كلفة الخيار الخاطئ: كيف يُغلق التصعيد أبواب الخروج الآمن أمام الرياض في اليمن؟
وفرضت التطورات العسكرية الأخيرة، وتحديداً تلك المتمثلة في الضربات الموجعة التي تلقتها المنشآت الحيوية في العمق السعودي بالتوازي مع حظر عبور السفن والملاحة السعودية عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، واقعاً جديداً يثبت أن الاستمرار في خيار الحرب لم يعد مجرد مجازفة سياسية، بل خطأ استراتيجياً يضاعف من حجم الخسائر الأمنية والاقتصادية للمملكة.
تتجلى أبعاد هذا الخيار الخاطئ في طريقة تعاطي الرياض مع معادلة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» التي فرضتها حكومة صنعاء؛ حيث كان بإمكان المملكة اعتماد طريق السلام المباشر وتفادي كلفة المواجهة الشاملة عبر تنفيذ التفاهمات وخارطة الطريق الأممية. غير أن الإصرار على المماطلة وتجديد الخروقات الميدانية- وعلى رأسها استهداف مطار صنعاء الدولي- أدى إلى انتهاء الهدنة ونقل الصراع إلى مستوى أشد خطورة.
وتجسد هذا التحول في وصول الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة إلى عمق المرافق الحيوية والاستراتيجية، بما في ذلك العاصمة الرياض، إلى جانب شلل شريان الملاحة البحرية السعودية، مما برهن على أن معادلة الردع قد اختلفت كلياً عن تلك التي كانت قائمة عند بداية الحرب في مارس 2015، وأن صنعاء باتت تمتلك إمكانيات تسليحية وهجومية عالية الدقة والتأثير.
وفي محاولة للتغطية على هذا الانكشاف الميداني وتفادي كلفة السلام المستحق، سلكت الرياض خياراً خاطئاً آخر تمثل في الاندفاع نحو استجداء تحالفات وتكتلات إقليمية وبحرية جديدة، على أمل إيجاد مظلة دفاعية توفر لها الردع المطلق. غير أن التجربة الواقعية أثبتت عجز هذه التحالفات عن تأمين أي قدر من الحماية التكتيكية في مواجهة الأسلحة غير المماثلة والتكتيكات الهجومية الحديثة، حيث كشفت هذه التحركات الشكلية عن القصور في استيعاب طبيعة التحول في موازين القوى؛ فالردع لا يُستورد من خلال تكتلات مجردة، بل يُصنع عبر التعاطي المباشر والواقعي مع القوة الفاعلة على الأرض، والاعتراف بأن أمن المنشآت الاقتصادية ومشاريع المستقبل لا يمكن حمايته عبر المظلات الخارجية، بل عبر إنهاء أسباب الصراع جذرياً.
ويرى محللون أن التقييم المنطقي لمسار الأحداث يؤكد أن طريق السلام كان ولا يزال الخيار الأقرب والأقل كلفة للسعودية؛ فهو الطريق الوحيد الذي يضمن لها خروجاً آمناً ومحفظاً لكرامتها واستقرارها من المستنقع اليمني، وأي تسوية في هذا السياق تتطلب استحقاقات صريحة ومباشرة تتمثل في، الرفع الكلي للحصار عن الموانئ والمطارات والمنافذ، والالتزام الصريح بملفات جبر الضرر والتعويضات وإعادة الإعمار، ومعالجة ملق مرتبات الموظفين اليمنيين المنقطعة منذ سبتمبر 2016، وضمان الصرف المنتظم لها من الموارد الوطنية، إضافة إلى الانسحاب الكامل للقوات الخارجية ورفع اليد نهائياً عن إدارة الشأن الداخلي اليمني.
ويؤكد المحللون أن هذه الاستحقاقات، رغم ما تفرضه من التزامات مالية وسياسية، تبقى مجرد كلفة بسيطة مقارنة بالأثمان الباهظة التي تتكبدها المملكة جراء استمرار الاستنزاف العسكري وتوقف الشرايين الاقتصادية والملاحية.
ويشير المحللون إلى أن السعودية باختيارها المضي في طريق التصعيد المفتوح تضيع فرصتها الأخيرة للتعافي والخروج بأقل الأضرار، حيث أن الاستمرار في هذا الخيار لن يؤدي إلا إلى تعميق نزيف أمن المملكة ومواردها المادية، ووضع رؤاها المستقبلية ومشروعاتها التنموية تحت خط التهديد المباشر.
وبناءً على منطق الواقع وموازين القوى القائمة، فإن النتيجة الحتمية للسير في الطريق الخاطئ ستكون تجرّع هزيمة قاسية؛ مما يجعل التراجع الشجاع والاتجاه العاجل نحو السلام الشامل وتلبية حقوق الشعب اليمني هو الخيار الوحيد لتدارك ما تبقى من الفرص والحد من الخسائر الكبرى.