تسببت حملات المداهمة التي تنفذها سلطات الهجرة الأمريكية في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا في تراجع حاد في الحضور المدرسي، إذ باتت نصف المقاعد تقريبا شاغرة في بعض المدارس العامة، وسط مخاوف متصاعدة بين الطلاب وأسرهم من الاعتقال أو الترحيل.
وفي مدرسة ثانوية عامة مستقلة، كان يحضرها نحو 800 طالب بانتظام، انخفض العدد إلى أقل من 400 خلال أسابيع قليلة، بعدما امتنع مئات الطلاب عن الحضور خوفا من توقيفهم أو توقيف ذويهم في محيط المدارس.
وتحوّل محيط المدرسة إلى ما يشبه نقطة مراقبة يومية؛ إذ يصل المشرفون قبل بدء الدوام بساعة، مرتدين سترات عاكسة ويحملون أجهزة اتصال، لمتابعة أي تحركات محتملة لعناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (U.S. Immigration and Customs Enforcement).
كما غطيت نوافذ الطابق الأرضي بأوراق ملونة لمنع رؤية ما يجري في الداخل، ووضعت إشعارات تحظر دخول أي جهة إنفاذ قانون فيدرالية من دون أمر قضائي نافذ أو تفويض قانوني مكتوب من إدارة المدرسة.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق حملة مداهمات أطلق عليها اسم "الانتشار السريع بالمدن" (Rapid City Spread)، وهدفها احتجاز المهاجرين غير الحاصلين على وثائق رسمية وترحيلهم.
وقد أثارت الحملة احتجاجات واسعة في أنحاء متفرقة من الولايات المتحدة، لا سيما بعد مقتل مواطنين أمريكيين برصاص عناصر فيدراليين خلال عمليات إنفاذ، وفق تقارير إعلامية أمريكية.
وتقول إدارة المدرسة إن أجواء القلق طغت على العملية التعليمية، إذ ينسق على مدار اليوم مع متطوعين من سكان الحي لرصد أي وجود لعناصر الهجرة في المنطقة. وعند الاشتباه بوجودهم، تغلق أبواب الفصول وتخلى الممرات إلى حين إعلان "الوضع الآمن".
وامتد التأثير إلى مدارس أخرى في المدينة، حيث أغلقت ثلاث مدارس خاصة صغيرة على الأقل أبوابها، فيما أعادت مؤسسات تعليمية توجيه عشرات آلاف الدولارات نحو التعليم عن بعد (Distance Learning) وتدابير السلامة وتوزيع الغذاء، بدلا من إنفاقها على برامج أكاديمية أساسية.
وتشير إدارة المدرسة إلى أن 84% من طلابها ينحدرون من دول أمريكا اللاتينية، و12% من أصول أفريقية، وأن عددا من الطلاب سبق احتجازه ثم أفرج عنه، فيما جرى استجواب آخرين في محيط المدرسة بشأن أوضاعهم القانونية.
كما أفاد موظفون من أصول لاتينية بتعرضهم للتوقيف وطرح أسئلة عليهم حول وضعهم الهجري، وتقول المديرة التنفيذية للمنطقة التعليمية إن "العائلات تشعر وكأنها مطاردة"، مشيرة إلى أن كثيرين فضلوا إبقاء أبنائهم في المنازل خشية المخاطرة.
وفي اليوم التالي قتلت امرأة برصاص أحد العناصر، أعقبها بعد أسابيع مقتل ممرض آخر خلال عملية منفصلة، ما أدى إلى موجة جديدة من الغياب المدرسي بعد تحسن نسبي محدود في أعداد الحضور.
وفي مواجهة هذا الواقع، لجأت المدارس إلى توسيع نطاق التعليم الإلكتروني (E-learning)، وتوفير أجهزة حاسوب وهواتف مزودة بخدمة الإنترنت للطلاب غير القادرين، وإرسال واجبات عبر البريد الإلكتروني.
كما ألغي كثير من الأنشطة الميدانية وفترات الاستراحة، فيما يتولى معلمون ومتطوعون توزيع مواد غذائية ومستلزمات أساسية على الأسر، مع إيصالها إلى المنازل في بعض الحالات.
في المقابل، تنفي وزارة الأمن الداخلي (Department of Homeland Security) أن تكون المدارس مستهدفة، وتقول إن تحميل إدارة الهجرة مسؤولية تراجع الحضور "يخلق مناخا من الخوف ويشوه سمعة أجهزة إنفاذ القانون" وتؤكد أن التدخل داخل المدارس لا يتم إلا في حالات استثنائية وبموجب أوامر قانونية.
ورغم ذلك، لا يزال الخوف عاملا حاسما في حياة مئات الطلاب في مينيابوليس، حيث بات الذهاب إلى المدرسة قرارا محفوفا بالمخاطر في نظر كثير من العائلات، وسط جدل متصاعد حول كلفة السياسات الأمنية على حق الأطفال في التعليم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة