وتبرز أهمية هذه المعادلة مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، إذ تزداد أهمية طرق التصدير السعودية الممتدة عبر البحر الأحمر وباب المندب. وهذه الطرق، التي يفترض أن توفر للمملكة منفذاً بديلاً عن الخليج، يمكن أن تتحول في ظروف الحرب إلى نقطة ضغط إضافية، خصوصاً إذا تزامن اضطراب الملاحة مع تهديد المنشآت النفطية وخطوط نقل الخام.

وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية في الاقتصاد السعودي. فالمملكة لا تعتمد فقط على قدرتها على استخراج النفط، وإنما قدرتها على نقله إلى الأسواق العالمية بأمان واستمرار. وأي خلل يصيب هذه الحلقة، سواء عبر استهداف منشآت الإنتاج أو تعطيل طرق التصدير أو رفع كلفة التأمين والنقل، يمكن أن ينعكس سريعاً على الإيرادات وعلى قدرة الرياض على تمويل التزاماتها ومشاريعها الاقتصادية الضخمة.

وتزداد خطورة المشهد عندما يتزامن الضغط على المنشآت النفطية مع الضغط البحري. فبقيق، وخطوط الأنابيب، والموانئ والمنشآت الواقعة على ساحل البحر الأحمر ليست أهدافاً منفصلة في هذه المعادلة، بل أجزاء من منظومة واحدة. وكلما ارتفعت كلفة حماية هذه المنظومة أو تأمين حركة صادراتها، تراجعت ميزة الموقع والقدرة التي بنت عليها الرياض جانباً من استراتيجيتها الاقتصادية.

ولا تأتي هذه التطورات في وقت مريح بالنسبة للسعودية. فالمملكة تنفق موارد ضخمة على الدفاع، فيما تتزايد أعباء تمويل المشاريع الكبرى المرتبطة برؤية 2030، ويظل الاقتصاد شديد الارتباط بعائدات النفط. ولذلك فإن انتقال الحرب من استنزاف عسكري مباشر إلى ضغط اقتصادي طويل الأمد قد يفرض على الرياض حسابات أكثر تعقيداً من مجرد تحقيق مكاسب ميدانية محدودة داخل اليمن.

وفي الميدان، يبدو أن الصراع يتجه إلى مرحلة أكثر انفتاحاً، مع الحديث عن تحركات للقوات المدعومة من السعودية باتجاه مناطق استراتيجية في الساحل الغربي وباب المندب، مقابل نفي صنعاء لهذه التطورات. وإذا استمر هذا المسار، فإن باب المندب لن يكون مجرد جبهة عسكرية، بل سيصبح جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية مع أمن الطاقة والتجارة الدولية.

لهذا، فإن الخطر الحقيقي على السعودية لا يكمن بالضرورة في اتساع رقعة المعارك داخل اليمن، وإنما في انتقال تأثير الحرب إلى المجالات التي يقوم عليها ثقل المملكة الاقتصادي. فإذا أصبحت الطاقة والموانئ وخطوط التصدير وطرق التجارة جزءاً من معادلة الردع، فإن الحرب لن تبقى حرباً على الحدود الجنوبية، بل ستنال من قلب الاقتصاد السعودي نفسه.

وهنا تحديداً تتغير قواعد الاشتباك؛ ما كان يُنظر إليه باعتباره عمقاً آمناً للمملكة قد يتحول إلى عمق مكلف، وما كانت الرياض تستخدمه كأداة قوة اقتصادية قد يصبح في ظروف التصعيد ورقة ضغط عليها. وعند هذه النقطة، لن يكون السؤال من يسيطر على مساحة جديدة في اليمن، بل من يستطيع فرض الكلفة الأكبر على الطرف الآخر، ومن يملك القدرة على مواصلة الحرب عندما تصل تداعياتها إلى مصادر القوة الاقتصادية نفسها.