصصهم، أو يذهب بالحديث نحو كاتب أو كتاب بعينه. هذا المسار يجعل فترات الانتظار الثقيلة أكثر احتمالا، ويحوّل الترقب والضيق إلى تجربة تنشط الخيال وتعزز التفاعل الإنساني بين الناس.
داخليا في قسم الأطفال، عادة ما تبدأ آنا باتريسيا اللقاء بقراءة قصة أو قصيدة، ثم تتوسع الأنشطة لتشمل ألعابا ونقاشات وورشا فنية مستوحاة من النص المقروء، مثل الرسم، والأشغال اليدوية، والكتابة، والأداء المسرحي. تهدف هذه الأنشطة إلى تحويل القراءة إلى تجربة حية، وتمنح الأطفال فرصة صريحة للتعبير عن مشاعرهم ومخاوفهم الذاتية.
ويستقبل قسم الأطفال في المستشفى عادة ما بين 8 و16 طفلا يوميا، تتنوع حالاتهم بين من يخضعون لعلاجات طويلة الأجل، ومن يمكثون أياما قليلة جراء حوادث أو حالات طارئة. ولذلك تُكيَّف الأنشطة بحسب مدة إقامة كل طفل ووضعه الصحي؛ إذ قد تُقرأ القصة لمجموعة صغيرة، أو لطفل واحد بشكل فردي إذا كانت حالته الصحية لا تسمح بالاختلاط، كما قد تُقرأ القصة في جلسة واحدة أو تُقسَّم على عدة أيام.
وإلى جانب ورش القراءة والرسم، يساهم متطوعون من المعهد الموسيقي في المدينة بتدريب الأطفال على العزف على الآلات التي يحبونها، إضافة إلى تقديم عروض موسيقية حية داخل الأقسام. كما ينضم إلى المبادرة متطوعون من طلبة الجامعات يساعدون في قراءة القصص، تحت تنظيم دقيق تتولاه آنا باتريسيا التي تبني برنامج القراءة بناءً على معرفتها المسبقة بمدة إقامة كل طفل، مشيرة إلى أن هؤلاء الطلاب يمنحون التجربة مزيدا من الدفء والأمل.
سجل المشروع خلال عامه الأول (2025) أرقاما تعكس الإقبال الواسع والنجاح الملموس لهذه المبادرة:
361 طفلا ومراهقا استفادوا من جلسات القراءة والورش التفاعلية داخل الأقسام.
1,435 مريضا ومرافقا استفادوا من خدمة عربة الكتب والنقاشات في صالات الانتظار.
ويختتم ميغيل مالدونادو بالقول إن فريق العمل يؤمن بأن القراءة والفنون لا تُثري المعرفة الإنسانية فحسب، بل تملك قدرة استثنائية على مساعدة الإنسان في تجاوز اللحظات الصعبة وجعلها أقل قسوة. ويأمل القائمون على المشروع أن تبقى القراءة رفيقة للأطفال حتى بعد خروجهم من المستشفى، متطلعين إلى تعميم هذه التجربة على جميع مستشفيات المكسيك، وأن تتحول من مبادرة تطوعية مرهونة بحماسة العاملين إلى سياسة صحية إلزامية تتبناها المؤسسات الرسمية بشكل دائم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة