في اكتشاف علمي لافت، كشف علماء صينيون أن اصطداما كونيا عملاقا قبل أكثر من 4 مليارات سنة قد يكون السبب الجذري وراء الاختلاف الغامض بين وجهي القمر: الوجه القريب المألوف لنا، والوجه البعيد شبه المجهول.
هذا الاستنتاج جاء بعد تحليل عينات نادرة أعادتها مهمة "تشانغ آه-6" (Chang’e-6) من أحد أقدم وأضخم معالم القمر الجيولوجية وهو حوض أيتكين القطبي الجنوبي (South Pole–Aitken Basin)، الذي يمتد على مسافة هائلة تبلغ نحو 2500 كيلومتر، ويغطي جزءا كبيرا من الجانب البعيد من القمر.
من ينظر إلى القمر يلاحظ بسهولة البقع الداكنة الواسعة على وجهه القريب، المعروفة علميا باسم البحار البركانية (الماريا)، وهي ليست بحارا مائية، بل هي سهول شاسعة من الحمم البازلتية المتجمدة، تشكّلت حين تدفقت الصهارة من باطن القمر وملأت أحواض اصطدام قديمة. ومن أشهرها: بحر الأمطار وبحر الصفاء وبحر الهدوء وبحر الخصوبة وغيرها.
في المقابل يكاد الوجه البعيد يخلو من هذه البحار، ويغلب عليه سطح فاتح مليء بالفوهات، وهو ما حيّر العلماء عقودا: لماذا حدث النشاط البركاني في جهة دون الأخرى؟
الجواب بدأ يتضح مع عينات تشانغ آه-6، التي جُمعت من داخل حوض القطب الجنوبي أيتكين، وهو حوض اصطدام يبلغ قطره نحو 2500 كيلومتر، ويُعد من أكبر وأقدم الفوهات في النظام الشمسي.
عند تحليل صخور البازلت، وجد العلماء نسبة غير مألوفة بين نظيري عنصر البوتاسيوم: البوتاسيوم-41 والبوتاسيوم-39. هذه النسبة أعلى بكثير مما وُجد في عينات الوجه القريب التي جلبتها بعثات "أبولّو" الأمريكية.
وبعد استبعاد تأثير الأشعة الكونية أو العمليات البركانية العادية، خلص الباحثون إلى أن السبب الأرجح هو الاصطدام الهائل نفسه.
بحسب الدراسة، فإن الطاقة الحرارية والضغط الناتجين عن الاصطدام كانا كافيين لتسخين القشرة والوشاح القمريين إلى درجات جعلت العناصر المتطايرة -مثل الماء والبوتاسيوم- تتبخر وتهرب إلى الفضاء، خاصة في جهة الوجه البعيد. ولأن النظير الأخف (بوتاسيوم-39) يتبخر أسرع، بقيت نسبة أعلى من النظير الأثقل (بوتاسيوم-41).
والنتيجة وشاح يقل فيه الماء والعناصر المتطايرة، مما يعني صهارة أقل وبراكين أضعف وبحارا بركانية نادرة على الوجه البعيد. هكذا يفسَّر غياب "الماريا" (البحار) هناك، مقابل انتشارها الواسع على الوجه القريب.
أهمية هذا الاكتشاف لا تكمن فقط في حل لغز قديم، بل في دور الصين المحوري في تحقيقه، فمهمة "تشانغ آه-6" هي أول مهمة في التاريخ تحضر عينات من الوجه البعيد للقمر، وهو إنجاز علمي لم تحققه أي دولة من قبل.
هذه العينات تمنح العلماء رؤية مباشرة لباطن القمر وتاريخه المبكر، وتكمل ما بدأته بعثات "أبولّو" التي اقتصرت على الوجه القريب، ومع استمرار الصين في برنامجها القمري الطموح، يبدو أنها أصبحت لاعبا أساسيا في إعادة كتابة قصة تشكّل القمر وتطوره.
فهم الاختلاف بين وجهي القمر ليس مسألة أكاديمية فقط، بل له تبعات على مستقبل الاستكشاف القمري، واختيار مواقع القواعد البشرية، ودراسة موارد القمر مثل الماء والمعادن، كما يقدّم هذا الاكتشاف نموذجا لفهم كيف يمكن للاصطدامات العملاقة أن تعيد تشكيل الأجرام السماوية من الداخل إلى السطح.
باختصار، اصطدام قديم وحجر صغير من البازلت ومهمة صينية جريئة، كانت كافية لتقريبنا خطوة كبيرة من فهم جارنا الأقرب في الفضاء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة