المشكلة الأساسية هنا ليست أن جبهة عسكرية تراجعت، فهذا يحدث في أي حرب، وإنما أن هناك فارقًا بين المعلومات التي بُنيت عليها القرارات وبين التطورات الفعلية. فإذا كانت التقارير التي رُفعت إلى القيادة السعودية تقدم صورة مستقرة أو إيجابية عن الساحل، ثم انهارت المواقع وانسحبت القوات بصورة مفاجئة، فمن الطبيعي أن تبحث الرياض عن مصدر الخلل: هل كان سوء تقدير؟ أم ضعفًا في القيادة؟ أم أن بعض القيادات كانت تعرف حجم المشكلة ولم تنقله كما هي؟.
وهذا يفسر، وفق الرواية المتداولة، تحميل المسؤولية لعدة أطراف بدل حصرها في طارق صالح وحده. فهناك قوات العمالقة ودرع الوطن، إلى جانب طارق صالح، بينما كان سمير الحاج مسؤولًا عن إعداد تقارير الموقف. وهذا يعني أن السعودية، إذا كانت فعلًا تجري مراجعة داخلية، لا تنظر إلى ما حدث باعتباره فشل قائد ميداني واحد، بل باعتباره خللًا في سلسلة القيادة والتقدير ونقل المعلومات.
الأهم أن الحديث عن التحقيق مع رشاد العليمي وطارق صالح يكشف طبيعة العلاقة بين الرياض وبعض القوى العسكرية والسياسية اليمنية. السعودية لا تتعامل معها باعتبارها قوى مستقلة بالكامل، وإنما باعتبارها أطرافًا تعتمد عليها في التمويل والدعم والقرار العسكري. ولذلك، عندما تفشل جبهة أو تنهار ترتيبات عسكرية، يكون السؤال في الرياض مختلفًا عن السؤال داخل المؤسسات اليمنية: من المسؤول أمام السعودية عن هذه النتيجة؟.
وهنا تظهر نقطة أكثر أهمية: مستقبل طارق صالح العسكري. فإذا كانت السعودية قد فقدت الثقة في قدرة قواته على الاحتفاظ بالساحل، فإن إعادة بناء القوة بالطريقة السابقة قد لا تكون أولوية لديها. وقد يكون الإبقاء عليه في موقع سياسي، مع تقليص دوره العسكري، حلًا وسطًا يسمح للرياض بالحفاظ على التوازن داخل مجلس القيادة، من دون إعادة منحه القوة التي كانت لديه سابقًا.
أما الحديث عن عدم إعادة تفعيل جبهة المخا، والتركيز بدلًا من ذلك على مأرب والجنوب، مع احتمال تشكيل قوة جديدة بقيادة شخصية جنوبية للتوجه مستقبلًا نحو الحديدة، فيشير إلى أن السعودية قد تكون بصدد إعادة توزيع أدواتها العسكرية في اليمن. أي أن المشكلة ليست في التخلي عن مواجهة قوات صنعاء، وإنما في تغيير القوى والمناطق التي يمكن أن تستخدمها الرياض لتحقيق ذلك.
وتأتي رواية فرار بعض القيادات، كما نقلت فايننشال تايمز عن مقاتلين في قوات طارق، لتزيد من خطورة المشكلة. فالجندي الذي يجد نفسه أمام انسحاب مفاجئ لقياداته يفقد الثقة في القيادة، حتى لو كانت لديه القدرة على القتال. والانهيار العسكري لا يبدأ دائمًا عندما يخسر المقاتلون مواقعهم، بل قد يبدأ عندما يشعرون أن القيادات نفسها لم تعد مستعدة للبقاء.
في النهاية، يمكن القول إن أزمة الساحل الغربي كشفت فجوة بين الصورة التي كانت تصل إلى الرياض وبين الواقع الميداني. ولذلك فإن التحقيقات، إن كانت قد جرت بالفعل، ليست مجرد بحث عن كبش فداء، وإنما محاولة سعودية لمعرفة أين تعطلت منظومة القرار: في القيادة العسكرية، أم في تقارير الموقف، أم في قدرة القوات نفسها على تنفيذ ما يُطلب منها.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية