آخر الأخبار

كيف تحولت العزلة إلى محتوى يحصد ملايين المشاهدات؟

شارك
فتاة تحب الجلوس وحيدة، وتملأ وقتها بالاستمتاع بالقراءة.صورة من: Aleksei Isachenko/imageBROKER/picture alliance

"أعيش وحدي، دون أصدقاء، ودون شكوى"

تشارك المؤثرة باولينا متابعيها تفاصيل يومها البسيطة. تعيش وحدها في منزلها، تتناول طعامها بمفردها، تتجول في المدينة بصمت وتلاعب قطتها، وتوثق روتينها اليومي في مقاطع قصيرة، تترافق مع موسيقى هادئة، وصور جذّابة

تكاد عبارة "أعيش وحدي، ليس لدي أصدقاء" القاسم المشترك بين جميع فيديوهات باولينا على منصات التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت جزءاً من هويتها الرقمية. حيث يتابع حسابها على الانستغرام أكثر من 325 ألف شخص، فيما تجاوزت بعض مقاطعها 11 مليون مشاهدة. فما الذي يجعل من مقاطع من هذا النوع تستقطب ملايين المتابعين؟

باولينا ليست سوى واحدة من عشرات صُنّاع المحتوى، الذين يروّجون لفكرة "العيش وحيداً" بوصفها خياراً واعياً وأسلوب حياة، يدعو إلى السلام الداخلي، والاستقلالية والتصالح مع الذات.

ومن جهة أُخرى يتساءل البعض عن تبعات وتأثير هذا الأسلوب الذي يفصل الفرد عن العائلة والمحيط والأصدقاء. فهل هو تحول حقيقي وجوهري لنظرة الجيل الجديد عن العلاقات؟ أم انه مجرد ترند عابر؟

شابّة تشعر بالضغط والاستنزاف من المحيط، وتهرب إلى العزلة.صورة من: Franck Fouquet/dpa/picture alliance

هل تجمل المنصات أشكال العزلة؟

ترى الباحثة ماريكا إرنست، المتخصصة في أبحاث العلاج النفسي والوحدة في جامعة كلاغنفورت، أن لهذه المقاطع وجهين مختلفين، أحدهما قد يُعتبر إيجابياً، فمن جهة قد تُسهم في كسر الوصمة المرتبطة بالخروج أو السفر، أو تناول الطعام بمفردك. وتقدّم صورة مختلفة عن المحتوى الذي يوحي بأن السعادة لا تتحقق إلا وسط الأصدقاء والازدحام.

إلا أنها في المقابل تحذّر من أن بعض الشباب الذين يعيشون أصلاً عزلة اجتماعيّة، الأكثر انطواءاً على أنفسهم، قد يتأثرون بهذه المقاطع أو بترند "مؤثرين الوحدة" فيعتبرون أن العزلة المستمرة طوال الوقت أمراً طبيعياً أو حتى نموذجاً يُحتذى به، ما قد يُسهم في تطبيع العزلة بدلاً من مواجهتها.

وفي نفس السياق يرى المعالج النفسي الأميركي فيل لين أن المشكلة لا تكمن في قضاء الوقت مع الذات، بل في تحويل العزلة إلى صورة مثاليّة على منصات التواصل، مؤكداً أن العلاقات الاجتماعيّة تبقى من الاحتياجات الأساسيّة للإنسان.

أرقام تدعو للقلق!

رغم الترويج للهدوء والسكينة المرافقة للصور والمقاطع المسجّلة، إلا أن الدراسات تشير إلى آثار صحيّة ونفسيّة خطيرة مرتبطة بالعزلة الاجتماعية. إذ ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب، والاضطرابات النفسية، وحتى الوفاة المبكّرة.

فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO) في دراسة أجرتها عام 2025، أقرّ ما بين 17 و21 بالمئة من الشباب، تتراوح أعمارهم بين 13 و29 عاماً، بأنهم يشعرون بالوحدة. فيما تقدّر المنظمة أن نحو ربع المراهقين يعانون من العزلة الاجتماعية.

وفي السياق نفسه أظهرت دراسة أجرتها شركة نيفيا في 13 دولة، أن 24 بالمئة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً يشعرون بالعزلة الاجتماعية ، مقارنةً ب 19% في جميع الفئات العمرية.

فتاة تقضي معظم وقتها في غرفتها، وتتجنب الاحتكاك بالآخرين.صورة من: Pancake Pictures/Image Source/picture alliance

"الإنسان كائن اجتماعي بطبعه"

تصف روهيف ابنة العشرون عاماً في مقابلة مع DW عربية، أنها شخص اجتماعي وحيوي، لكنها في مرحلة ما شعرت باستنزاف طاقتها مع المحيط. وظنّت في البداية أن الوحدة ربما قد تمنحها راحة أكبر، ومساحة خاصة تمارس فيها حريتها. وأن هذه المقاطع المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت دافعاً مباشراً جعلها تنكمش على نفسها أكثر وتتأثر بما يعرضونه حول يومياتهم الهادئة، وحاولت باللاشعور أن تتبنى شكل حياتهم.

لكن مع مرور الوقت أدركت أن انعزالها يؤثر سلباً على نفسيتها ومزاجها العام. وتضيف روهيف أن الإنسان لا يزدهر بمفرده، لأن أجمل تجاربه تبقى ناقصة، إذا لم يشاركها مع الآخرين، كالحب على سبيل المثال، النجاح المهني أو الدراسي، أو حتى عندما نمرّ بظروف حياتية قاسية، لا بدّ حينها أن نحتاج للآخر بجانبنا. حيث كما قال أرسطو أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه.

السعادة لا تقتصر على وجود الآخرين من حولنا !

وهنا ليلى البالغة من العمر 18 عاماً، لديها رأي آخر حول ذلك. فهي تعتقد أن هذا النوع الفردانيّ الرائج يساعد على تقبّل فكرة قضاء الوقت مع الذات، ويشجّع على الاستقلاليّة، وعدم ربط السعادة بوجود الآخرين. فهي تشعر نفسها أكثر راحةً عندما تشاهد فيلماً في سريرها لوحدها، أو عندما تجلس لشرب القهوة بمفردها في المقهى، أو حتى عندما تتسوق بدون رفاق. ترى ليلى أن الحياة أكثر سلاماً بدون ضجيج الآخرين وآرائهم المتناقضة وشجاراتهم المستمرة. وتفضّل أن تكون منطوية على نفسها، من أن تكون صاخبة ومستنزفة.

وبين مقاطع تمجّد الهدوء، ودراسات تحذّر من مخاطر العزلة، وآراء تختلف في أن العزلة الممتدة لها جوانبها السلبية على الصحة الجسديّة والنفسية، وبين من يرون أنها وسيلة للتصالح مع الذات والسلام الداخلي، يبقى هنا النقاش مفتوحاً حول الحدود الفاصلة بين الحرية الفرديّة والحاجة الإنسانية إلى وجود الآخر.

أعده للعربية: نوجين قدّو

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار