تخضع مسيرة لاعبي كرة القدم في الغالب لمنحنى ثابت: صعود سريع، بقاء قصير في القمة، ثم هبوط تدريجي نحو النسيان، غير أن السنغالي ساديو ماني قرر كسر هذه القاعدة تماما.
فمن مغادرة ليفربول إلى بايرن ميونخ، ثم الانتقال إلى الدوري السعودي، وصولا إلى معانقة المجد مع المنتخب السنغالي في المغرب، أثبت ماني أنه ليس مجرد لاعب موهوب، بل تجسيد حي لعقلية صمود وقدرة على الانبعاث من جديد.
ولا يمكن قراءة هذا الصمود بمعزل عن حقبته الذهبية في ليفربول تحت قيادة يورغن كلوب. ففي "الأنفيلد"، تشكلت شخصية ماني عبر "قسوة تنافسية" جعلته ركيزة في الجيل الذي أعاد "الريدز" إلى الواجهة.
هناك، شكل مع محمد صلاح وروبرتو فيرمينو مثلثا هجوميا مرعبا صنع التاريخ، وقاد الفريق لمنصات التتويج في دوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي الممتاز.
ورغم سنوات المجد، التقط ماني إشارات النهاية بذكاء. فمع تراجع دوره وبقائه على دكة البدلاء، ووصول دماء جديدة تمثلت في لويس دياز ودييغو جوتا الذي توفي في حادث سير، أدرك النجم السنغالي أن رياح التغيير قادمة لا محالة. لكنه، وبدلا من انتظار المجهول، اختار أن يكون السبّاق في اتخاذ قرار الرحيل عن الريدز بعد 6 سنوات رائعة، ليصنع لنفسه مسارا جديدا.
عندما حزم ماني حقائبه نحو بايرن ميونخ ثم إلى النصر السعودي، سارع الكثيرون لكتابة نهاية مسيرته الكروية وقيل إن "شغفه قد انطفأ".
لكن ما غاب عن هؤلاء هو أن الانتقال إلى النصر لم يكن تقاعدا، بل كان تحديا جديدا في بيئة مختلفة تماما. وجوده بجانب أساطير مثل كريستيانو رونالدو في مشروع رياضي ضخم عزز من صلابته الذهنية.
لقد أثبت ماني أن القائد لا يحتاج إلى دوري كبير في أوروبا أو مسابقة بحجم أبطال أوروبا ليظل قائداً؛ هو يحتاج فقط إلى ملعب وكرة وهدف.
في نهائي أمم أفريقيا 2021 ضد منتخب مصر، تجلى المعدن الحقيقي لماني حينما تحوّل من "متهم" بإهدار ركلة جزاء في الدقيقة السابعة من اللقاء، إلى بطل حسم اللقب بركلة الترجيح الأخيرة لتفوز السنغال 4-2 وتوج باللقب.
بين اللحظتين، لم يتوار ماني عن الأنظار، بل واصل القتال بتركيز عالٍ لأكثر من 120 دقيقة، ليترجم عمليا مفهوم العقلية الفوز؛ التي لا تكمن في تجنب الأخطاء، بل في الصلابة الذهنية لعدم السماح لتلك الأخطاء بتدمير الطموح".
وبينما اعتقد البعض أن إنجاز 2021 كان بداية النهاية للمهاجم السنغالي عاد الأخير في 2025-2026 ليثبت العكس بعد أن وصل بمنتخب بلاده إلى النهائي وتوج باللقب على حساب المغرب صاحب الأرض، ووسط جماهير متحمسة، وضغوط هائلة.
ما فعله ماني لم يكن مجرد أداء فني، بل كان درساً في القيادة، فعندما توترت الأعصاب واشتعلت المباراة، كان "صمام الأمان".
هدوؤه وسط العاصفة، وتوجيهه لزملائه الشباب، ورفضه للاستسلام أمام الضغط الجماهيري المغربي، كلها كانت تجليات لخبرة السنين التي صقلتها ملاعب إنجلترا وألمانيا والسعودية.
التتويج باللقب الثاني في المغرب لم يكن مجرد كأس؛ كان رسالة مفادها: "أنا لست ماضياً، أنا الحاضر المستمر".
وقال لامين كامارا "كنا في غرفة الملابس، وكان هو الوحيد الذي دخل يصرخ فينا للخروج وإنهاء المباراة. وفي النهاية، كان على حق؛ خرجنا واستمعنا إليه لأنه إذا تحدث ساديو ماني، يستمع الجميع، وفي النهاية سارت الأمور بشكل جيد بالنسبة لنا".
من خلال ثباته أمام تقلبات مسيرته ومنحنياتها، رسّخ ماني حقيقة واحدة: "عقلية الفوز" ليست هبة فطرية يولد بها الانسان، بل هي عضلة ذهنية يتم صقلها وتقويتها بالتمرين المستمر عبر السنين".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة