التصعيد الذي أعاد الخطر إلى الداخل السعودي
المفارقة هنا أن السعودية، التي عادت إلى التصعيد العسكري في اليمن بهدف تغيير المعادلة على الأرض، تجد نفسها أمام معادلة مختلفة تماماً: كلما اتسع التصعيد في اليمن، اتسعت معه دائرة الخطر داخل الأراضي السعودية.
كان بإمكان الرياض أن تتعامل مع الوضع اليمني من خلال الضغط السياسي والوساطات والحفاظ على مستوى محدود من المواجهة. لكنها اختارت العودة إلى العمل العسكري بصورة أكبر، ودعمت هجوماً واسعاً لاستعادة مناطق خسرها خصومها، خصوصاً على الساحل الغربي وبالقرب من باب المندب.
لكن النتيجة حتى الآن لا تبدو في مصلحة الرياض بالقدر الذي كانت تريده. فبدلاً من أن تبقى المعركة داخل اليمن، انتقلت آثارها إلى المطارات والمنشآت النفطية والطرق الجوية السعودية. وفي الأيام الأخيرة تعرض مطارا أبها والملك خالد لهجمات، بينما تعرضت حركة الطيران لاضطرابات واضحة.
والتحذير الأخير أكثر أهمية لأنه يوسع مفهوم الأهداف. لم يعد الحديث، وفق بيان صنعاء، عن منشآت سبق استهدافها فقط، بل عن كل المنشآت النفطية، مع تحذير العاملين والخبراء والمهندسين والعمال من الوجود فيها. كما شمل التحذير شركات الطيران والعاملين والمسافرين في المجالات والمطارات التي سبق الإعلان عنها.
وهذا يعني أن السعودية قد تواجه خلال المرحلة المقبلة مشكلة تتجاوز الخسائر العسكرية المباشرة. مجرد وجود تهديد مستمر للمنشآت النفطية والمطارات يمكن أن يرفع كلفة التأمين والنقل والاستثمار، ويجعل الشركات والأفراد أكثر حذراً في التعامل مع المواقع الحيوية السعودية. وقد بدأت بالفعل تظهر مؤشرات على ارتفاع المخاوف المتعلقة بأمن الطيران والنفط، في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات واسعة في حركة الطاقة والشحن.
المشكلة الأكبر أن الرياض قد تكون دخلت في مسار يصعب الخروج منه بسهولة. فإذا توقفت الآن، يمكن أن يُنظر إلى ذلك باعتباره تراجعاً أمام الضربات والتهديدات. وإذا واصلت التصعيد، فإنها تمنح الطرف الآخر مبرراً للاستمرار في توسيع نطاق الرد واستهداف المزيد من المنشآت داخل السعودية.
وهنا تظهر نتيجة مهمة: التصعيد الذي كان يفترض أن يضغط على صنعاء قد يتحول إلى وسيلة ضغط على السعودية نفسها. فبدلاً من إجبار خصمها على التخلي عن مكاسبه، قد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى حماية مطاراتها ومنشآتها النفطية ومدنها، وطلب دعم عسكري ولوجستي من حلفائها. وقد فعلت ذلك بالفعل عبر تفعيل اتفاق دفاعي مع تركيا وباكستان، مع بحث أشكال إضافية من الدعم.
وهذا هو الجانب الأكثر كلفة في الحساب السعودي. فالمواجهة لم تعد مجرد عملية عسكرية داخل اليمن يمكن التحكم في حدودها، وإنما أصبحت مرتبطة بأمن السعودية الاقتصادي والجوي، وبأمن الملاحة والطاقة في المنطقة.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع السعودية تحقيق مكاسب جديدة في اليمن؟ وإنما أصبح أيضاً: كم ستدفع السعودية مقابل استمرار الحرب، وإلى أي مدى يمكن أن تتسع دائرة الرد؟.
إذا استمر المسار الحالي، فقد تكون الرياض قد فتحت بنفسها جبهة كان بإمكانها تجنبها. وما بدأ باعتباره محاولة لتغيير ميزان القوى في اليمن، يتحول تدريجياً إلى اختبار لأمن السعودية واقتصادها وقدرتها على تحمل حرب طويلة ومفتوحة. وهذه تحديداً هي المفارقة التي قد تجعل التصعيد السعودي، بدلاً من أن ينهي المشكلة اليمنية، سبباً في انتقال المشكلة إلى الداخل السعودي نفسه.
* عرب جورنال