مصدر الصورة

أكدت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، أن جماعة الحوثي «الارهابية»أسهمت في إجهاض مسار التحول الديمقراطي في اليمن، بعدما اختارت السلاح بديلاً عن العمل السياسي وتحدّت سلطة الدولة، مشددة على أن أي سلام مستدام في البلاد لا يمكن أن يقوم على تكريس حكم الميليشيات.

وقالت كرمان، في كلمة ألقتها خلال القمة الأوروبية للديمقراطية في بروكسل، إن اليمنيين خرجوا بصورة سلمية في عام 2011 للمطالبة بالكرامة والحكم الرشيد والمساواة والحرية، معتبرة أن الانتقال السياسي الذي أعقب ذلك «لم يفشل، بل أُفشل» بفعل الثورة المضادة والجماعات المسلحة والتدخلات الإقليمية والتآمر الدولي.

وأضافت أن ما وصفته بـ«المشروع الحوثي المسلح المدعوم من إيران» استبدل السياسة بالسلاح، وتحدى سلطة الدولة، ما أدى إلى تقويض فرصة اليمنيين في بناء دولة ديمقراطية مستقرة.

وشددت كرمان على أن اليمنيين «يستحقون دولة ديمقراطية ذات سيادة، وجيشاً وطنياً واحداً تحت سلطة شرعية، وسلاماً يعيد الدولة بدلاً من تكريس حكم الميليشيات»، في إشارة إلى أن معالجة الأزمة اليمنية، من وجهة نظرها، لا ينبغي أن تقتصر على ترتيبات لوقف القتال، بل يجب أن تقود إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء نفوذ الجماعات المسلحة خارجها.

الديمقراطية أُجهضت ولم تفشل

وربطت كرمان التجربة اليمنية بموجة الانتفاضات العربية، قائلة إن انتكاسة الربيع العربي لم تكن نتيجة مطالبة الشعوب بالحرية والديمقراطية، وإنما بسبب ما وصفته بـ«خذلان تطلعاتها المشروعة»، وتمويل قوى الاستبداد والثورة المضادة وتسليحها وتمكينها من إجهاض التحولات السياسية.

وقالت إن العالم لا يمر بمجرد تراجع ديمقراطي، وإنما يشهد تحولاً عميقاً في النظام الدولي، في ظل التطبيق الانتقائي للقانون الدولي، وعجز المؤسسات متعددة الأطراف عن منع الحروب وحماية المدنيين، إلى جانب تنامي نفوذ الأنظمة السلطوية.

ودعت أوروبا إلى تجديد دورها في الدفاع عن الديمقراطية والقانون الدولي وحقوق الإنسان، محذرة من عودة منطق القوة والهيمنة إلى العلاقات الدولية.

لا استقرار مستداماً بالقمع

وأكدت كرمان أن الأمن لا ينبغي اختزاله في الجيوش والحدود والأسلحة، بل يشمل استقلال القضاء وحرية الصحافة ونزاهة الانتخابات وقوة المجتمع المدني وثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

وحذرت من الخلط بين الاستبداد والاستقرار، قائلة إن القمع قد يؤجل الصراع لكنه لا يعالج أسبابه، وإنه «لا استقرار مستداماً من دون مؤسسات خاضعة للمساءلة، ولا سلام دائماً من دون عدالة، ولا أمن حقيقياً من دون حرية».

وأشارت إلى أن انهيار الديمقراطيات غالباً ما يبدأ تدريجياً عبر استهداف الصحفيين، وترهيب القضاة، ونزع الشرعية عن المعارضة، واستهداف الأقليات، ونشر المعلومات المضللة.

انتقادات للسياسة الأوروبية

وطالبت كرمان أوروبا بمراجعة سياساتها الخارجية والتوقف عن دعم الأنظمة الديكتاتورية تحت ذريعة تحقيق الاستقرار قصير الأجل، معتبرة أن الديمقراطية ليست قيمة أوروبية أو غربية، وأن حقوق الإنسان لا ينبغي أن تتوقف عند حدود القارة.

كما دعت أوروبا إلى مواجهة إرثها الاستعماري وبناء علاقات أكثر عدلاً مع دول الجنوب العالمي، محذرة من إعادة إنتاج أنماط الهيمنة والاستغلال القديمة تحت مسميات جديدة.

وفي السياق الدولي، أكدت ضرورة احترام سيادة أوكرانيا ورفض تغيير الحدود بالقوة، وضمان حقوق الفلسطينيين في الحرية والكرامة والحماية بموجب القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، إلى جانب حماية المدنيين في السودان.

الديمقراطية والاقتصاد والتكنولوجيا

وفي حديثها عن قطاع الأعمال، قالت كرمان إن الديمقراطية ليست مجرد مسؤولية اجتماعية للشركات، بل تمثل جزءاً من البنية التحتية للاقتصاد الحديث، موضحة أن استقلال القضاء يحمي العقود والملكية، وسيادة القانون توفر الاستقرار والقدرة على التنبؤ، بينما يساعد الإعلام الحر في كشف الفساد.

ودعت إلى إخضاع شركات التكنولوجيا الكبرى والشركات متعددة الجنسيات للمساءلة عندما تؤثر ممارساتها على الخصوصية والمنافسة والنقاش الديمقراطي، أو عندما تستفيد من الفساد ونهب الموارد والصراعات.

كما شددت على ضرورة أن تثبت الديمقراطية قدرتها على تحسين حياة الناس، من خلال مكافحة الفساد، وحماية الحقوق الاجتماعية، وتوفير الفرص، وتنظيم الذكاء الاصطناعي، وإشراك الشباب بصورة حقيقية في صناعة القرار.

وفي ختام كلمتها، دعت كرمان أوروبا إلى قيادة مرحلة جديدة للدفاع عن الديمقراطية، ليس عبر الهيمنة، وإنما من خلال الاتساق بين المبادئ والممارسة، مؤكدة أن السلام لا ينبغي أن يكون على حساب العدالة، وأن الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتخلي عن الحرية.

وقالت إن الأمل بالنسبة لها ليس انتظاراً لأن يصبح التاريخ أكثر رحمة، بل «فعل من أفعال المقاومة»، معتبرة أن تحويل الناس هذا الأمل إلى فعل قادر على تغيير مسار التاريخ.