آخر الأخبار

هيمنة القصيدة العمودية.. قراءة في تحولات الذائقة الشعرية الجزائرية

شارك

ولدت المدونة الشعرية الجزائرية من رحم المقاومة؛ فقد رافقت الثورات الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، ثم واكبت الحركة الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين، وصولاً إلى ثورة التحرير الوطني في خمسينياته، ما ربطها عضويا بقيم الحرية والانعتاق وقضايا الإنسان.

وبعد نيل الاستقلال الوطني عام 1962، انتقلت هذه الروح "الثورية" من مستوى الخطاب المباشر إلى مستوى المعمار الفني والقاموس اللغوي والهواجس الجمالية؛ فطلعت أقلام انتصرت للتجديد في هذه الأقاليم، حتى هيمنت على مختلف المنابر الأدبية، بالرغم من تحفظات أنصار "الذائقة القديمة".

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 مشاركة 1255 دار نشر من 49 دولة في الصالون الدولي للكتاب بالجزائر
* list 2 of 4 صالون الجزائر الدولي للكتاب يفتح أبوابه أمام الزائرين
* list 3 of 4 هل يمكن للترجمة تسويق الأدب الجزائري دوليا رغم تحديات الاقتصاد والثقافة؟
* list 4 of 4 الزهرة رميج للجزيرة نت: العلم هو "كوة النور" التي تهزم الاستبداد end of list

عودة "الخليلية"

يكشف رصد دقيق لملامح الساحة الشعرية الجزائرية في العقدين الأخيرين عن عودة لافتة للقصيدة العمودية "الخليلية" كظاهرة طاغية بين شعراء الجيل الجديد.

وإذا كان تمسك الرواد بالقالب الكلاسيكي يبدو مفهوما في سياقه التاريخي، فإن إقبال الأقلام الشابة عليها، في ظل بيئة تكنولوجية ووسائطية حديثة، يفرض ضرورة قراءة السياقات الموضوعية لهذا التحول، بعيداً عن منطق المحاكمة الجمالية، وبتركيز على الرصد والتحليل الفني.

مصدر الصورة شعراء جزائريون يسيرون على خطى الخليل بن أحمد (الصحافة الجزائرية)

تُظهر القراءة في سجلات الجوائز الأدبية الوطنية مؤشرات ملموسة على هذه الهيمنة؛ فمنذ انطلاق جائزة "رئيس الجمهورية لإبداعات الشباب" عام 2007، استأثر شعراء العمود بالمراتب الثلاث الأولى في أغلب الدورات، لدرجة أن فوز ديوان من "قصيدة النثر" بالمركز الثاني في دورة 2024 سُجل كحدث استثنائي في تاريخ الجائزة.

وبخلاف الاعتقاد الشائع الذي يربط هذه النتائج بمواقف "جمالية مسبقة" لدى لجان التحكيم، تشير الوقائع الميدانية ومعطيات الفرز في المسابقات الكبرى إلى أن السبب الحقيقي يكمن في "غزارة النتاج العمودي"؛ إذ تتجاوز نسبة المشاركات بهذا القالب ثلثي الأعمال المقدمة.

إعلان

ويتكرر هذا المشهد بوضوح في "جائزة أحرار نوفمبر"، و"جائزة شاعر الرسول"، وصولاً إلى "جائزة أحمد رحمون للديوان الأول"، حيث تشير التقارير التنظيمية إلى ندرة المشاركات التي تتبنى الأسلوب الحر، ما يفسر غيابها شبه التام عن منصات التتويج في هذه المحافل الأدبية.

سياقات متعددة: النفسي والاجتماعي

نقلت "الجزيرة نت" هذا الهاجس إلى الكاتب والباحث في علم الاجتماع الثقافي محمد بن زيان، الذي أكد أنه لا يمكن اختزال عودة القصيدة العمودية إلى المشهد الجزائري في عامل واحد، كما لا يمكن الخضوع لقولبة نمطية تفصلنا عن ملابسات يتداخل فيها البعد الثقافي بالنفسي والاجتماعي.

ويوضح بن زيان قائلاً: "ثمة دافع مرتبط بعودة الروح المنبرية والغنائية في التظاهرات والمسابقات الشعرية، والتي غالبا ما تشترط أن تكون النصوص عمودية، وهو ما يضاعف التحفيز على الميل نحو الأنماط الكلاسيكية، خاصة أن الامتيازات المالية والإعلامية لهذه المسابقات باتت مسيلة للعاب فعلا".

مصدر الصورة من حفل تسليم جائزة رئيس الجمهورية لإبداعات الشباب (البوابة الرسمية لرئاسة الحكومة الجزائرية)

ثم إن هناك توجها، يضيف صاحب كتاب "حرائق قلب"، لدى الشعراء الشباب لتأسيس تجربة خاصة، إيمانا منهم بأن التمكن من أدوات القصيدة العمودية هو المرجع الأساسي لتشكل تجربة شعرية قوية؛ فبعضهم يبدأ كلاسيكيا ليثبت تمكنه من الأدوات، ثم يغامر لاحقا نحو أشكال حداثية جديدة بغية الوصول إلى هويته الخاصة.

ولا يستبعد بن زيان أن تكون هذه الظاهرة إحدى ثمار ما أسماه "تخبطات الحداثة"، ليس على الصعيد الشعري فحسب، بل في كل الجوانب، وليس عربيا فقط، بل عالميا أيضا؛ حيث يمكن رصد تمثل الأجيال الجديدة للمرجعية التراثية بحثا عن هوية متجذرة وتأسيسا لها جماليا.

رجع الصدى والتبعية للمشرق

وعند سؤاله "ألا ترى أن الشعرية الجزائرية ظلت تابعة للمركزية المشرقية؟ فقد هيمنت القصيدة الحرة سابقا حين حصل ذلك في الفضاء المشرقي، فهل هذه العودة هي تفاعل مع هيمنتها من جديد هناك؟">

أجاب بن زيان بأنه ما عدا تجارب قليلة في الآونة الأخيرة، يظهر الخضوع للنموذج المشرقي بوضوح، حتى في توظيف الرموز الأسطورية واستعارة التمثلات المختلفة، وهو ما أفقد الكثير من النصوص العمودية الجزائرية قوة التعبير وعمق الرؤية التي لا تتحقق إلا باستيعاب الخصوصية المحلية.

ويتدارك صاحب كتاب "متاهة المغراوي" بالقول "إن الأمر لا ينحصر في الشعر العمودي فقط، بل يمتد أيضا إلى السرد والكتابة النقدية؛ فما يحدث حاليا يرتبط بهيمنة الصدى وخفوت الصوت الأصيل".

هارون عمري: بين التصور والتمظهر

من جهته، يعترف الشاعر هارون عمري، الذي يُعد من فرسان هذه الموجة، بأن الحواس البشرية تتعرض اليوم لمؤثرات بصرية وحسية لم تكن موجودة في الماضي؛ "فالشاعر الذي كان يلمس لجام الحصان والدرع والسعف والرمل، يتلمس اليوم باب المترو وصوت الآلة والشاشات الإلكترونية".

ومع ذلك، يرفض عمري أن تُختزل العمودية في الوزن وشكل "الصدر والعجز" فقط، مؤكدا أنها "موقف ورؤية في كتابة النص، وليست مجرد لباس خارجي له".

إعلان

ويستعرض صاحب ديوان "أولى المرايا وآخر الصور" تجربته قائلا: "إن تجربتي التي بدأت بالعمودي ثم انفتحت على التفعيلة والنصوص المفتوحة، منحتني مرونة عالية في العودة إلى العمود بوعي مغاير. فالشعر العمودي رغم قدمه، لا يزال يملك القدرة على التطوير وصهر التجربة الإنسانية الحديثة داخل نظامه الهندسي الصارم".

وعن كيفية تحقيق ذلك، يوضح أن الإضافة تكمن في شحن "البحر الشعري" بأسئلة الوجود المعاصر، وتحويل القافية من مجرد جرس موسيقي إلى محطة انتظار وتوتر معرفي. ويختم الفائز بجائزة "أحرار نوفمبر" حديثه بالتأكيد على أن التطور في الشعر معني بـ "التصور" لا بـ "التمظهر"؛ فكثيرا ما نجد نصوصا خارج الشكل العمودي لكنها بقيت "عمودية" وتقليدية في طرحها ومضمونها.

مصدر الصورة ملصقة دورة 2025 من المهرجان الثقافي الدولي للشعر الكلاسيكي (الجزيرة)

جلال قصابي: رهان تحديث المضامين

وفي السياق ذاته، يرى الشاعر الفائز بـ "جائزة أحمد رحمون للديوان الأول" جلال قصابي، أن القصيدة العمودية هي الصورة الكاملة والناضجة للشعر العربي، وهي التي أنتجت كبار الشعراء من عمرو بن كلثوم إلى المتنبي وصولاً إلى الجواهري.

ويواصل قصابي: "مهما قيل عن التفعيلة أو النثر، فإن القصيدة العمودية هي التي تحافظ على هيبة الشعر وتحببه في النفوس بموسيقاها. وإدراك الجيل الجديد لهذه الحقيقة هو ما أعادها إلى الواجهة بعد أن غُيبت لعقود ورُبطت بالتخلف".

وحول مفارقة توظيف التكنولوجيا الحديثة لتسويق نصوص "قديمة"، يرى قصابي أن الأمر يتعلق بالخيارات لا بذهنية متخلفة؛ "فالتقيد بالشكل لا يعني التقيد بالمضامين التراثية نفسها.

الشاعر الواعي يعتمد لغة عصره وأسئلته، لدرجة أن القدماء لو بُعثوا من جديد لاحتاجوا لمن يشرح لهم قصائدنا الحديثة، تماماً كما نحتاج نحن اليوم لمن يشرح لنا قصائدهم".

أحمد دلباني: المهرجان وحساسية التحديث

وتفاعلاً مع هذا الحراك، أطلقت وزارة الثقافة والفنون في فبراير/شباط 2015 "المهرجان الثقافي العربي للشعر الكلاسيكي" ببسكرة، بصفته حاضنة للتجارب الشابة والمكرسة. يقول محافظ المهرجان، الباحث أحمد دلباني، لـ "الجزيرة نت": إنه يفضل تسمية هذه القصيدة "الخليلية" لا "العمودية"، لأن مفهوم "عمود الشعر" في تراثنا كان أشمل من المعيار الوزني التقليدي.

ويرى دلباني أن تصدر هذه القصيدة للمشهد عند الشباب يربك مفاهيم التحديث التي نشأنا عليها، والتي كانت تعتبر التحديث حركة هدم للأشكال وخروجاً على وصاية الماضي. ويضيف صاحب كتاب "في الحداثة والهوية": "إنهم يتنافسون على الصنعة لا على الإبداع أو افتتاح أقاليم جديدة للحساسية والذوق.

ومما زاد الأمر تفاقماً هو اللهاث وراء التكريس عبر المسابقات التي تضع معايير الخطابة والمنبرية في تقييم الشعر".

ولا يغفل دلباني الوجه الفلسفي للظاهرة، المتمثل في "الانكماش والتمركز على الذات" كنوع من التأكيد على الهوية الثقافية في لحظة حضارية تعرف تصاعداً لنزعة الشك في وعود الحداثة والكونية التي انتهت، في نظره، إلى "خراب وشمولية ثقافية مقيتة".

ويختم دلباني بأنه يسعى لجعل المهرجان ملتقى لكل الحساسيات، مؤمناً بأن "صدام الجماليات" هو ما يعكس حراكاً إبداعياً حقيقياً يخرج بنا من الأحادية إلى زمن التعدد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار