آخر الأخبار

الشبكات الخفية التي تدير سيمفونية الإنذار في سماء طهران وتل أبيب

شارك

بينما تضج سماء الشرق الأوسط بأصوات المحركات النفاثة وصافرات الإنذار، تدور في "الخفاء" حرب مغناطيسية وإلكترونية لا يراها البشر، تقودها شبكات من الرادارات والأقمار الصناعية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

هذه الشبكات هي "المايسترو" الذي يقرر متى تدق الصافرة، وأين يجب أن يهرع الملايين إلى الملاجئ، وفي أي أجزاء من الثانية يتم اعتراض "الموت القادم من السماء".

فالرحلة التقنية للإنذار لا تبدأ من الأرض، بل من الفضاء، وفي هذه المرحلة، لا تبحث الأنظمة عن الصاروخ ككتلة صلبة، بل تبحث عن "التوقيع الحراري" لمحركه.

مصدر الصورة تل أبيب تعتمد على "التغذية الفورية" من شبكة الأقمار الأمريكية التي توفر زمن إنذار قياسي (شترستوك)

فإسرائيل تعتمد في هذا الصدد بشكل عضوي على نظام الأشعة تحت الحمراء القائم في الفضاء "أس بي آي آر أس" (SBIRS) التابع لسلاح الجو الأمريكي.

ووفقا لتقارير شركة " لوكهيد مارتن" (Lockheed Martin)، المصنعة لهذه الأقمار، فإن هذه "العيون الكونية" قادرة على اكتشاف الوميض الحراري لحظة الإطلاق من أي نقطة في إيران.

وتؤكد قيادة الاستراتيجية الأمريكية أن زمن نقل هذه المعلومة إلى مراكز إدارة المعارك في إسرائيل يستغرق أقل من ثانيتين عبر خطوط ألياف ضوئية تحت بحرية ومشفرة عسكريا.

في المقابل، صاغت إيران استراتيجيتها الخاصة بالاعتماد على كوكبة أقمار "نور 3" (Noor-3). وبحسب تحليل معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية "سي أس آي أس" (CSIS)، فإن هذه الأقمار تمثل "قفزة سيادية" لطهران، حيث توفر استشعارا حراريا وبصريا مستقلا يسمح للقوات الجوفضائية التابعة للحرس الثوري برصد التحركات الجوية المعادية فوق الخليج والحدود الغربية، وتغذية مراكز الإنذار الأرضية بالبيانات دون الحاجة لوسيط دولي.

"خوارزميات الفرز".. العقل الذي يقرر من يهرب ومن ينام

بمجرد وصول البيانات من الفضاء، تنتقل المهمة إلى رادارات التتبع الأرضية والمصفوفات الطورية (Phased Array) التي تقوم بعملية "تجزئة التهديد".

إعلان

ففي تل أبيب، يبرز نظام "إم بريست" (mPrest)، وهو العقل البرمجي للقبة الحديدية ومنظومة سهم. وتوضح تقارير وزارة الدفاع الإسرائيلية أن هذا النظام يقسم البلاد إلى أكثر من 1800 "مربع إنذار".

فالخوارزمية هنا لا تكتفي برصد الصاروخ، بل تحسب "نقطة السقوط المتوقعة" بدقة، فإذا كان الصاروخ سيسقط في منطقة مفتوحة، تظل الصافرات صامتة لتجنب الهلع والضرر الاقتصادي، أما إذا كان موجها لمنطقة مأهولة، فتدق الصافرة في ذلك الحي تحديدا دون غيره.

أما في طهران، فإن المتحكم هو مركز قيادة "خاتم الأنبياء" للدفاع الجوي. وبحسب دراسة معمقة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، يعتمد هذا المركز على نظام دمج بيانات هجين يربط بين رادارات "قدير" بعيدة المدى وأنظمة الرصد السلبي.

أما الميزة التقنية هنا فهي "الدفاع المتعدد الطبقات"، حيث يتم تفعيل الإنذار بناء على مسارات التفافية، مما يعقد مهمة الطائرات المسيرة وصواريخ كروز التي تحاول الاختباء خلف التضاريس.

مصدر الصورة التطبيقات الذكية تشكل الطبقة الرقمية الأسرع التي تنقل التحذير من الرادار إلى جيب المواطن في أقل من ثانية (شترستوك)

كيف يصل الإنذار إلى يد المواطن؟

تصل "الصرخة الرقمية" إلى الجمهور عبر قنوات محصنة سيبرانيا ضد الاختراق، حيث تشير منظمة الاتصالات الدولية "آي تي يو" (ITU) إلى أن البلدين يستخدمان تقنية "بث الخلية" (Cell Broadcast)، وهي تكنولوجيا تختلف عن الرسائل النصية العادية، حيث لا تتأثر بازدحام الشبكات وتصل لكل الهواتف في المنطقة الجغرافية المستهدفة خلال 0.5 ثانية.

إلى جانب ذلك، تبرز التطبيقات الذكية المرتبطة بالسحابة، ووفقا لمعهد دراسات الأمن القومي " آي إن أس أس" (INSS)، فإن هذه التطبيقات تعمل كنسخة احتياطية إذا تعرضت الصافرات الميكانيكية للتشويش الإلكتروني أو النبضات الكهرومغناطيسية التي قد تطلقها الأسلحة المتقدمة لتدمير الدوائر الكهربائية.

لكن يبقى التحدي الأكبر لهذه الشبكات ليس الصواريخ، بل "البيانات الزائفة"، حيث تؤكد تقارير "ديفينس نيوز" (Defense News) أن المنطقة تشهد حربا مستعرة في مجال تزييف نظام تحديد المواقع العالمي "جي بي أس" (GPS) وانتحال المواقع (Spoofing).

والخطر هنا يكمن في إيهام أنظمة الإنذار بوجود "أهداف شبحية"، مما قد يؤدي لتفعيل الصافرات بشكل خاطئ لاستنزاف الصواريخ الاعتراضية أو إرهاق السكان نفسيا. ولذلك، تدمج هذه الشبكات اليوم خوارزميات "تصفية الضجيج" التي تعتمد على مقارنة البيانات الفضائية بالأرضية للتأكد من فيزيائية الهدف.

وبناء على ذلك، فإن خبراء التقنيات يقولون إن هذه الشبكات الخفية فوق طهران وتل أبيب ليست مجرد أدوات عسكرية، بل هي "بنية تحتية وجودية"، وبينما يرى العالم انفجارات في السماء، تدير هذه الأنظمة صراعا صامتا بين "سرعة الحساب" و"سرعة السقوط". فهي سمفونية تكنولوجية تبرهن أن الحروب الحديثة تربح أو تخسر في "المجال السيبراني" قبل أن تلمس الصواريخ الأرض.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار