آخر الأخبار

بالأرقام.. كيف تُسقط بيانات صنعاء عن باب المندب رواية "تهديد الملاحة الدولية"؟

شارك

وأعلنت وزارة النقل والأشغال العامة في حكومة صنعاء، في بيان رسمي، عن عبور 408 سفن تجارية دولية عبر مضيق باب المندب خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 21 سبتمبر الجاري، بمعدل يبلغ نحو 40 سفينة يومياً.. وتأتي هذه الإحصائية الرسمية لتضع الممر المائي المترامي في صدارة المشهد السياسي والإعلامي الإقليمي والدولي، متجاوزة السجالات الكلامية والاتهامات المتبادلة لتعتمد على لغة الأرقام المباشرة كوسيلة لإسناد السردية السياسية والسيادية لصنعاء، والتي تؤكد استقرار حركة الملاحة والتجارة العالمية.

تُظهر البيانات الميدانية الصادرة عن الوزارة تفكيكاً دقيقاً لاتجهات حركة السير الملاحي، حيث سجلت الأجهزة المختصة- بحسب بيان وزارة النقل بصنعاء- عبور 196 سفينة باتجاه الشمال نحو البحر الأحمر وقناة السويس، مقابل 212 سفينة اتجهت جنوباً نحو خليج عدن والمحيط الهندي، وهذا التوازن العددي في الحركة بين الاتجاهين من شأنه أن يقدم دليلاً واقعيا تسعى صنعاء من خلاله إلى نفي وجود أي اختناقات بحرية أو فرض إغلاق كلي أو جزئي للممر المائي أمام أساطيل الشحن الشقيقة والصديقة.

ومن زاوية التحليل الاقتصادي، يعكس تسجيل معدل يومي يقارب 40 سفينة استمرار النسبة التشغيلية الاعتيادية لهذا المضيق الاستراتيجي الذي يمر عبره جزيء حيوي من التجارة النفطية والسلعية العالمية، ومن شأن هذه البيانات الرقمية أن تعكس مدى الثقة لدى شركات الشحن العالمية ومؤسسات التأمين البحري الدولية، والحد من مخاوف رفع أسعار المخاطر وإقرارات أقساط التأمين الإضافية، مؤكدة أن سلامة السفن التجارية جارية بصورة طبيعية ومستقرة دون أي عوائق لوجستية أو أمنية.

وتستند القراءة الرصينة لسياسات صنعاء البحرية إلى التمييز الواضح والمستمر بين السلامة العامة للملاحة الدولية وبين الإجراءات الموجهة استثنائياً.. ففي الوقت الذي يؤكد فيه بيان وزارة النقل أمان الحركة الملاحية لكافة أساطيل التجارة العالمية الملتزمة بالحياد، فإنه يعيد التذكير باستثناء "السفن التابعة للتحالف السعودي" من هذا الأمان، بناءً على القرارات والمحظورات المعلنة سابقاً من قبل سلطات صنعاء.

ويرى مراقبون أن هذا الاستثناء والتخصيص الدقيق يقدم رسالة سياسية وإعلامية مفادها أن إدارة الممر المائي تتبع محددات أمنية وضوابط سياسية مرتبطة مباشرة بسياق الصراع العسكري القائم، وليست خطوات عشوائية أو أعمال قرصنة غير محسوبة تهدد خطوط الإمداد العالمية.. مشيرين إلى أنه ومن خلال هذا التأطير، تُبرز صنعاء نموذجاً يستند إلى "مبدأ المعاملة بالمثل"، حيث تُترك حركة الملاحة المحايدة سلسة ومحمية بالكامل، بينما تُفرض القيود الحصرية على الأطراف المشاركة في العمليات العسكرية والحصار ضدها، وهو ما يجرد الخصوم من ذريعة تصوير الوضع كتهديد شامل للاقتصاد العالمي.

السيادة الوطنية في مواجهة دعوات التدويل

على الصعيد الجيوسياسي، يشكل هذا البيان المدعوم بالأرقام حول انسيابية حركة الملاحة في مضيق باب المندب، منذ سيطرة قوات صنعاء عليه، حجة محورية لدعم سردية صنعاء حول ممارستها لسيادتها المباشرة على الأراضي والمياه الإقليمية اليمنية والممرات البحرية الاستراتيجية.. ففي الوقت الذي تسعى فيه أطراف إقليمية ودولية إلى تصوير السيطرة الميدانية لصنعاء على مضيق باب المندب كخطر داهم يستدعي تعزيز التواجد العسكري الأجنبي أو الالتفاف على جغرافيا اليمن عبر مشاريع لتدويل إدارة الممر، يقدم الإعلان الرسمي دليلاً عملياً يُثبت القدرة الكافية والجاهزية المؤسسية لسلطات صنعاء على تنظيم وحماية حركة الملاحة الدولية بفاعلية وأمان دون الحاجة إلى وصاية أو حماية خارجية.

وتعتبر صنعاء أن ممارسة هذا الدور التنظيمي والأمني في باب المندب يندرج ضمن الحقوق السيادية الأصيلة والمكفولة للدول على مياهها الإقليمية وخطوطها الملاحية بموجب القوانين الدولية، معلنة رفضها الصريح لأي مساعٍ تهدف إلى انتزاع أو تجزئة هذه السيادة الوطنية تحت ذرائع الحماية الدولية.

ويبرز هذا البيان الإحصائي الصادر عن وزارة النقل بصنعاء كوثيقة مركزية في قلب "صراع السرديات" المشتعل بين صنعاء وخصومها.. فبينما يعتمد الخطاب الإعلامي والسياسي المناوئ لصنعاء على التحذير المستمر من مخاطر سيطرة صنعاء على الملاحة في باب المندب، والترويج لروايات التخويف البحرية، تعمد صنعاء إلى نشر البيانات الرسمية والأرقام الدورية لتفكيك الروايات المضادة وإسقاط الشائعات الموجهة لشركات النقل البحري.

ويرى مراقبون أن نجاح صنعاء في تثبيت هذه المعطيات الرقمية الميدانية يعزز موقعها كفاعل إقليمي أساسي قادر على إدارة شريان مائي فائق الأهمية للاقتصاد العالمي، وموازنة متطلبات الحفاظ على أمن واستقرار حركة التجارة الدولية مع التمسك الصارم بالحقوق السيادية الوطنية وضوابط إدارة الصراع الإقليمي.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا