أثار طرح بحثي جديد حول مقبرة الملك الذهبي توت عنخ آمون موجة من الجدل العلمي، بعدما قدّم قراءة تربط بين تصميم المقبرة واصطفافات فلكية محددة، وصولا إلى فرضية تتعلق بظروف وفاة الملك الشاب وانتقال السلطة من بعده.
الدراسة، التي عُرضت في مؤتمر علمي بجامعة عين شمس، تذهب إلى أن المقبرة الشهيرة في وادي الملوك لم تكن مجرد بناء جنائزي تقليدي، بل صُممت -وفق تصورها- لتؤدي دورا رمزيا في "تشريع" انتقال الحكم، عبر ما يشبه "مسرحا كونيا-سياسيا" تتقاطع فيه حركة الأجرام السماوية مع طقوس العقيدة الملكية في مصر القديمة.
لكن هذا الطرح لم يمر دون اعتراض، إذ أكدت اللجنة العلمية للمؤتمر أن الورقة البحثية أثارت إشكاليات منهجية وعلمية، وأن الأدلة المقدمة لا تكفي لإثبات استنتاجات بهذا الحجم، خاصة ما يتعلق بالربط بين التوجيه الفلكي للمقبرة وفرضيات الاغتيال أو اغتصاب السلطة.
منذ اكتشافها عام 1922، ظلت مقبرة توت عنخ آمون (رقم 62) في وادي الملوك بالأقصر جنوبي مصر لغزا مفتوحا أمام علماء المصريات. فعلى الرغم من أنها تُعد من أشهر الاكتشافات الأثرية في العالم، فإن صغر حجمها وتواضع تصميمها المعماري مقارنة بمقابر ملوك آخرين أثارا تساؤلات مستمرة حول ظروف إعدادها.
وتكتسب المقبرة أهمية استثنائية لكونها من المقابر الملكية القليلة التي عُثر على محتوياتها سليمة نسبيا، إذ ضمت نحو 5000 قطعة من المقتنيات المتنوعة، من مجوهرات وملابس وأثاث وأدوات يومية وطقسية، وهو ما وفر صورة نادرة عن حياة البلاط الملكي في مصر القديمة.
في هذا السياق، يقدّم الباحث المصري أحمد عوض، المتخصص في الفلك الأثري، قراءة مختلفة للأيام الأخيرة للملك الشاب ودفنه. ويرى أن المقبرة لم تُبن فقط لتكون مثوى أخيرا، بل جرى توظيفها -بحسب طرحه- ضمن تصور عقائدي يربط بين العمارة الجنائزية وحركة الشمس والأجرام السماوية.
وبالاعتماد على برامج حاسوبية لتحليل التوجيه الفلكي لمقابر وادي الملوك، يذهب الباحث إلى أن مقبرة توت عنخ آمون خضعت لهذا المنطق، لكن مع "تطويع" خاص يخدم -وفق طرحه- إضفاء شرعية سماوية على انتقال العرش إلى الملك "آي".
تربط الدراسة هذه الفكرة بما تسميه ظاهرة "اتحاد الثورين"، وهي مفهوم ديني-فلكي قديم يشير إلى اصطفاف القمر بدرا عند شروقه مع الشمس وقت غروبها على محور واحد، في ظاهرة دورية تتكرر كل 19 عاما.
وترى الدراسة أن لهذه الظاهرة دلالات رمزية عميقة، تعبر عن انتقال السلطة الإلهية بين معبودات السماء، وتماثل في الوقت ذاته انتقال الحكم على الأرض من ملك إلى آخر، بما يمنح عملية التوريث بعدا كونيا يتجاوز الإطار السياسي المباشر.
وتربط هذه الرؤية بنصوص دينية مصرية قديمة، من بينها ما يعرف بـ"كتاب البقرة السماوية"، إلى جانب نقوش معابد الكرنك وإدفو وأبو سمبل ودندرة، في ما تعتبره انعكاسا لتكامل بين "النص" و"السماء" في العقيدة المصرية القديمة.
وبحسب الدراسة، تحقق هذا الاصطفاف الفلكي بالفعل في الثاني من أبريل/نيسان عام 1322 قبل الميلاد، حيث تزامن شروق القمر مع غروب الشمس على محور حجرة دفن توت عنخ آمون، وهو التاريخ الذي يُرجح أثريا أنه شهد نهاية حكمه وبداية حكم آي.
كما تشير إلى تكرار الظاهرة في العام نفسه على محاور معمارية أخرى، من بينها معبد إدفو ومقبرة الملك آي، وهو ما تراه دليلا على أن هذه التوافقات لم تكن محض مصادفة، بل جزءا من تصميم رمزي متكامل يخدم لحظة انتقال السلطة.
تمضي الدراسة إلى أبعد من ذلك، إذ تربط بين هذه المعطيات الفلكية وفرضية سياسية تتعلق بوفاة الملك الشاب. فاستنادا إلى قراءات طبية وتاريخية، تشير إلى أن توت عنخ آمون ربما عانى من مشكلات صحية أعاقت أداءه لبعض الطقوس الملكية الأساسية، مثل عيد "سد" الذي كان يمثل ركنا مهما في تثبيت شرعية الحكم.
وفي هذا السياق، تطرح الدراسة أن هذا العجز قد وضع المؤسسة الدينية في موقف حرج، وهو ما قد يكون مهّد -وفق تصورها- لعملية انتقال سلطة احتاجت إلى "غطاء إلهي" يبررها، وهو ما تجسد -بحسب الطرح- في توظيف المقبرة وطقوسها ضمن سياق فلكي يمنح هذا الانتقال شرعية كونية.
غير أن هذه الفرضيات واجهت انتقادات واضحة من الأوساط الأكاديمية. فقد أكدت اللجنة العلمية للمؤتمر الذي عُرضت فيه الدراسة أن المناقشات كشفت عن إشكاليات منهجية وعلمية، مشيرة إلى عدم كفاية الأدلة المقدمة لإثبات الربط بين التوجيه الفلكي للمقبرة واستنتاجات تتعلق بالاغتيال أو اغتصاب السلطة.
كما أوضحت أن عرض البحث في مؤتمر علمي لا يعني اعتماده، وأنه تقرر عدم إدراجه ضمن منشورات المؤتمر، نظرا لما تضمنه من استنتاجات غير مثبتة وأخطاء منهجية، مشددة على أن تداول هذه الأفكار إعلاميا لا يمنحها صفة الحقيقة العلمية.
بعيدا عن هذا الجدل، يظل صغر حجم مقبرة توت عنخ آمون مقارنة بمكانته الملكية أحد أبرز الألغاز. ومن بين التفسيرات المطروحة أن وفاته المفاجئة فرضت إعداد المقبرة على عجل، أو أن مكان دفنه لم يكن مخصصا له في الأصل.
ورغم بساطة تصميمها النسبي، فإن المقبرة احتوت على كنز ضخم من المقتنيات التي قُدرت بنحو خمسة آلاف قطعة، وهو ما جعلها مصدرا لا يقدر بثمن لفهم تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الجنائزية في مصر القديمة.
صورة أرشيفية للأثاث الجنائزى داخل مقبرة توت عنخ آمون، الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)وبين فرضيات تربط الأرض بالسماء، وأخرى تعيد الأمور إلى سياقها التاريخي والأثري، يبقى توت عنخ آمون -بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام على وفاته- لغزا مفتوحا يتجدد مع كل قراءة جديدة.
فالمقبرة الصغيرة التي أخفت كنزا هائلا لا تزال قادرة على إثارة أسئلة أكبر من حجمها، في انتظار ما قد تكشفه الدراسات المقبلة بين حدود العلم واحتمالات التأويل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة