آخر الأخبار

قبل 4 آلاف عام.. حين غيّر النيل مجراه فمهّد لقيام حضارة كوش

شارك

لم يكن نهر النيل مجرد مصدر للمياه في شمال السودان القديم، بل كان عنصرا بيئيا حاسما ساعد في تشكيل واحدة من أهم الحضارات الأفريقية المبكرة، وهي مملكة كوش، حسب ما كشفته دراسة حديثة نشرت يوم 27 أبريل/نيسان في مجلة "بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS).

في الدراسة، أعاد باحثون بناء تاريخ تطور نهر النيل قرب جبل البركل، الموقع الأثري الشهير الذي احتضن مدينة نبتة، العاصمة السياسية والدينية القديمة لمملكة كوش، موضحين كيف ساهم استقرار النهر وتغيراته التدريجية في نشوء هذا المركز الحضاري واستمراره لقرون طويلة.

مصدر الصورة هذا الموقع الأثري الشهير احتضن مدينة نبتة (شترستوك)

استقرار النهر صنع تربة الحضارة

تقع مدينة نبتة عند سفح جبل البركل في شمال السودان، وازدهرت بين عامي نحو 1070 قبل الميلاد و350 ميلاديا، واشتهرت بمعابدها وأهراماتها وقصورها، وكانت من أبرز مراكز السلطة في أفريقيا القديمة.

في الدراسة، اعتمد الباحثون على تحليل 26 عينة رسوبية من باطن الأرض، إلى جانب تقنيات حديثة لتأريخ الطبقات الجيولوجية، بهدف إعادة رسم تاريخ النيل في المنطقة خلال آخر 12500 سنة.

ويوضح المؤلف الرئيسي للدراسة، جيف إمبرلينغ، الباحث المشارك في متحف كيلسي، ومدير الأبحاث الأثرية حول كوش القديمة في جبل بركل شمال السودان أن النتائج أظهرت أن النهر مر بتحولات كبيرة؛ ففي المراحل المبكرة، كان أكثر قوة وعنفا، ينحت مجراه بعمق.

يقول إمبرلينغ في تصريحات للجزيرة نت: "لكن قبل نحو 4 آلاف عام، بدأ النيل في التحول إلى نهر أكثر هدوءا، يراكم الطمي والرواسب بدلا من إزالة التربة"، ويضيف أن هذا التحول أدى إلى تكوين سهل فيضي واسع وخصب، بسمك كبير من الرواسب الزراعية الغنية، وفر تربة مناسبة للزراعة، مع تقليل مخاطر الفيضانات العنيفة.

وبذلك، أصبحت المنطقة قادرة على دعم استقرار بشري طويل الأمد، وهو عامل أساسي في نشوء المراكز الحضرية الكبرى.

مصدر الصورة أصبحت المنطقة قادرة على دعم استقرار بشري طويل الأمد (شترستوك)

لماذا كانت نبتة موقعا مثاليا؟

تكشف الدراسة أن موقع نبتة لم يكن اختيارًا عشوائيا، بل جمع بين عدة مزايا طبيعية مهمة؛ فقد بنيت المدينة على أرض مرتفعة نسبيا عند حافة السهل الفيضي، ما وفر حماية من الفيضانات، مع البقاء قريبا من النهر كمصدر للمياه والزراعة والنقل والتجارة.

إعلان

كما لعب الشلال الرابع للنيل، الواقع شمال المنطقة، دورا مهما في تهدئة تدفق المياه، إذ ساعدت تضاريسه الصخرية على تقليل سرعة النهر، ما شجع على ترسيب المزيد من الطمي في محيط نبتة.

يضيف الباحث الرئيسي أن الأودية الجافة المحيطة بجبل البركل ساهمت أيضا في تكوين رواسب إضافية دعمت البنية العمرانية للمدينة. وكان لجبل البركل نفسه دور ديني ورمزي مهم، إذ اعتبر موقعا مقدسا في الثقافة الكوشية، ما منح المدينة بعدا روحيا إلى جانب أهميتها الاقتصادية والسياسية.

ورغم أن الدراسة تؤكد أهمية النهر والمناخ في خلق الظروف المناسبة، فإنها تشدد على أن الطبيعة وحدها لم تكن كافية. فالنجاح الحضاري لنبتة اعتمد أيضا على قرارات بشرية، مثل اختيار الموقع بعناية، وتنظيم استخدام الأراضي، واستغلال الموارد الزراعية، والتكيف مع التغيرات البيئية.

تفاعل بين البيئة والإنسان

يرى الفريق البحثي أن ازدهار كوش جاء نتيجة تفاعل بين البيئة المستقرة والإدارة البشرية الفعالة، وليس نتيجة الجغرافيا وحدها؛ كما تشير النتائج إلى أن التغيرات المناخية اللاحقة، بما في ذلك زيادة الجفاف، ربما ساهمت في انتقال مركز القوة الكوشية جنوبا إلى مروي لاحقا، لكن هذا التحول لم يكن بيئيا فقط، بل ارتبط أيضا بعوامل سياسية واقتصادية.

ويشير إمبرلينغ، إلى أن الدراسة تقدم منظورا أوسع لفهم نشوء الحضارات القديمة في أفريقيا، وتوضح أن النهر لم يكن مجرد خلفية جغرافية، بل قوة نشطة ساهمت في تشكيل الاستقرار السياسي والثقافي. وفي حين حظيت العلاقة بين النيل والحضارة المصرية باهتمام واسع، تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية السودان القديم ومملكة كوش في تاريخ الحضارات النهرية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار