آخر الأخبار

ضربة «شرق–غرب» وحصار البحر الأحمر يضيّقان الخناق على الرياض

شارك

بالنسبة إلى المملكة، جاءت الضربة في المكان الذي يفترض أن يوفر لها طريق النجاة عندما يضيق مضيق هرمز. خط «شرق–غرب»، أو «بترولاين»، يمتد نحو 1,200 كيلومتر من مناطق النفط في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتصل طاقته التصميمية بعد التوسعات الأخيرة إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًا. وخلال أزمة هرمز، أصبح الخط يحمل ما يقارب أربعة إلى خمسة ملايين برميل يوميًا، محولًا ينبع إلى منفذ بالغ الأهمية للصادرات السعودية.

هذه الوظيفة هي التي تجعل صور الأضرار أكثر إحراجًا للرياض من مجرد خسارة تشغيلية في محطة ضخ. السعودية بنت قدرتها على مواجهة اضطراب هرمز على تحويل النفط غربًا. الهجوم أصاب الأداة التي تقوم عليها هذه الخطة، وحوّل الطريق الاحتياطي نفسه إلى نقطة ضعف وتزداد المشكلة قسوة عند النظر إلى خريطة المنطقة. فالنفط الذي تنقله المملكة بعيدًا عن هرمز يصل إلى البحر الأحمر، وهناك تواجه الرياض ضغطًا يمنيًا يتصاعد بسرعة. قوات صنعاء سيطرت خلال تقدمها الأخير على المخا وذباب وجزيرة ميون «بريم» الواقعة في قلب باب المندب، وهذه المواقع تمنحها وجودًا عسكريًا مباشرًا على الضفة اليمنية للمضيق وعلى إحدى أهم الجزر الحاكمة لمسارات العبور فيه.

ومع السيطرة على ميون واتساع النفوذ على الساحل الغربي، أصبح باب المندب جزءًا مباشرًا من حسابات النفط السعودي. المضيق لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 18 ميلًا، وتمر عبره كميات كبيرة من النفط والتجارة المتجهة بين آسيا والبحر الأحمر وقناة السويس فالسيطرة على المواقع اليمنية المطلة عليه تعطي صنعاء قدرة أكبر على مراقبة الحركة البحرية للسفن السعودية وتشديد الخناق

قوات صنعاء كانت قد أعلنت منذ يوليو الماضي حصارًا بحريًا على الشحن المرتبط بالسعودية، ثم كثفت هجماتها على السفن والمصالح السعودية في البحر الأحمر. رويترز أفادت هذا الأسبوع بأن هذا الحصار ساهم بالفعل في تراجع صادرات الخام عبر ينبع، فيما أصبحت بعض المصافي الآسيوية أكثر ترددًا في تحميل الشحنات من الموانئ المتأثرة بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع الكلفة. الصين أوقفت استيراد الخام المنقول عبر البحر الأحمر منذ أغسطس، كما ارتفعت أجور الناقلات من الخليج إلى آسيا إلى مستويات قياسية.

وبذلك وجدت الرياض نفسها أمام مأزق جغرافي كانت تحاول طوال سنوات تجنبه. هرمز يضغط على صادراتها من الشرق، وقوات صنعاء تتمركز الآن على مواقع استراتيجية عند باب المندب في الغرب، وخط الأنابيب الذي يربط بين حقول المملكة ومنفذها البديل على البحر الأحمر تعرض لضربة أخرجت أجزاء مهمة منه من الخدمة.

وهذه الصورة تكشف حدود المقولة التي طالما قدمت السعودية من خلالها نفسها إلى الأسواق باعتبارها المنتج الأكثر قدرة على امتصاص أزمات الإمداد. فامتلاك ملايين البراميل من الطاقة الإنتاجية يصبح أقل قيمة عندما تضيق طرق إخراجها.

والضغط وصل بالفعل إلى منشآت «أرامكو». ففي الثامن من سبتمبر تعرضت عدة منشآت طاقة في جنوب السعودية لهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة، وأعلنت قوات صنعاء استهداف مرافق تابعة لأرامكو في أبها ونجران وجازان. وزارة الطاقة السعودية أكدت اندلاع حرائق وتعطل العمليات في بعض المنشآت، فيما أصيب كما تحدثت تقارير عن إصابة منشآت أرامكو في جازان، وهي منطقة تضم مصفاة بطاقة تقارب 400 ألف برميل يوميًا.

ومع توالي الهجمات، أصبحت الضغوط موزعة على سلسلة النفط السعودية كاملة تقريبًا. منشآت الإنتاج والمعالجة تتعرض للهجمات، ومحطات الضخ أصيبت، وخط «شرق–غرب» توقف، وميناء ينبع يعتمد على مخزونات محدودة، والسفن السعودية تواجه حصارًا معلنًا في البحر الأحمر ..

وتقول وكالة «أسوشيتد برس» إن خط «شرق–غرب» قد يبقى خارج الخدمة جزئيًا لمدة تصل إلى خمسة أسابيع، مع تأثر كميات تتراوح بين 2.6 وأربعة ملايين برميل

وتدفع السعودية ثمنًا إضافيًا في سوق النقل. فأجور ناقلات النفط العملاقة بلغت مستويات قياسية مع تناقص عدد السفن المستعدة للعمل في مناطق الخطر وارتفاع أسعار وقود السفن والتأمين. تكلفة نقل البرميل أصبحت جزءًا متزايدًا من سعره، ما يقلص الميزة التي تمنحها العقود طويلة الأجل ويزيد جاذبية الخامات التي تصل إلى المشترين عبر طرق أكثر أمانًا.

لهذا تجاوز خام برنت 107 دولارات للبرميل، بينما ارتفع الخام الأميركي فوق 102 دولار في تعاملات الاثنين. السوق تسعّر احتمال فقدان كميات إضافية من الصادرات السعودية في وقت أصبحت فيه المخزونات العالمية أكثر ضيقًا وأصبحت البدائل اللوجستية أقل موثوقية.

الأزمة تحمل أيضًا ضربة لصورة السعودية التي أنفقت سنوات في تعزيز موقعها كصمام أمان لسوق الطاقة. فالأسواق اعتادت النظر إلى المملكة باعتبارها الطرف الذي يستطيع ضخ المزيد من النفط عندما يقع اضطراب في ليبيا أو العراق أو الخليج. التطورات الحالية تضع المنتج نفسه في قلب الأزمة، وتجعل قدرته على إيصال البراميل محل السؤال.

والأكثر حساسية للرياض أن الخطر أصبح يتحرك على امتداد خريطتها النفطية طائرات مسيرة أصابت خطها الاستراتيجي وهجمات يمنية طالت منشآت أرامكو في الجنوب. قوات صنعاء انتقلت إلى المخا وذباب وميون ووسعت حضورها حول باب المندب. الحصار البحري على السفن السعودية أصبح عنصرًا مؤثرًا في قرارات شركات الشحن والمصافي.

هذا التوسع يضغط مباشرة على الفكرة التي قامت عليها استراتيجية «شرق–غرب». الخط أُنشئ لتقليل الاعتماد على هرمز، ثم أصبحت نهايته الغربية مرتبطة بممر بحري يقع تحت نفوذ عسكري يمني متزايد. ومع تشديد الحصار على السعودية في البحرين الأحمر والعربي، تتحول ميزة ينبع من حل كامل لأزمة هرمز إلى مخرج يحتاج بدوره إلى حماية عسكرية وتأمين بحري مكلف.

الرياض تجد نفسها لذلك أمام مشكلة يصعب حلها بقصف موقع واحد أو إصلاح مضخة واحدة. حماية خط يمتد 1,200 كيلومتر تحتاج إلى تغطية عشرات العقد والمنشآت ومحطات الضخ. حماية ينبع تحتاج إلى إبقاء طريق البحر الأحمر مفتوحًا أمام الناقلات السعودية. حماية الصادرات الشرقية مرتبطة بتهدئة هرمز وكل مسار من هذه المسارات أصبح يحمل مخاطره الخاصة.

صور الأقمار الصناعية التي تظهر الحريق حول محطة «شرق–غرب» تقدم الصورة الأكثر اختصارًا لهذا التحول. المملكة التي بنت خطًا هائلًا للهروب من نقطة الاختناق في هرمز أصبحت ترى ذلك الخط مصابًا، بينما ترتفع رايات خصمها اليمني فوق مواقع تتحكم جغرافيًا في بوابة البحر الأحمر.

وبالنسبة إلى أسواق الطاقة، فإن السؤال أصبح أوسع من موعد إعادة تشغيل «بترولاين». السؤال يتعلق بمدى قدرة السعودية على الاحتفاظ بدورها كمنتج موثوق عندما تتعرض طرقها الشرقية والغربية والبنية التي تصل بينهما للضغط في الوقت نفسه.

أما بالنسبة إلى الرياض، فإن التطورات تحمل معنى أشد قسوة: امتلاك النفط لم يعد وحده مصدر القوة الذي كان عليه في السابق. القدرة على إخراجه من الحقول وإيصاله إلى المشترين أصبحت ساحة المواجهة الحقيقية، ومن هرمز إلى باب المندب تتقلص المساحة التي كانت المملكة تعتمد عليها للمناورة كلما طال أمد الحرب واتسعت الهجمات على بنيتها النفطية وشحنها البحري.


* عرب جورنال


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا