لم يعد التغير المناخي ملفا نظريا أو ترفا نخبويا، بل تحول إلى عامل مباشر يهدد الأمن المائي والاستقرار السكاني والبنية التحتية في العالم العربي.
في هذا السياق، يقدم الباحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عصام حجي قراءة شاملة لتداعيات التغير المناخي، محذرا في الوقت ذاته من أن أخطر ما يواجه المنطقة والعالم ليس الكوارث الطبيعية نفسها، بل التعامل معها بمنطق يتجاهل المعطيات والتوصيات العلمية.
ومن السواحل المهددة بالغرق، إلى ملف سد النهضة، مرورا بهجرة العقول وانتشار الخرافات حول العلوم، يربط العالم المصري، في مقابلة خاصة للجزيرة نت، بين العلم والهوية، معتبرا أن مستقبل العالم العربي مرهون بقدرته على إعادة الاعتبار للمعرفة كأداة بقاء لا كشعار وخطاب شكلي فقط.
وأكد الدكتور عصام حجي أن التغير المناخي لم يعد خطرا مستقبليا، بل واقعا يوميا تُدفع كلفته بالأرواح، مستشهدا بكارثة فيضانات درنة في ليبيا عام 2023، حيث قُتل أكثر من 11 ألف شخص في ليلة واحدة.
وقال حجي "أكبر السيول التي حدثت في تاريخ أفريقيا لم تتعرض لها دول ممطرة أو معروفة بالأنهار مثل أوغندا أو النيجر، بل في دولة مثل ليبيا التي لا تملك أي نهر وبها أقل معدلات سقوط للأمطار، لتكون المرة الأولى التي تدمر فيها كارثة مناخية نصف مدينة عربية وتاريخية".
واعتبر العالم المصري أن هذا الحدث وحده كفيل بنسف فكرة أن الكوارث الطبيعية "بعيدة عن منطقتنا"، مشيرا إلى أن ما حدث أودى بحياة الناس بشكل يفوق ضحايا نزاعات مسلحة.
ويقوم حجي بالتعاون مع فريقه العلمي بدراسة التغيرات المناخية في العالم العربي منذ 25 عاما، وهي تغيرات يعتقد كثيرون أنها بعيدة الأمد أو مستحيلة الحدوث، وذلك لإحساسهم أن العلم لا يغير أي شيء أو لأنهم ينظرون إليه كمادة قادمة من الخارج، على حد قوله، مؤكدا أن استمرار هذا الإنكار يضاعف أثر الكوارث.
أما في باريس، فقد تم انتخاب عصام حجي مؤخرا في المكتب المنسق للهيئة الوطنية الفرنسية لعلماء الفلك والفيزياء. وتعليقا على ذلك، أوضح أن هذا الدور يهدف إلى تنسيق الجهود الخاصة بدراسة التغيرات التي تحدث في القشرة الأرضية ورصد المخاطر الطبيعية في الجزر الفرنسية ودول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك هبوط المباني والأسطح والتغيرات المرتبطة بالأعاصير والزلازل والبراكين.
وقد حذر الباحث في وكالة "ناسا" مرارا من أن ارتفاع منسوب سطح البحر بات خطرا ملموسا يهدد المدن الساحلية العربية، موضحا أن متوسط الارتفاع يتراوح بين 3 و6 سنتمترات سنويا، مما يعني أن بعض المناطق قد تشهد ارتفاعا يصل إلى متر واحد أو أكثر خلال عقدين فقط، مع تزامن ذلك مع هبوط الأرض في مناطق ساحلية عديدة.
ويضرب حجي مثالا بمدينة الإسكندرية التي تحولت من تسجيل حالة انهيار عقاري واحدة سنويا إلى عشرات الحالات، نتيجة تآكل الأساسات بفعل تسرب مياه البحر وارتفاع منسوب المياه الجوفية، رافضا تفسير هذه الانهيارات بعمر المباني، ومتسائلا "لماذا صمدت الأماكن التاريخية قرونا، بينما تنهار مبانٍ حديثة اليوم؟".
بالإضافة إلى ذلك، جدّد تحذيراته بشأن ظاهرة خطيرة تتمثل في بناء مدن جديدة ومحطات طاقة وتحلية في مناطق منخفضة ومهددة بالغرق، معتبرا ذلك استثمارا في مستقبل خاسر.
وأشار حجي إلى أنه بين عامي 1980 و2025، ارتفعت درجة حرارة المياه في منطقة شرق المتوسط درجتين ونصف، مما أدى إلى تشكل البخار وتزايد العواصف من حيث العدد والشدة.
أما عن أغرب الأمور التي لاحظها حجي خلال تحليل صور فضائية لصحراء شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، فقد وصف معدلات التلوث التي رصدها بـ"المرعبة"، قائلا "مياهنا الإقليمية ملوثة ومنطقة الدلتا في مصر تعتبر أكبر مساحة زراعية ملوثة على وجه الأرض، وهو ما يفسر زيادة معدلات الأمراض المرتبطة بالمياه مثل الكبد الوبائي".
وجدير بالذكر أن منظومة مراقبة ارتفاع مستوى البحر تعمل منذ 30 عاما في تعاون بين وكالة الفضاء الأوروبية والأميركية "ناسا" والقمر الاصطناعي "سانتينال 6" الذي يمثل امتدادا لأكثر من عقدين من العمل على رصد مستوى ارتفاع سطح البحر.
وبشكل عام، يرتبط ارتفاع سطح مياه البحر بـ3 عناصر أساسية، هي ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي نتيجة ارتفاع درجة حرارة الكوكب، وارتفاع درجات حرارة المحيطات. أما العامل الثالث، فيتعلق بتآكل وانخفاض السواحل نتيجة سحب المياه الجوفية فيها.
وبالنسبة لسد النهضة، قدّم الباحث عصام حجي قراءة علمية لهذا الملف، معتبرا أن جوهر الأزمة ليس في وجود السدود، بل في كيفية إدارتها خلال فترات الجفاف. وأوضح أن نهر النيل شديد الحساسية للتغيرات المناخية لأنه يعبر 4 مناطق مناخية مختلفة، مما يجعل التنبؤ بتدفقه أكثر تعقيدا.
وأشار حجي إلى أن بناء السدود يساعد نهر النيل على توليد الكهرباء وتنظيم تدفق النهر، مما يعني أن هذا الأمر لا يشكل أي خطورة أو كارثة سواء على النيل الأزرق أو النيل الأبيض.
وتابع "يشهد النيل 3 حالات، وهي حالة التدفق العالي أو الوفرة، والحالة المتوسطة وحالة الشح المائي أثناء الجفاف. عندما واجهت مصر الجفاف من عام 1978 إلى 1987، كان السد العالي هو المنقذ الوحيد آنذاك".
وانتقد الدكتور حجي تسييس ملف سد النهضة على حساب البحث العلمي، موضحا أن غياب دراسات مشتركة موثوقة سمح بتبادل اتهامات متناقضة، من دراسات تقلل من الأضرار وأخرى تبالغ فيها، دون بناء أرضية علمية مشتركة تقنع الأطراف المعنية.
ويعتقد حجي أن الاختبار الحقيقي لاستقلال أفريقيا يتمثل في قدرتها على حل أزماتها بالعلم، لا بالضغوط السياسية أو الخطابات الشعبوية.
ويربط عالم الفضاء المصري بين تراجع مكانة العلم في العالم العربي وانتشار الخرافة، من التنجيم إلى إنكار الحقائق العلمية، معتبرا أن هذه الظواهر تلقى نجاحا كبيرا في المجتمعات التي تعاني من غياب العدالة والقهر، حيث يصبح الحظ بديلا عن المعرفة.
وأكد حجي أن أخطر ما يواجه المنطقة ليس قصف الجامعات فحسب، بل تدمير العقول منذ الصغر من خلال تسفيه العلم وتحويله إلى مادة غريبة عن الهوية العربية، مشددا على أن الهوية العربية تاريخيا ودينيا ارتبطت بالعلم والقراءة.
أما فيما يتعلق بهجرة العقول، فيُحمّل الدكتور حجي الأنظمة التعليمية والإدارية مسؤولية طرد الكفاءات في بعض الدول، مشيرا إلى أن التركيز على التصنيفات الشكلية للجامعات دون أثر حقيقي في المجتمع ما هو سوى خداع للنفس.
ويختم قائلا "رسالتي إلى العلماء العرب المغتربين هي ضرورة الوعي بأن الدور المطلوب منهم والنجاحات التي يحققونها في الغرب لا تكتمل إلا بنجاحهم في أوطانهم وتغيير واقع البسطاء الذين ينتظرون الكثير منهم".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة