شهد شهر فبراير عام 1869، اكتشاف أكبر كتلة ذهبية صلبة في العالم في ولاية فيكتوريا الأسترالية، سُميت في وقت لاحق "أهلا بالغريب".
تعود قصة هذا الاكتشاف الفريد إلى الحظ السعيد الذي حالف المنقبين البريطانيين جون ديسون وريتشارد أوتس. بينما كان الاثنان ينقبان في منطقة وادي بولدوغ، اصطدم معولهما فجأة بجسمٍ صلب على عمق لا يتجاوز ثلاثة سنتيمترات تحت سطح الأرض، عند قاعدة شجرة على منحدر طبيعي.
توجد رواية أخرى تذكر أنهما كانا يحاولان تحرير عجلة عربة عالقة، فانحنى ديسون ليفحص ما اعتقد أنه صخرة كبيرة تعترض الطريق، ليكتشف أنها كتلة ثقيلة تتلألأ ببريق الذهب الخالص. أصبحت تلك الكتلة، التي بلغ طولها نحو ستين سنتيمترا وعرضها حوالي ثلاثين سنتيمترا، أكبر قطعة ذهب خالص يُعثر عليها في التاريخ المسجل.
من المفارقات اللافتة أن المجتمع المحلي لم يكن يمتلك وسائل قادرة على وزن كتلة بهذا الحجم الضخم، فاضطر الحدّاد أرشيبالد وولس إلى تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء باستخدام سندانه.
يتراوح الوزن الإجمالي للكتلة بين الروايات التاريخية، لكن الرقم الأكثر تداولا يشير إلى أن وزنها تجاوز 109 كيلوغرامات، كان منها حوالي 72 كيلوغراما من الذهب الصلب. بعد التقسيم، بيع 66 كيلوغراما من الذهب للبنك، بينما احتفظ ديسون وأوتس بالباقي. دفع البنك المشتري مبلغ 9563 جنيها إسترلينيا، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك العصر، إذ يعادل، بحسب تقديرات المؤرخين، راتب موظف عادي لمدة 42 عاما، براتب شهري مفترض يعادل ثلاثة آلاف دولار حاليا.
سُرعان ما نُقل الذهب، بعد صهره وتحويله إلى سبائك، إلى ملبورن، ثم شُحن على متن الباخرة "ريغيت" في 21 فبراير المتجهة إلى بنك إنجلترا. للأسف، لم تلتقط أي صورة للكتلة في هيئتها الأصلية، فقد تم تفتيتها وإعادة تدويرها بسرعة، ولم يبق منها سوى نماذج طبق الأصل أُعدّت لاحقًا استنادا إلى أوصاف شهود العيان.
هذا الاكتشاف يأتي في إطار ما عُرف بحمى الذهب في فيكتوريا، التي انتشرت عام 1851 واستمرت حتى عام 1870. أدّت أنشطة التنقيب النشطة إلى تغيير ديموغرافي كبير، حيث تضاعف عدد سكان أستراليا أكثر من مرتين ونصف بفضل تدفق العمالة من شتى أنحاء العالم.
تبرز منطقة "المثلث الذهبي الأسترالي"، الواقعة بين بالارات وبنديجو وويدربورن، كأشهر مواقع التنقيب في البلاد، حيث ما تزال تحتضن حتى اليوم رواسب ذهبية كبيرة. تجدر الإشارة إلى أن أستراليا تحتفظ حتى الآن بصدارة العالم في تسجيل أكبر كتل الذهب المكتشفة، خاصة في مناطق جنوبها الشرقي.
لتخليد ذكرى هذا الاكتشاف الاستثنائي، نُصبت مسلة من الجرانيت في الموقع الأصلي لاكتشاف "أهلا بالغريب"، كما أُقيم نصب تذكاري في بلدة دونولي في فيكتوريا. بل إن التكريم امتد إلى مسقط رأس أحد المكتشفين في إنجلترا، حيث يقف تمثال في مدينة ريدروث يصور منقبَين اثنين وهما ينظفان التراب عن كتلة ذهب عملاقة، في مشهد يخلّد لحظة تاريخية غيّرت حياة رجلين وتركت أثرا دائما في سجلات الثروة والاستكشاف.
المصدر: RT
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة
مصدر الصورة