على الرغم من الثقة المطلقة التي يبثها حارس المرمى أوناي سيمون، فإن السلسلة التاريخية لـ "لاروخا" في الحفاظ على نظافة شباكه طوال منافسات كأس العالم 2026 لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج جهد تكتيكي ومنظومة جماعية صارمة وضع حجر أساسها المدير الفني لويس دي لا فوينتي.
ولم يستقبل المنتخب الإسباني أي هدف في 5 مباريات خاضها في هذه النسخة، مما مهد له الطريق لبلوغ الدور ربع النهائي، حيث يضرب موعداً نارياً أمام بلجيكا الجمعة 10 يوليو/تموز.
وتكمن قوة الدفاع الإسباني في خمسة مفاتيح تكتيكية فريدة:
قوة دفاع "لاروخا" تنبع بالأساس من أسلوبه الهجومي الاستباقي؛ حيث تمنع فترات الاستحواذ الطويلة في نصف ملعب الخصم المنافسين من التفكير في تشكيل خطورة على مرمى حارس أتلتيك بيلباو.
ويعد المنتخب الإسباني الأكثر تمريراً في الثلث الهجومي بواقع 1823 تمريرة بنسبة نجاح بلغت 88%، متفوقاً بفارق مريح على الأرجنتين (1644 تمريرة) وفرنسا (1596 تمريرة).
تواجد إسبانيا المكثف في مناطق الخصم يتيح لها ممارسة ضغط خانق فور فقدان الكرة، مما يحرم المنافسين من بناء هجمات مرتدة متواصلة. ويتصدر "لاروخا" عالمياً في نسبة التدخلات الناجحة لاستعادة الكرة بـ 71.43%، متقدماً على منتخبات تتفوق ببدنيتها الصارمة مثل النرويج (69.33%) وباراغواي (67.42%).
على عكس الهوية التاريخية للكرة الإسبانية، فرض الفريق هيمنته في الصراعات الهوائية، كأكثر من فاز بالالتحامات العلوية في المونديال بمعدل 12.4 التحاماً في المباراة وبنسبة نجاح 66%.
وتعتبر هذه الإحصائية مذهلة بالنظر إلى أن متوسط طول لاعبي إسبانيا يبلغ 1.81 متر فقط، مما يضعهم في المرتبة 31 (قبل الأخيرة) من حيث طول القامة بين منتخبات البطولة.
شلت المنظومة الإسبانية فاعلية الخصوم تماماً؛ فمن أصل 29 تسديدة واجهها الفريق في 5 مباريات، وصلت 5 تسديدات فقط بين القائمين والعارضة.
هذا العمل الجماعي سمح لأوناي سيمون بتحطيم الرقم القياسي العالمي لأطول فترة متواصلة دون استقبال أهداف في تاريخ كأس العالم، والذي كان مسجلاً باسم الإيطالي والتر زينغا، حيث حافظ سيمون على نظافة شباكه لـ 609 دقائق ممتدة بين نسختي 2022 و2026.
تحققت هذه الصلابة دون اللجوء إلى الخشونة أو ارتكاب مخالفات فجة؛ إذ لم يتلق لاعبو إسبانيا سوى 3 بطاقات صفراء فقط في 5 مباريات (بيدري أمام الرأس الأخضر، أليكس باينا ضد أوروغواي، وفيران توريس ضد البرتغال). ومن بين المنتخبات المستمرة في الصراع، لا يتفوق عليها في اللعب النظيف سوى النرويج ببطاقتين.
إلى جانب إعجاز أوناي سيمون، يدين الماتادور بهذا الاستقرار لثنائية قلب الدفاع الشابة والمخضرمة؛ حيث فرض موهبة برشلونة باو كوبارسي نفسه كأحد أفضل مدافعي المونديال في أول بطولة كبرى له، مكملاً بخفته وقدرته على بناء اللعب خبرة إيميريك لابورت.
كوبارسي (19 عاماً) الذي فضل دي لا فوينتي الرهان عليه أساسياً على حساب أسماء موثوقة مثل دينيس هويسين وروبن لي نورماند، خطف الأنظار بأدائه الناضج، ليثبت أن جيل "البارسا" الجديد لا يقتصر على سحر لامين جمال هجومياً فحسب، بل يمتلك أيضاً جداراً دفاعياً لا يقهر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة