آخر الأخبار

الكرنك يتكلّم.. يحيى الطاهر عبد الله واستعادة النص المفقود

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كان يحفظ قصصه عن ظهر قلب، ويلقيها على أصدقائه في المقاهي والمنتديات دون أن يخرج ورقة من جيبه

في الثلاثين من أبريل/نيسان عام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين، ولد في قرية الكرنك بمحافظة الأقصر طفل سيسمى لاحقا «شاعر القصة القصيرة». لم يكن يحيى الطاهر عبد الله، حين خرج إلى الدنيا في تلك القرية الجنوبية الصغيرة، يحمل من ملامح المدينة شيء، ولا كان يعرف أن المسافة بين بيت أبيه الشيخ المعمم وبين مقهى ريش في وسط القاهرة ستكون أقصر مما توحي به الجغرافيا، وأطول مما تحتمله الروح.

اليوم، ونحن نقف في ذكرى ميلاده الثامن والثمانين، تبدو حياته القصيرة كأنها كتبت بمنطق شعري لا منطق سيرة، فقد ولد في أبريل/نيسان، ومات في أبريل/نيسان، وما بين الميلاد والرحيل قصة واحدة كان يلقيها على نفسه ثم يلقيها علينا، حيث رحل في سن الثالثة والأربعين بحادث سير على طريق الواحات عام ١٩٨١.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "تتويجا للشعرية".. جائزة الأركانة العالمية للشعر تكسر قاعدتها وتعلن فوز 4 فلسطينيين
* list 2 of 2 ثرفانتس و"دون كيشوت".. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل موريسكي؟ end of list

لا يكتب عن يحيى الطاهر عبد الله دون أن تستحضر أولا تلك العادة التي صارت لاحقا علامته، وهي أنه كان يحفظ قصصه عن ظهر قلب، ويلقيها على أصدقائه في المقاهي والمنتديات دون أن يخرج ورقة من جيبه.

هذه التفصيلة الصغيرة، التي يعيد كثيرون ذكرها بوصفها طرفة أو غرابة صعيدية، هي في تقديري المفتاح النظري لفهم مشروعه كله. فالشفاهية عند يحيى لم تكن أداة تسويقية ولا حيلة تعويضية عن نقص في النشر، بل كانت موقفا أدبيا عميقا من القصة نفسها، إنها إعادة ربط النص المكتوب بأصله الأول، حيث الصوت والجسد والذاكرة، وحيث الراوي الشعبي ينشئ القصة في حضرة سامعيها لا في عزلة الورق.

غير أن هذا الاحتفاء بالشفاهية، على ما ينطوي عليه من عمق جمالي، يفتح باباً لسؤال مقلق لا ينبغي تجاوزه. فهل كانت هذه المراهنة على الصوت، في لحظة كان فيها النشر هو الطريق الأوسع للانتشار، سببا في تأخر تثبيت نصوصه داخل المؤسسة الأدبية؟ وهل يمكن القول إن تلك القدرة المدهشة على الإلقاء، التي صنعت حضوره الطاغي في الندوات والمقاهي، قد أخذت من نصه المكتوب شيئا من فرصته في أن يقرأ على مهل، وأن ينقح، وأن يعاد بناؤه بعيداً عن حرارة اللحظة؟

إعلان

ليس هذا سؤالا ينتقص من تجربته، بقدر ما يضيء مفارقة دقيقة في مسيرته، إذ أن ما منح قصصه تلك الحيوية النادرة، هو نفسه ما قد يكون أسهم، على نحو ما، في إبقائها معلقة بين الحضور الشفاهي والغياب الكتابي.

الشفاهية عند يحيى لم تكن أداة تسويقية بل كانت موقفا أدبيا عميقا من القصة نفسها، إنها إعادة ربط النص المكتوب بأصله الأول، حيث الصوت والجسد والذاكرة

استعادة ما فقدته الكتابة

كان يحيى يعرف، بحدس الجنوبي العارف بقرى الحكي، أن الكتابة فقدت في طريقها إلى الكتاب شيئا جوهريا، وأن استعادة هذا المفقود لا تكون إلا بأن يسترد الكاتب صوته. لذلك كان يلقي ولا يقرأ، يحفظ ولا يستظهر، يغني القصة بدل أن يطبعها. هكذا التقى به يوسف إدريس في مقهى ريش، فأنصت إليه ثم قدمه في «الكاتب»؛ وهكذا أنصت إليه يحيى حقي فقال عنه بانبهار إنه شاب نحيل متقد، عيناه براقتان وكلامه مهتاج، لا يريد من الدنيا شيئا سوى أن يكتب اسمه بالقصة.

كانت تلك ظاهرة نادرة في مشهد الستينيات الأدبي. جيل كامل كان يؤسس قواعد الحداثة القصصية في مصر – من خيري شلبي وإبراهيم أصلان إلى محمد البساطي وجمال الغيطاني – وكان أغلبهم منشغلا بالكتابة بوصفها فعل تأمل وتنقيح في عزلة المكتب. أما يحيى، فقد كان يأتي إلى الندوة محملا بقصصه كما يأتي الشاعر الجاهلي إلى السوق محملا بقصيدته.

انتقل يحيى من قريته إلى قنا عام 1959، حيث التقى أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي ليتشكل ذلك الثلاثي الجنوبي الذي سيغير وجه الأدب المصري

كان يلقي «محبوب الشمس»، ثم «جبل الشاي الأخضر»، ثم «حكاية الرجل الذي رأى عمره»، فينصت إليه الحاضرون كأنهم يستمعون إلى مولد نبوي أو إلى حكواتي في مقهى الحسين. ولأن صوته كان يحمل نبر الجنوب وإيقاعه، فقد كانت قصصه تصل إلى الأذن قبل أن تصل إلى العقل. ومن هنا اكتسب لقبه الذي رافقه: "شاعر القصة القصيرة". ليس لأن قصصه تشبه القصائد فحسب، بل لأنه كان يكتبها ويلقيها بالطريقة التي يكتب بها الشاعر قصيدته وينشدها، من الحفظ، بالنبرة، حيث الكلمة تعرف مكانها في الجملة كما تعرف القافية مكانها في البيت.

مصدر الصورة يحيى الطاهر عبد الله..شاعر القصة القصيرة‎‎، وتصميم غلاف كتابه (الجزيرة)

استرجاع المكان

غير أن الإلقاء الشفاهي لم يكن سوى الواجهة الأقرب لمشروع أعمق بكثير: استرجاع المكان، استرجاع الكرنك، استرجاع الصعيد بوصفه عالما سرديا قائما بذاته لا مجرد ديكور إقليمي. حين انتقل يحيى من قريته إلى قنا عام ١٩٥٩، حيث التقى أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي ليتشكل ذلك الثلاثي الجنوبي الذي سيغير وجه الأدب المصري، ثم حين انتقل إلى القاهرة عام ١٩٦٤ ليقيم مع الأبنودي في شقة بحي بولاق الدكرور، لم يكن يحيى يهاجر من الجنوب بل كان يحمله معه.

القاهرة بالنسبة إليه لم تكن وجهة ثقافية بقدر ما كانت منصة يسمع منها قريته. وحين جلس ليكتب «ثلاث شجيرات تثمر برتقالا»، ثم «الدف والصندوق»، ثم «حكايات للأمير حتى ينام»، لم يكن يكتب عن الصعيد من الخارج بعين أنثروبولوجية مثل بعض كتاب الإقليم، بل كان يكتبه من الداخل، بلغته الخاصة، بأساطيره، بطيوره وحيواناته وذكوره وإناثه، كأن الكرنك هو الذي يتكلم على لسانه لا العكس.

إعلان

هنا يتجلى الفرق الجوهري بين يحيى الطاهر عبد الله وغيره من كتاب الجنوب. لم يكن الصعيد عنده موضوعا، بل كان لغة. ولم يكن مادة للسرد، بل كان شرطا للسرد. حين تقرأ قصصه تشعر أنك أمام عالم مغلق بقواعده الخاصة، حيث الشمس فيه شخصية، والنيل فيه ذاكرة، الجبل فيه حاضر بقدرة استثنائية، والأنثى فيه قدر يتسرب إلى كل شيء.

ما كتبه يحيى لم يكن مجرد سردية عن قرية في الصعيد، بل عن بنية عميقة في الوجدان المصري كله

ولأنه كتب من داخل هذا العالم لا عنه، فإن لغته اكتسبت تلك الكثافة الشعرية الغريبة، فثمة جمل قصيرة كأنها أبيات موال، وتكرار موسيقي يحاكي إيقاع المواويل والتراتيل، وتحويل للسرد إلى نوع من الترنيم الجنائزي أحيانا، والاحتفالي أحيانا أخرى. هذه اللغة هي التي جعلت بعض النقاد يطلقون على ما يكتبه «القصة القصيدة»، تمييزا لها عما كان يكتبه يوسف إدريس أو نجيب محفوظ أو غيرهما من أساتذة الجيل السابق.

لكن المثير في تجربة يحيى هو أن هذا الانغماس في المحلية الصعيدية لم ينتج عنده نزعة إقليمية ضيقة، بل أنتج كونية من نوع خاص. كان يقرأ كافكا ويعجب به ويتأثر بعوالمه الكابوسية، وكان يعرف أدب أمريكا اللاتينية في وقت مبكر، وكان يدرك أن طريقه إلى العالم لا يمر بمحاكاة الكتابة العالمية بل بترسيخ خصوصيته أمامها. ولذلك حين ترجمت أعماله إلى الإنجليزية على يد دنيس جونسون ديفز، ثم إلى الإيطالية والألمانية والبولندية.

لم يكن المترجمون يقدمون كاتبا مصريا إقليميا، بل كاتبا يحمل في قصصه تلك السمة النادرة، وهي أن يكون موغلا في محليته إلى الحد الذي يجعله ممكن الترجمة إلى أي لغة. هذا ما فعله غارسيا ماركيز بماكوندو، وما فعله فوكنر بمقاطعته الجنوبية المتخيلة. وهذا ما فعله يحيى الطاهر عبد الله بالكرنك، أن يصنع منها مكانا عالميا عبر إصراره على ألا تكون إلا الكرنك.

الطوق والأسورة

في هذا السياق تحديدا، ينبغي أن نقرأ روايته الوحيدة المكتملة «الطوق والأسورة»، الصادرة عام ١٩٧٥. لم تكن هذه الرواية انعطافا عن مشروعه القصصي، بل كانت تتويجا له، أو قل إنها كانت محاولته الأكبر في توسيع رقعة العالم السردي الذي كان قد أرساه في قصصه.

حكاية «حزينة» وأمها وأخيها التي تجري في قرية الكرنك بين الحربين العالميتين، ليست حكاية شخصيات بقدر ما هي حكاية مكان وأسطورة وعنف موروث.

الطوق والأسورة في عنوان الرواية ليسا حليا نسائية، بل علامتان رمزيتان، فالطوق ما يطوق به العنق فيخنقه، والأسورة ما يقيد المعصم فيذله. وهكذا تختزل الرواية في عنوانها فكرتها المركزية، وهي أن المرأة الجنوبية محكومة بزينة هي في الحقيقة قيد، وبجمال هو في باطنه عنف.

وحين تحولت الرواية إلى فيلم بعد رحيل يحيى بسنوات، بإخراج خيري بشارة عام ١٩٨٦، تأكد للقارئ والمشاهد معا أن ما كتبه يحيى لم يكن مجرد سردية عن قرية في الصعيد، بل عن بنية عميقة في الوجدان المصري كله. وأن الصعيد في كتابته لم يكن استثناء عن مصر، بل كان مصر في صورتها الأشد كثافة ووضوحا.

ليت أسماء تعلم

ربما لهذا السبب رثاه أمل دنقل بتلك القصيدة المعروفة «الجنوبي»، التي خاطب فيها أسماء ابنة يحيى متسائلا إن كانت تعرف أن أباها لم يمت بل صعد، وأن من كان يسمى يحيى لا يموت. كانت تلك القصيدة، التي ضمها دنقل لاحقا إلى ديوانه «أوراق الغرفة ٨»، أبلغ ما قيل في رثاء يحيى لأنها التقطت تلك المفارقة المرة، وهي أن صديق صباه الذي اسمه «يحيى» قد رحل في حادثة على طريق صحراوي قبل أن يتم الثالثة والأربعين، وكانت معه ابنته الصغيرة أسماء التي نجت بأعجوبة وهي في عامها الرابع.

ولأن أمل دنقل كان شاعراً جنوبياً يعرف كيف تتسرب الأسطورة إلى المرثية، فإنه لم يكتب رثاء بقدر ما كتب اعترافا بأن الذي رحل في ذلك الحادث لم يكن إنسانا عابرا، بل كان شيئا من جوهر المكان نفسه، راوي الكرنك، وصوتها الذي تركته الأرض ينطق نيابة عنها، ثم استعادته إلى ترابها كي تكتم به أسرارها من جديد.

إعلان

اليوم، بعد ثمانية وثمانين عاما على ميلاده، يبدو يحيى الطاهر عبد الله أكثر حضورا مما كان عليه في حياته. أعماله الكاملة التي صدرت عام ١٩٨٣ عن دار المستقبل العربي، ثم أعيد نشرها مرارا، صارت من المراجع الأساسية لأي قارئ يريد أن يفهم ما حدث للقصة المصرية في الستينيات وما تفرع عنها لاحقا.

أجيال من القصاصين الجنوبيين – من محمد مستجاب إلى منتصر القفاش وأحمد أبو خنيجر وغيرهم – تتلمذت بشكل أو بآخر على درسه، حيث أن المحلية ليست عبئا بل أفق، وأن اللغة ليست أداة بل ملكة تنمو وتتطور، وأن القصة لا تكتب لتقرأ بالعين فقط، بل لتقال أيضا. والأهم من ذلك أن الكاتب لا يكون كاتبا حقيقيا إلا حين يجد الصوت الذي ينطق به، وأن هذا الصوت قد يكون آتيا من قرية بائسة في الجنوب، لكنه يحمل في حنجرته كل التراب الذي مر به الإنسان منذ أن بدأ يحكي.

في مساء الذكرى الثامنة والثمانين هذا، حين نعيد قراءة «الطوق والأسورة» أو «الدف والصندوق» أو «حكاية على لسان كلب»، نشعر أن الزمن لم يمس هذه النصوص بسوء. ما يزال صوت يحيى يخرج من بين السطور بنبرته الجنوبية الخاصة، يلقي علينا قصصه كما كان يلقيها على يوسف إدريس في مقهى ريش، يحفظها ونحفظها معه، ويعيد إلى القصة العربية ذلك الذي كانت قد فقدته في طريقها إلى المطبعة، أن تكون كائنا حيا يتنفس، لا أثرا ميتا على الورق.

وحين نتذكر أن هذا الصوت قد صمت فجأة في صباح ربيعي على طريق الواحات قبل خمسة وأربعين عاما، ندرك حجم الخسارة التي ما زلنا نعيشها. لكننا ندرك في الوقت نفسه أن من يكتب بهذه الكثافة لا يموت كله؛ بل يبقى منه ما يكفي لأن نقول، كل أبريل/نيسان، إن الكرنك ما زالت تتكلم."

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار