آخر الأخبار

صنعاء تنقل الحرب إلى قلب المصالح الحيوية السعودية

شارك

خلال سبتمبر، أعلنت صنعاء تنفيذ ضربات على الرياض وينبع، بينما أعلنت السعودية تعرضها لهجمات صاروخية ومسيرة في عدة مناطق. والأهم أن التصعيد وصل إلى ينبع، التي تمثل منفذاً رئيساً للنفط السعودي على البحر الأحمر، في وقت كانت فيه الرياض تعيد تشغيل خط شرق–غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز. وهنا تكمن أهمية الضربة اليمنية ليست المسألة في الصاروخ ذاته، وإنما في المكان الذي يذهب إليه الصاروخ. عندما تكون الضربة على منشأة نفطية أو ميناء تصدير أو خط نقل استراتيجي، فإنها لا تستهدف موقعاً عسكرياً بالمعنى الضيق، وإنما تضرب الحلقة التي تقوم عليها قدرة السعودية على الاستمرار في تصدير الطاقة وحماية اقتصادها من الاختناقات البحرية. ولهذا فإن ينبع أكثر من مجرد ميناء؛ إنها جزء من خطة سعودية استراتيجية لتحويل النفط من الخليج إلى البحر الأحمر عندما تصبح الملاحة عبر هرمز معرضة للخطر. وقد أُغلق خط شرق–غرب بالفعل في سبتمبر بعد هجمات بطائرات مسيرة، قبل أن تعلن السعودية استئناف تشغيله. وهنا تصبح عودة الضربات إلى ينبع بعد استئناف الخط ذات دلالة سياسية وعسكرية بالغة، كلما حاولت الرياض فتح منفذ بديل لتجاوز الحصار البحري، ظهرت أمامها الجغرافيا اليمنية كعامل قادر على تهديد هذا البديل. هذه هي معادلة "الحصار بالحصار" التي تحاول صنعاء فرضها.

السعودية أرادت طوال سنوات أن تجعل اليمن محاصراً براً وبحراً وجواً، وأن تتحكم في منافذه ومطاراته وموانئه، وأن تجعل الحركة الاقتصادية والإنسانية اليمنية رهينة قرار الحرب. أما صنعاء فتقول اليوم إن الحصار لن يبقى باتجاه واحد إذا أُغلقت منافذ اليمن، فإن المصالح السعودية نفسها ستصبح موضع ضغط؛ وإذا استمرت الغارات على المدن اليمنية، فإن الموانئ والمنشآت والطاقة وخطوط الإمداد السعودية لن تكون خارج دائرة الرد. وهذه معادلة شديدة الخطورة بالنسبة إلى الرياض، لأنها تنقل الحرب من معادلة استنزاف اليمن إلى معادلة استنزاف المصالح السعودية.

فالرياض تستطيع تحمل حرب جوية على بلد فقير لسنوات، لكنها تواجه حساباً مختلفاً عندما تصبح منشآت الطاقة والموانئ والمطارات وخطوط التصدير جزءاً من المعركة. وتزداد حساسية ذلك مع اضطراب الملاحة في هرمز، لأن ينبع وخط شرق–غرب اكتسبا أهمية أكبر باعتبارهما طريقاً بديلاً لصادرات النفط السعودية. أما باب المندب، فهو الحلقة التي تجعل المعادلة أكثر تعقيداً.

السعودية لا تواجه صواريخ على مدنها فقط؛ بل تواجه احتمال أن تتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط على الحركة البحرية المرتبطة بها. وقد أفادت الأمم المتحدة في سبتمبر بأن القتال تصاعد على الساحل الغربي وأن قوات صنعاء تقدمت باتجاه باب المندب وسيطرت، وفق التقارير التي عرضها مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، على عدد من الجزر في جنوب البحر الأحمر. وبذلك يصبح البحر امتداداً طبيعياً للمعركة البرية. إذا كانت الرياض قد استخدمت الجغرافيا السعودية لعقود باعتبارها منصة ضغط على اليمن، فإن صنعاء تحاول اليوم استخدام الجغرافيا اليمنية بالطريقة المعاكسة الساحل، باب المندب، البحر الأحمر، والممرات البحرية تتحول من هامش جغرافي إلى أدوات ضغط استراتيجية.

وهذا هو التغير هو الذي يقلق السعودية أكثر من سقوط موقع عسكري هنا أو هناك.

فالمعادلة القديمة كانت بسيطة السعودية تملك التفوق الجوي، واليمن يتحمل الضربات. أما المعادلة الجديدة فتقول السعودية تضرب اليمن، لكن اليمن قادر على الرد في نقاط حساسة من الاقتصاد السعودي. وهنا تفقد القوة الجوية جزءاً كبيراً من قيمتها السياسية. تستطيع الطائرات أن تقصف، لكن القصف لا يضمن إنهاء الحرب. تستطيع منظومات الدفاع الجوي اعتراض بعض الصواريخ، لكن الاعتراض لا يلغي حقيقة أن الرياض وينبع والطائف والمنشآت النفطية أصبحت ضمن الحساب العسكري المقابل. وفي 19 سبتمبر مثلاً وثقت رويترز ظهور دخان كثيف ونيران قرب مطار الرياض بعد إعلان صنعاء استهداف مواقع حساسة في الرياض.

فالمعيار السياسي الأهم هو أن العمق السعودي أصبح نفسه مسرحاً للصراع. وهذا يعني أن السعودية لم تعد تملك رفاهية خوض الحرب كما كانت تفعل في السابق تقصف من مسافة آمنة، ثم تعود إلى الداخل السعودي وكأن اليمن موجود في عالم آخر.

اليمن أصبح قادراً على جعل الحرب تصل إلى البيئة الاقتصادية والأمنية التي تقوم عليها الدولة السعودية.

والأكثر إيلاماً للرياض أن هذه المعادلة تأتي في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة اضطراب هرمز، حساسية سوق الطاقة، اعتماد السعودية على البحر الأحمر كمسار بديل، وتصاعد المخاطر حول باب المندب. لذلك فإن الضغط على ينبع لا يُقرأ منفصلاً عن الضغط على الممرات البحرية؛ إنه جزء من معركة أوسع على من يملك القدرة على التحكم في طرق الطاقة والتجارة عندما تضطرب المنطقة.

لقد أرادت السعودية أن يكون اليمن تابعاً لأمنها، فإذا بالحرب تجعل أمن السعودية مرتبطاً بما يجري في اليمن. وأرادت أن تجعل البحر اليمني منطقة نفوذ يمكن التحكم بها من الخارج، فإذا بالبحر نفسه يدخل في معادلة الرد.

وأرادت أن تحاصر اليمن حتى ينهار، فإذا بالحرب تنتج معادلة مضادة كلما طال الحصار على اليمن، ارتفعت كلفة الحصار على الطرف الذي فرضه. لكن هذا التحول لا يعني أن الحرب حُسمت عسكرياً لصالح صنعاء؛ السعودية لا تزال تملك قدرات عسكرية واقتصادية ضخمة. إنما يعني شيئاً أخطر سياسياً، أن التفوق السعودي لم يعد كافياً لفرض النتيجة السياسية التي أرادتها الرياض من الحرب.

وهنا تحديداً ينبغي أن تفهم السعودية الرسالة. لا يمكنها أن تستمر في قصف اليمن ثم تتوقع أن يبقى اليمن ساكناً. ولا يمكنها أن تستمر في التعامل مع اليمن كساحة نفوذ، ثم تستغرب عندما تتحول الجغرافيا اليمنية إلى مصدر ضغط وتهديد عليها. ولا يمكنها أن تطالب بأمن موانئها ومنشآتها وطاقة تصديرها، بينما يعيش اليمن تحت القصف والحصار.

المعادلة التي تفرض نفسها اليوم ليست معادلة إخضاع اليمن، وإنما معادلة الكلفة المتبادلة. كل غارة سعودية على اليمن تفتح باباً جديداً للرد، وكل محاولة لخنق اليمن اقتصادياً وبحرياً تدفع صنعاء إلى البحث عن الحلقة المقابلة في الاقتصاد السعودي. وكلما اقتربت الحرب من منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية، ارتفعت كلفتها على الإقليم بأسره. ولهذا فإن الخيار الأكثر واقعية أمام الرياض ليس البحث عن جولة جديدة من التصعيد، وإنما إدراك أن زمن إدارة اليمن من الخارج يقترب من نهايته.

على السعودية أن تغادر الأراضي اليمنية ومنطق الوصاية، وأن تتعامل مع اليمن باعتباره دولة مستقلة لا حديقة خلفية، وأن تترك لليمنيين تقرير مستقبل بلدهم وحدوده ونظامه وثرواته وعلاقاته. فاليمن لن يستقر تحت النفوذ الخارجي، ولن تنتهي الحرب طالما بقيت الرياض تتعامل معه باعتباره مجالاً أمنياً تابعاً لها. لقد تغيرت المعادلة السعودية كانت تحاصر اليمن، واليوم أصبح اليمن قادراً على حصارها وتهديد المصالح التي تقوم عليها قدرة السعودية على مواصلة الحرب.

وهذا هو جوهر الصدمة.

ليست الصدمة أن صاروخاً وصل إلى ينبع أو الرياض؛ الصدمة أن اليمن الذي أرادت السعودية إخضاعه أصبح قادراً على جعل السعودية نفسها تدفع ثمن استمرار الحرب. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد، كيف تستطيع السعودية مواصلة الحرب؟ بل إلى متى تستطيع السعودية مواصلة حرب تجعل مصالحها الحيوية نفسها جزءاً من ساحة المعركة؟


* عرب جورنال

الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا